English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

نهار آخر | داعشيون وإن لم ينتموا
القسم : سياسي

| |
رضي الموسوي 2016-06-17 21:00:34




لا يحتاج المرء للبحث والتفتيش كثيرا ليتوصل إلى خلاصة مفادها أن الكثير من الإعلام العربي لايخرج عن نطاق الإيدولوجيا التكفيرية لتنظيم داعش. هناك جيش من الكتبة الذين يبدو وكأنهم تخرجوا من المدارس العسكرية والأمنية. هم يكتبون في الصحافة والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، لكنهم يحملون على أكتافهم نياشين الرتب العسكرية الداعشية بانكشافها سريعا في أول مفصل صغير من مفاصل كتاباتهم وتعبيراتهم التهديديةوالمبشرة بشطب معارضيهم المختلفين معهم في موقف ما.

هذا الجيش، لا يتردد عناصره عن إطلاق رصاصاتهم على الآخر المختلف، ويجدون اليوم أرضا خصبة في وسائل الإعلام بشتى تفريعاتها التقليدية والإلكترونية؛ فثمة من يبرر جرائم داعش على طريقته الأمنية، وثمة من يدافع عن هذا التنظيم تحت يافطات متعددة الألوان والأهواء. ندرك أن بعض هؤلاء يسترزق على ما تريده هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك، ملبيا التوجيهات القادمة من أعلى سلم الوسيلة الإعلامية حتى وإن كانت مدمرة للجميع بطريقة السم البطيء.

تنظيم داعش موجود بيننا في كل زاروب من زواريب المصائب التي حلت ببلاد العرب، وقد عبر هذا التنظيم البحر المتوسط والمحيط الأطلنطي ليضرب في أوروبا وأمريكا حيث توهم أهلها أنهم بعيدون عن حالة الفوضى الخلاقة التي تعصف بنا جميعا والتي كان لهم نصيب رئيس في خلقها، عندما توارت المبادئ لحساب المصالح في شكل صفقات اقتصادية وسياسية وتوريد أسلحة الدمار ووقود الحروب الأهلية. حروب تبدأ بشرارة صغيرة سرعان ما تتحول إلى نار حامية تأكل الأخضر واليابس، ولا تتوقف برغبات أمراء الطوائف. النار بطبعها تطلب المزيد من الحطب، وهنا حطبها البشر المنتشر على أرض الحروب العبثية التي أجبرت الناس على ركوب البحر دون أن يتعرفوا على أمواجه العاتية،التي تقذفهم مع أول موجة تلامس قارباً مهترئاً يحمل فوق طاقته لحماً مرشحاً أن يكون وجبة دسمة لأسماك متلهفة لوليمة على أعشاب أعماقه.

**

كثيرون يتذكرون، في الوهلة الأولى، إنسانيتهم وهم يشاهدونعلى شاشة التلفاز جثث القتلى والغرقى والذين تفحموا حرقا، لكنهم وهم يشاهدون المقطع الأخير، يشربون نخب النصر بعد أنيلقي المذيع التحية المعهودة معلنا نهاية نشرة الأخبار وطلبه من مشاهديه عدم الابتعاد عن قناته فثمة تقرير أكثر بشاعة ودموية. هؤلاء، بعقلهم الجمعي المغيب، يتوهمون نصرا حققه حشد أعاد سلخ الجلود المسلوخة أصلا وراح يرقص على الجماجم المتناثرةالمقتلعة تواً من جذورها الضاربة في أعماق التاريخ. يتلمس بعض الجند الأجساد الطرية إيذانا بوجبة إضافية من السياط، لتكتب في تاريخ يجري تزويره بطريقة فلكلورية دموية سمجة تمارس عملية ليّ عنق للتاريخ وتجر معه واقعا منهكا كمن يجر النار لذلك القرص المنتظر جمرا يلامسه ليخرج ناضجا في كتاب مغلف بجلد من سلخوا ومن سحلوا ومن تم سبيهم على أبواب المدينة وسقن لأسواق الرقيق بطرق تتبرأ الجاهلية الأولى من أساليبها.

**

في الضفة الأخرى، يتربع كهنة المعبد وهم يمسكون عصيّهم التي لا تتحول حيات تسعى. هراوات تسقط على الرؤوس المحفورة في جماجمها ذاكرة من دم ونار وفجور الخصومة ورقص الزار على الأجساد المسبية والمحروقة بالفقد وضياع البوصلة. فقد يشبه فَقْدَ يعقوب ليوسف في جبّ بدأت فيه رحلة الأسر والتجوال به سلعة تباع رقيقا وهو خارج للتو من البئر، ليعاد بيعه في أرض صارت للعزيز. غربة ولدت معها متعة السياط وهي ترقص على جسد نحيل تتصاعد منه آهات الألم والرغبة المحرمة على الأنبياء.لمن تلك السياط إن لم تكن لداعش التي لم تولد بعد من رحم القاعدة والشمولية وفشل التنمية؟!

هكذا يبدو راهن الصورة: دم يسيل وقوافل ترحل من مدنها و"هولوكست" شرقي جديد على الطراز العربي بلا أفران غاز. هنا يستحضر التاريخ من قعره، يرتل ترنيمة القتل ويبدأ. ليس بالسيف وحده يقتل الإنسان. يمكن قتله أيضا باقتلاعه من جذوره ورميهفي أي ربذة أو بحر يشم فيه يودا يعيد له الطلة الأولى أو يسكن قاعه.

ليس بالضرورة أن تكون داعشيا بتغطية جسدك بالأسود وتفجر المعابد وتفخخ السيارات وتسيج وسطك بحزام ينثر الأرواح إلى بارئها وتحرق الأسرى في أقفاص مكبّلة بها العقول الموتورة، فتلك أساليب عفا عليها الزمن وإن لا تزال لها صلاحية بين القيم المنهارة. يمكن أن تكون موظفا في شركة أمنية وتدخل ملهَى ليليًّا وتصيب اللوطيين بمقتل مكبرا ومهللا بالنصر المبين على الفسق والفجور. هذا نوع داعشي فاخر، وهناك أنواع أكثر فخامة تليق بمهام أكثر ضخامة وقذارة من طراز تدمير وطن بكامله وبلباس ليس أسود، ربما أبيض يبين فيه اللون الأصلي للدم القاني.

**

الإعلام، ربما، هو أكثر أنواع القتل بشاعة. وقد فطن تنظيم داعش له مبكرا، كما فطن له الدواعش الذين لم ينتموا تنظيميا لكنهم خلايا نائمة لدعوته، فهذا التنظيم لا يملك قناة فضائية واحدة، لكن أخباره تدخل كل بيت، ولديه جيش من الإعلاميين المنتمين وغير المنتمين له، فهم داعشيون وإن لم ينتموا بفعل ما يحبرونه في الصحافة أو يطلقونه على وسائل التواصل الاجتماعي. فالكلمة تصبح رصاصة قاتلة حين تخرج من الحنجرة أو تصب حبراً على ورق صحيفة أو كتاب. رصاص لا يعود لجعبته. ألم يضع المتنبئ السيف والقلم في مرتبة حين يشعر: "الخيل والليل والبيداء تعرفني / والسيف والرمح والقرطاس والقلم"؟

في الإعلام الراهن، تتشابه بقر داعش مع بقر كثير من وسائل الإعلام في تمجيد الفرقة الناجية، كل من زاويته التي يرى فيها فرقته وقد أحاطتها الحور العين وكؤوس خمر الجنة تدار بين الجواري.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro