English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

نهار آخر | عن الليبرالية المتوحشة ووتهديد الاستقرار الاجتماعي
القسم : سياسي

| |
رضي الموسوي 2016-05-08 19:21:03




أثارني تعليق احد القراء على مقالي الذي نشر في صحيفة الشرق السعودية يوم الجمعة الماضي والمعنون ب"إلا لقمة العيش". هذا القارئ استغرب استخدام مصطلح "الليبرالية المتوحشة" من قبل أمين عام جمعية ليبرالية، بل هو يشكك في وجود المصطلح أصلا، لكنه في نهاية المطاف وجد ضالته عندما بحث، وهو الأمر الذي يستحق الشكر عليه في سعيه لمعرفة الحقيقة، وأشكره شخصيا لأنه استفزني ايجابيا لمزيد من البحث والحديث عن الليبرالية الكلاسيكية والليبرالية المتوحشة التي تقود العالم إلى انهيار في القيم والنظم والاقتصاديات لصالح الشركات المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات متكئة على العولمة بمفاهيمها الخطرة. العولمة بوجهها المتوحش والمناهضة للبعد الاجتماعي، لاتعرف حقوق العاملين بقدر ما تبحث عن مضاعفة الأرباح على حساب القيم والمبادئ التي جاءت بها الليبرالية المنبثقة من أنقاض النظامالإقطاعي وبروز الرأسمالية في صورتها الأولى والتي عبرت عنها الثورة الصناعية.أفكار الليبرالية ظهرت ايام عصر التنوير وبداية الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر. اتخذت الليبرالية شعار "حرية، أخاء، مساواة" ليكون منطلقا، لكن الرأسمالية أرادت فقط الحرية الاقتصادية من هذه القيم والمبادئ، الأمر الذي قاد لصدامات دموية مهدت إلى "انسنة" اندفاعة الرأسمال لمزيد من التوحش، وهكذا كان طوال عقود حتى أخذت أزمات الرأسمالية تنخر في جسد النظام، ليبدآ التخلي عن المبادئ التي قامت عليها الليبرالية، وتبدأ الدولة بالتخلي عن واجباتها في حماية المجتمع من تغول العولمة وتوغلها في تفاصيل الحياة اليومية المعيشية للمجتمعات، بما فيه تزايد نسب البطالة إلى مستويات مقلقة باتت تهدد الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي.

مصطلح "الليبرالية المتوحشة" ليس مصطلحا جديدا في عالم الاقتصاد والسياسة والاجتماع، وربما برز أكثر مع الحديث المتصاعد عن العولمة والإعلان عن تأسيس منظمة التجارة العالمية في المغرب، حيث استخدم في الأدبيات والدراسات الاقتصادية والاجتماعية. ونستذكر هنا ما قاله آل غور نائب الرئيس الأمريكي الأسبق في عهد الرئيس بيل كلينتون في مؤتمر تأسيس منظمة التجارة العالمية عام 1993، عندما جزم بأن تحرير التجارة والولوج في العولمة التي تهدف إلى فتح الأسواق بالطريقة التي تراها الولايات المتحدة الأمريكية، سوف يقود إلى توسيع الطبقة الوسطى. وهو الأمرالذي شككت فيه القوى الفاعلة في العالم الثالث من طراز الهند والصين، وقد تأكدت شكوكهما.

ربما هي الصدفة التي جمعت إطلاق منظمة التجارة العالمية، التي تعتبر البلدوزر المعبد لطريق العولمة، في نفس العام الذي اصدر فيه الأستاذ الدكتور رمزي زكي كتابه القيم الذي يحمل عنوان "الليبرالية المتوحشة" عام 1993 عن دار المستقبل العربي بالقاهرة. يؤكد د. رمزي زكي في كتابه "أن الأفكار الليبرالية حينما ظهرت آنذاك، لم تكن تتعلق فقط بحرية النشاط الاقتصادي، وانما كانت تشمل مجموعة كاملة من الحقوق الفردية، كحق التعبير والفكر والعقيدة والتمثيل السياسي والمشاركة في القرار السياسي".

نشير هنا إلى أن الهرولة للعولمة بالسرعة القصوى قد جاءت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي مطلع تسعينات القرن الماضي، وشعور الولايات المتحدة زعيمة المعسكر الغربي بأن الوقت قد حان للاستفراد بقيادة العالم تحت مظلة ما سمي ب"عالم القطب الواحد". وقد عقدت لهذا الشأن مؤتمرات داخلية في الولايات المتحدة وكتبت دراسات كثيرة عن كيفية استمرار الولايات المتحدة في السيطرة على العالم في القرن الواحد والعشرين. لكن رياح التغيير لم تجري كما اشتهت السفن الأمريكية، ذلك أن عالممتعدد الأقطاب يلوح في الأفق، حيث التكتلات الاقتصادية ونهوض الصين والهند وتحالفهما مع روسيا (الخصم القديم-الجديد لأمريكا) قد احدث خللا في استمرار القيادة الأمريكية للعالم.

في العام 1998 صدر عن سلسلة عالم المعرفة بالكويت كتاب "فخ العولمة"، لمؤلفيه، هانس-بيترمارتين وهارالد شومان وترجمه د.عدنان عباس علي، وقدم له الدكتور رمزي زكي. قدم المؤلفان نظرة سوداوية عن مستقبل العولمة وفق ما يخطط له في الدوائر الكبرى، وقدما رؤية واضحة تتأكد الآن، ومفادها انه كلما تقدمت العولمة ونمت يزداد تركز الثروة وتتسع الفروقات بين البشر والدول. ويشيران إلى أن 358 ملياردير في العالم يمتلكون ثروة تضاهي 2.5 مليار من سكان المعمورة. وان هناك 20 بالمئة من دول العالم تستحوذ على 85 بالمئة من الناتج العالمي الإجمالي، وعلى 84 بالمئة من التجارة العالمية، ويمتلك سكانها 85 بالمئة من مجموع المدخرات العالمية. ونفس الشيء ينطبق على الدول، فقلة من السكان يسيطرون على الثروة القومية في حين تعيش الأغلبية من السكان على الهامش. هذه الرؤية المؤكدة في العديد من مناطق العالمتتناقض مع ما ذهب إليه نائب الرئيس الأمريكي في المؤتمر التأسيسي لمنظمة التجارة العالمية. بمعنى أن الطبقة الوسطى لم تتسع بل ضمرت في الكثير من البلدان، ومنها منطقة الخليج العربي التي لم تشكل استثناءا للقاعدة، بل تأكيد لها، حيث بدأت الدولة الريعية في التلاشي بعد أن انهارت أسعار النفط وتم رفع الدعم عن المواد الأساسيةوأصبحت سياسة توطين الأيدي العاملة في خبر كان، والأدهى أن الحديث المتصاعد والمقلق إزاء المس بحقوق ومكتسبات المتقاعدين قد تحول إلى حديث روتيني ويتم من خلاله ترويض المتلقي بقبول وتفهم ما سيصدر من قرارات تمس لقمة عيشه وتبخير مدخراته.

لاشك أن الليبرالية المتوحشة بصورها المتعددة هي نقيض ما نؤمن به من مبادئ وقيم الليبرالية في صورتها الأصيلة التي تؤمن بحقوق الإنسان وبالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية  والمساواة والمشاركة في صنع القرار، وهو ما نعبر عنه في الوقت الراهن بما يطلق عليه الدولة المدنية الديمقراطية. 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro