English

 الكاتب:

مراقب سياسي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

ولادة نجم لا تنتهي
القسم : سياسي

| |
مراقب سياسي 2016-03-12 01:22:12




   

فورة الغضب بسقوط أول شهداء على خلفية الدعوة الشبابية للتظاهر تناغماً مع تحركات الشباب العربي للتغيير الموسومة بالربيع العربي، كسرت حواجز الخوف المتعالية بالإغراق في العنف قمعاً للاحتجاجات على خلفية الأزمة الدستورية المتفاقمة. عند تلك اللحظة انكسرت البنادق أمام الموت الذي زاد القاً بالروح الشبابية التي عرت قبح آلة القمع الدموي في حضور إعلام خارجي متهيئ ضمن كادر المشاهد المتداعية من نفحات الربيع العربي.

 

عشية دعوة الشباب الالتحاق بموجة الاحتجاج القادمة من تونس مروراً إلى القاهرة، كان تشيع الضحية الأولى موعداً  لفجر غير متخيل في خلد الحشود الحاضرة بالرغم من سخونة المشهد و حالة الغضب، فبعد أن أنفض الحشد بهدوء مع انتهاء مراسم الدفن قبل أن تتردد في الفضاء بعض من الأصوات المتبعثرة للسير في اتجاه دوار مجلس التعاون والتي لاقت التجاوب السريع من الشباب، حيث انطلقوا في أعداد صغيرة بمعية ثلة من قيادات المعارضة السياسية ماضين في مسيرتهم بعفوية حراك تشكل على عجل. فقد كانت الأجواء حتي اللحظة لا زالت تتسم بالحذر والتوجس من تصرفات القوى الأمنية التي قتلت بدم بارد الضحية الثانية صباح يوم التشيع الشهيد الأول المنتهي للتو، إلا أن المسيرة أستمرت في طريقها بعنفوان حتى وصلت طلائعها إلى الدوار في موجات متتابعة كان على رأس أحداها الأمين العام لجمعية العمل الديمقراطي الأخ إبراهيم شريف السيد، فقد كان الوحيد من قيادات الصف الأول للمعارضة السياسية التي رافقت المسيرة المتشكلة عفوياً منذ انطلاقها حتى وصولها إلى الدوار، فقد كان موضع احتفاء كبير من قبل طلائع الشباب الواصلين لقلب الدوار حيث رفع على الأعناق قبل أن يخطب فيهم ناصحاً بضرورة الهدوء وتنظيم أنفسهم بعيداً عن الفوضى مع الابتعاد عن الشعارات الاستفزازية والالتزام بإظهار حضارية وسلمية تظاهرتهم.

 

مشاهد متتابعة بددت سواد الليل بمثل انبلاج أشعة الشمس لحظات الشروق، فسرعان ما أمتلئ الضياء حلكة الظلام مع سطوع نجوم من صلب الشهادة وولادة رموز كان أحداها إبراهيم شريف في ولادته الجديدة كقائد متوج برؤية ثاقبة، فقد كان حضوره فيض حكمة لما يجب أن يكون حيث أعاد نصائحه إلى الشباب بضرورة الالتزام بحسن إدارة شئونهم واعتصامهم عندما قرروا الاستمرار في حركتهم بالمبيت والاعتصام في ساحة الدوار قبل قرار السلطات السماح لهم بذلك، حيث انطلق الفرح إلى العنان مترافقاً مع توافد الجموع من كل الاتجاهات حتى فاض الدوار بالمواطنين يحدوها الأمل المرتجى المكنون في الوجدان منذ زمان. حالة كرنفاليه أنعشت القلوب المهمومة بالعذابات، انعكست في صور ساطعة لجموع خرجت عن بكرة أبيها مساندة للاعتصام الذي بدي هادئاً وبعيون فرحة سجلها الإعلام  الخارجي المتحفز بنقل صورة من صور الربيع العربي، حيث كان إبراهيم شريف بهدوء خطابه وعمق إيضاحاته النجم الأبرز في نقل الحقيقة للعالم لما يدور على الأرض برؤية لا تنقصها  الصدق والحكمة، ساعدت في إجلاء صورة الحراك السلمية بعيداً عن ما يحاك في الظلام، فكان لإبراهيم دوراً بارزاً في رسم الصورة الزاهية للحراك والتئام وحدة جمعيات المعارضة السياسية بيافطة وطنية جامعة أزعجت السلطات إلى درجة عجلت بالهجوم على الحراك المتنامي بالتعاطف الشعبي الكبير بصورة غادرة أرتبك النظام من هولها قبل أن تهتز روح الشباب المتوثبة.

 

فشل الهجوم الغادر في إطفاء جذوة الحراك الشبابي المُعمد بمزيد من دماء الضحايا، أعاد الاعتصام بأكثر قوة و حماسة بالرغم من تعقد المشهد ببروز شعارات أكثر راديكالية دون أن تتعدى ردأت فعل الغضب التي تسبب بها النظام، ولعبت الجمعيات السياسية  دوراً مسؤولاً في عقلنة اندفاعات الحراك مع ارتفاع سخونة شعاراته كرد فعل مباشر لرعونة فعل القوى الأمنية التي اضطرت السلطات الاعتذار عنها. تطورات إيجابية ترافقت مع بشائر بدء العملية السياسية للخروج بحلول متوافق عليها للمطالب المرفوعة، أبرزت الحاجة للعقول الحكيمة في عملية إدارة الصراع السياسي، حيث كان لإبراهيم دوراً مشهوداً في رسم استراتيجية المفاوضات بعيداً عن اللعبة الحكومية بالإصرار على جعل الحوار بين طائفتين تمثلان المجتمع، وخطوة السلطات بخلق شارع مواز بدء في التشكل مع تكليف ولي العهد بإطلاق الحوار عشية عودة الشباب للدوار. دون الخوض في تفاصيل تطورات الأحداث اللاحقة وما ترافقت معها من تداعيات مع نجاح السلطة تخليق القوة الموازية للحراك الشعبي، ففي الكواليس كانت تدور مفاوضات صعبة ومضنية للخروج بحلول سياسية للأزمة المستعرة، كان أحد أبرز أطرافها إبراهيم شريف، سواء في وضع مرئيات الجمعيات السياسية المعارضة أو المشاركة في التفاوض من حولها، فهذه المفاوضات هي ما أنتج المبادئ الأساسية السبعة للحوار الوطني، بالإضافة إلى ورقة التفاهم التي وافق عليها الملك كأرضية للحوار كادت أن تري النور، فجولات المفاوضات التي لعب إبراهيم دوراً كبيراً في كيفية التعامل معها وطريقة إخراجها عكست حنكة التكتيك والتخطيط الاستراتيجي بما جعله محط أنظار الجميع وأولهم السلطات.

 

قلبت طاولة المفاوضات بإعلان حالة السلامة الوطنية بعد حوادث أمنية مشبوهة ومؤسفة سبقت إعلان المبادئ الأساسية السبعة، الأمر الذي وضع إبراهيم شريف على رأس المغضوب عليهم وبموعد لولادة ثالثة منتظراً قدومه ليس لجرم اقترفه وإنما لصدق مارسه أغضب من ساءهم نجاح المفاوضات العسيرة بالتوصل إلى المبادئ الأساسية السبع تمهيداً للحوار الوطني المرتقب، فبعد أن كان قبالة ممثلي هرم السلطة السياسية المفاوض، فقد أصبح على موعد مع زوار الفجر مع تباشير إعلان حالة السلامة الوطنية.

 

ففي السابع عشر من مارس سيق إبراهيم مخفوراً إلى المجهول دون رهبة من كثرة معتقليه أو حقد معذبيه، فقد كسر الجبروت بقوله الشجاع عن عدم تمكنه الحديث بحرية وهو معصوب العينين، عزيمة لم تهتز في حضرة القتل الماجن خرج منه مرفوع القامة بفضيلة العفو عن جلاديه وقول أثير "يمكنكم سجن جسدي ولكن لا يمكنكم حبس أفكاري".

 

مضت الأيام والسنون دون أن تتغير القناعات والإيمان بالمبادئ التي نمت منذ بواكير العمل السياسي وببوصلة لا تحيد عن الدفاع حقوق المستضعفين وحقهم  في حياة  أفضل بحرية ومساواة، فإبراهيم شريف وما يملكه من غنى علمي ونجاح مهني كانت فرص الوجاهة المجتمعية وارتقاء الهرم الاقتصادي من أوسع الأبواب التي كانت مشرعة له مسلحاً بالعلم والخبرة، إلا أنه آثر التقاعد المبكر تاركاً خلفه مجد مهني بكل أريحية، شاخصاً بأحلامه لخدمة المجتمع بنشاطه الإصلاحي والسياسي.

 

 هاني الريس في خاتمة مقالته المنشورة في جريدة الوسط  في 9 أغسطس 2014 متناولاً جزء من مسيرة إبراهيم النضالية، ختمها بقول صادق هو خير ختام  هنا "كان إبراهيم شريف يدافع عن قضايا عامة، وينتقد الاضطهاد والحرمان والتمييز على امتداد عقود من الزمن، وبسبب هذه المواقف الوطنية والصادقة، تعرض للاعتقال والتعذيب النفسي والجسدي وتشويه الصورة والحكم بالسجن خمس سنوات من دون أن تستطيع زحزحة مواقفه المبدئية الصلبة أو تضعف معنوياته وإرادته". هذه هي حقيقة إبراهيم الذي زاد ألقاً مع خروجه من السجن بعد أربع سنوات ونيف في أواخر يوليو 2015م، وهو في كامل لياقته القيادية كرمز وطني متجدد لم تنل منه الخطوب في تغيير قناعاته وإيمانه بعدالة القضايا التي ظل يدافع عنها منذ عقود. فبعد الخروج المؤقت دبت الحياة في العروق المتيبسة بفعل الجذب السياسي ومزيلة بعض من الغبش عن حقيقة الواقع السياسي والمستقبل الاقتصادي من خلال تحليلات خبيرة وتشخيص العارف، كما خوالي أيام الدوار لعب إبراهيم دوراً توعوياً وناصحاً وحكيماً في  كيفية الخروج من الأزمة المستحكمة التي لا ينفع الاستمرار في إنكارها، فإتهام إبراهيم وزجه خلف القضبان لن تمسح ما سبق وأن قاله واثقاً لن تستطيعوا حبس أفكاري، عشت وعاشت أفكارك المتجددة التي الوطن اليوم في حاجة ماسة إليها.     

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro