English

 الكاتب:

باسمة القصاب

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

ابراهيم شريف.. الاقتصاد في الكراهية
القسم : حقوق انسان

| |
باسمة القصاب 2016-02-20 21:06:30




 

 

بعد الإفراج (القصير) عن ابراهيم شريف في ابريل 2015، أجابني على سؤال عابر حول شعوره تجاه سجانيه قائلاً: "لا أحمل في قلبي كراهية تجاه أي كان، حتى من أساء لي شخصياً، حتى من ضربني وعذبني وسجنني بغير حق. لا أقول هذا لأني أريد ذلك، بل لأن قلبي يشعر بذلك. أنا أغفر لهم جميعاً". أذكر أن عبارته تلك استوقفتني حينها بقدر من الحيرة، ثم نسيتها تماماً، واليوم حضرت إلى ذهني بقوة وأنا أهم بكتابة هذا المقال.

 

قيل أن التسامح اقتصاد القلب، فهو يلغي كُلف الكراهية الباهظة، ويرشِّد نفقات الغضب المتسرّعة، ويسقط تراكمات الأحقاد وديون الانتقامات. إنه اقتصاد من نوع آخر.

 

وإذا كانت علوم الاقتصاد في أحد وجوهها معنية بترشيد (الكُلَف)، فإن الكراهية واحدة من أكبر (الكُلف) التي لا يمكن السيطرة على نتائجها في حال تفشيها.

 

ليس غريباً أن يكون الخبير الاقتصادي إبراهيم شريف، خبيراً في اقتصاد الكراهية أيضاً، فهو الأكثر معرفة بكلف الكراهية التي تبدأ من القلب (الفرد) وتنتهي بتدمير الجسد (المجتمع) كاملاً، إنها تدمّير اجتماعي وسياسي واقتصادي وثقافي، والدولة التي ترعى الكراهية في المجتمع، إنما هي ترعى دمارها وخرابها.

 

شريف حسم الكراهية في داخله، لكنه لا يستطيع حسمها خارجه، أو حين تتعلق بمعاناة الآخرين وآلامهم، يقول: "في مقابل الغفران الذي يخصني، لا يمكنني التغاظي عن معاناة الآخرين، ولا يحق لي طلب التسامح فيما يخص معاناتهم". في هذه الحالة تقع المسؤولية على الدولة في احتواء الناس لكي لا تتطور معاناتهم إلى كراهية.

 

الدولة التي ترغب في انعاش وضعها الاقتصادي والسياسي، هي بحاجة إلى تبني فكرة الاقتصاد في الكراهية أولاً، فمن دون هذا الاقتصاد الأخير لا يمكن للاقتصاد الأول أن ينهض أو يقوم. الاقتصاد في الكراهية يمكنه أن ينظم شكل العلاقات الصحية في المجتمع، العلاقات التي تنتج مجتمعاً معافى وسليم. المجتمع الصحي وحده هو الذي يستطيع القيام بنشاطاته الاقتصادية الأخرى من انتاج وتوزيع وتبادل واستهلاك بشكل مثمر وناجح. وهو المجتمع الذي يكون محط أنظار العالم للاستثمار والسياحة.

 

ولكونه اقتصادياً، فإن ابراهيم شريف ينظر دائماً إلى الكُلف قبل أي شيء آخر، الاضطرابات السياسية المستمرة والحروب الأهلية هي كلف للكراهية التي تنتجها الأنظمة المستبدة، إنها تستنزف الدول وتستنزف اقتصادها وإنسانها أيضاً، هكذا يرى شريف إلى الواقع الذي يحاول إصلاحه، كذلك أي حل سياسي مطروح يجب أن يُدرس من ناحية الكلفة لا من حيث الأُمنيات فقط.

 

لا يكفي أن تكون الفكرة صحيحة نظرياً لتكون مقبولة لدى شريف؛ لا بد من تقدير الكلفة أولاً. يقول في لقاء منشور: "أنا لا أرى فرقاً كبيراً بين النظام الجمهوري أو الدستوري، هذه قضية شكلية، لكن أنظر إلى الكُلف. إن أي حل ليس به شكل من أشكال التوافق بين السلطة والمعارضة، فذلك معناه أنه لن يكون هناك توافق بين الطوائف، هذه حقيقة. وإذا لا يوجد هذا التوافق فمعناه أن طرفاً سيفرض رأيه على الطرف الآخر. وهذا سينتج عنه إما انتفاضة مستمرة كما هي الآن، أو حرباً أهلية وهو الوضع الأسوأ. الخياران سيئان ولا نستطيع الاستمرار فيهما". الوضع السياسي المتدهور كلفته تدفعها الدولة والسلطة تماماً كما يدفعه الشعب.



على صعيد العلاقة بالمختلف، يقدم لنا ابراهيم شريف نموذجاً، ليس في الاقتصاد الذي تدرسه العلوم الاقتصادية فقط، أي ما يتعلق بالنشاط البشري الذي يشمل إنتاج وتوزيع وتبادل واستهلاك السلع والخدمات فقط، بل ما يتعلّق بالاستثمار في القلوب أيضاً. كيف يكون قلبك عابراً لطائفتك وتيارك الفكري ومعانقاً للآخرين بحب وتسامح. كيف تجعل مشتركاتك هي الاستثمار الذي تبني عليه علاقاتك مع الآخرين لا اختلافاتك. إنه يراها من حيث تقدير الكلفة أيضاً، "الجميع يعرف تبعات الخلافات على العمل السياسي، وليس على العلاقات فقط" يقول.

 

من المؤكد أن شخصاً مقتصداً في الكراهية بالقدر الذي لا يشعر فيه بالكراهية تجاه سجانيه ومعذبيه، سوف يكون شعوره تجاه من يشاطرونه مطالب الإصلاح والتغيير أكثر حيوية ووئاماً، مهما اختلفوا معه في السقف السياسي أو التيار الفكري.  

 

بكل حب يقول الليبرالي ابراهيم شريف أنه وجد نفسه طوال 4 سنوات قضاها في السجن بين أهله وأحبائه، "كنت الوحيد بينهم الذي أنتمي لتيار مختلف، لكني وجدت نفسي بين أهلي وأحبائي". الخلافات التي تُحضرها النقاشات الخلافية تنتهي بعناقات، هكذا بكل بساطة "عندما نختلف في الرأي.. أي بوادر للتوتر نتعانق وينتهي كل شيء". المعانقة هي أنجح الاستثمارات التي يمكن أن تقوم عليها العلاقات الإنسانية. وربما كان السجن -من حيث لم يرد له- مكاناً مناسباً لهذا الاستثمار في العلاقة بين السياسيين، لقد وطّد العلاقة بينهم أكثر وجعل كل منهم يفهم الآخر أكثر بدلاً من أن يتقاطع معه.

 

خرج شريف وهو يأمل أن يساهم في (تبريد أجواء) تخرج البلاد من (أزمة الكراهية) التي كلّفتها الكثير، كان يمكن للدولة أن تستفيد من خروج شريف في ذلك، وكان يمكن لها أن تستفيد من خبرته الاقتصادية في إخراج البلاد من الوضع الاقتصادي المخيف الذي ينتظرها، وأن تستثمر قلبه المقتصد في الكراهية من أجل إنعاش الوضع السياسي المريض الذي سلب وجهها الحياة. لكن الدولة رأت أمراً آخر؛ أعادته إلى السجن بعد أقل من شهر من إخلاء سبيله، وهي تحاكمه اليوم بتهمتي الترويج لقلب نظام الحكم، والحض على كراهية النظام!

 

ما الذي يكرهه ابراهيم شريف فعلاً؟ كراهية النظام لشعبه.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro