English

 الكاتب:

أحمد عبدالأمير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

النداء الأخير: الفئران آتية، احموا الناس من الطاعون!
القسم : ثقافة و أدب

| |
أحمد عبدالأمير 2015-12-31 15:04:14




 

(أنا التاريخ كله، وأحذركم من الآن، الفئران آتية، احموا الناس من الطاعون).

يطرح الروائي الكويتي سعود السنعوسى في روايته (فئران أمى حصة) مسألة معقدة وصعبة التفكيك، وهي تضخم الهوية الفرعيةعلى حساب الهوية الوطنية، بحيث يسود التطرف والغاء الآخر، فتقع اللعنة والفتنة ويحضر الموت والخراب. إنها رواية متعددة المستويات، مليئة بالدلالات المكثفة، وهى ليست ترفا فكريا، ذلك أن التحول من مجتمع كان أقرب إلى المثالية فى احتوائه لكل الأجناس والأديان فى الماضى، إلى مجتمع تعشش فيه الفتنة النائمة فى الحاضر، لتنفجر فى المستقبل، هذا التحول لا يمكن رصده إلا عبر بناء زمنى مركب ومكثف من خلال محاولة جريئة لكسر التابو المحرم. 

يبحر بنا السنعوسي في سرد زمني متسلسل في رواية (إرث النار)، عرضت تحول علاقات المجتمع الكويتي من أطيافوتوجهات متعددة، سنة وشيعة، بعثي وناصري، الى أن يصل الحال بالقومي العربي بأن يتحول مدافع شرس عن(السوبرمان) الأمريكي. تصور الرواية التلاحم والتمازج بين النسيج الاجتماعي الكويتي، مما يرصد للترابط الحقيقي بين المجتمع، فيكون أبناء الحي أسرة واحدة، وهذا استدعاء لهذه القيم المجتمعية الهامة، والتي خفتت بسبب الدخول في الحياة العاملة، بحيث أصبحت الغالبية العاملة تقلص علاقاتها مع الآخر، بحكم الانشغال وينغلق على ذاته في بيته وشؤونه الخاصة.

ان رواية (فئران أمي حصة) هي روايتين في رواية واحدة، الأولىوصفية إلى تحكي تاريخا معاصرا عايشه السنعوسي طفلاً، (ارث النار)، قسمها الى (اربعة فئران) أو اربعة اقسام،وهي: (الفأر الأول .. شرر)، و(الفأر الثاني .. لظى)، و(الفأر الثالث .. جمر)، و(الفأر الرابع .. رماد)، تحكي جميعها من خلال شخصياتها المركبة تاريخ الكويت في فترة ماقبل غزو الكويت،والغزو، وما بعده، يبحر بنا مرحلة طفولة ومراهقة الشخوص، أما الرواية الثانية، وهي سلسلة من الأحداث المخيفة والمتسارعة، فجاءت بعنوان (يحدث الآن) وهي عبارة عن أحداث متلاحقة في يوم واحد، وبالتحديد في 12 ساعة، خلال يوم غير محدد خلال العام2020م، تبدأ عند منتصف النهار، بتفجير يهز احد اشهر المجمعات التجارية في الكويت، تتسارع الأحداث ميدانيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وتنتهي عند منتصف الليل، بتوثيق دقيق للزمن، ابطالها نفس الشخوص، والذين قاربوا سن الأربعين.

يقوم السنعوسي بتعرية التطرف الديني. لقد قدّمت رواية (فئران أمى حصة)  الشخصيّاتِ في لحظة انهزام أحلامها تجاه الواقع (عمل الراوي وفهد وصادق وضاوي وأيوب على توحيد الصفوف، والقفز فوق الفتنة من خلال تأسيس جماعة أبناء فؤادة، وإذاعة تدعو إلى الوحدة، ووقْف النزيف والاقتتال). الّلافت أنّ الفريقين اللذين لم يتفقا يوما على نسبة زكاة، أو موعد صلاة، أو رؤية هلال شهر رمضان، اتّفقوا بصفتهم ابناء الحي الواحد!. 

كانت سلطة الطائفية أقوى من أبناء فؤادة؛ فعلى الرّغم من التّضحيات التي بذلتها الجماعة من أجل الانصهار، بدت حاملةجينات طائفيّة، سرعان ما ظهرت أثناء محاولة فهد وصادق فضّ نزاع بين مجموعتين، ذهب فهد على إثرها ضحيةَ التّعصب المذهبي. ولعل رواية (إرث النار)، التي يزمع الراوي نشرها، ما هي إلّا تحذير من الفتنة بين السّنة والشّيعة، والتي ما فتئت نارها تحرق أبناء المجتمع العربي بدعمٍ من رجال الدين والقنوات الفضائيّة. 

رصدت الرواية تفاصيل عديدة، أعادتنا لهذا الزمن الماضي بجمالياته الكثيرة الحميمية، من ذاكرة فنية حاملة لأغاني وطنية، وعاطفية، مثل أغنية (وطن النهار) ومسلسلات من مثل (على الدنيا السلام)، الذي يعد عنصرا هاما انتقل من الاستدعاء العادي، والتأسف على ما آلت إليه الأمور في نهاية الرواية. 

35 عاما نتحرك فيها بين الماضى والحاضر والمستقبل، في حين ان التدمير لم يأخذ اكثر من 12 ساعة، احداث الماضي والحاضر تقودنا الى المستقبل، نعم نحن نستطيع معرف ما سنحصده،مقدمات تقود إلى نتائج، ثم إنه يقدم التحية لفن السرد، وللحواديت القديمة برموزها وبخيالها، هكذا هى أمى حصة العجوز البسيطة (الكويت)، قلب الرواية، وسرّها، التي وعند رحيلها يفقد (الحي) توازنه، هي حصة التى لم تحكِ قط للطفل (السنعوسي) عن قصة الفئران الأربعة، ولكنها تحدثت عن الدود الذى يخرج من البطن ليأكل صاحبه، وتكلمت عن الفأر الذى لا يهاجم الحظيرة إلا إذا كسرت بيضة وسال زلالها، وتغزلت فى ثلاث نخلات مؤتلفات (بنات كيفان) تزيّن المكان، حصة هى التى اعتبرت الأهل عزوة، الضاحكة، الصابرة، التى تحذّر دومًا من غضب السماء، على ما يفعله أهل الأرض، حتى لو كان مجرد كذبة، فما بالك لو كانت فتنة أفرزتها أكاذيب؟!

الحنين الى الماضي (النستولوجيا) حاضرة بقوة من خلال سرد الأحداث، تفتقد شخصيّات الرواية إلى العمق، وبعضها تم حشره في الرواية، وتبدو بمواصفات مسطّحة تجعلها بلا ملامح يمكن الوقوف عليها، بدءًا بالأصدقاء الثلاثة، والشخصيّات التي ظهرت بدرجة أقل فوزية وحصّة وضاري وعباس وصالح . وهي بمجملها تعاني من فقر معرفي وإيديولوجي. إن الرواية قد اجتهدت في الابتعاد عن تعريف الشخصيّات بشكل مباشر، وأحالت ذلك إلى سلوكها وحواراتها فيما بينها، في محاولة جاهدة لإلباس كل شخصيّة الرؤية التي تصدر عنها، فحصّة هي عربيّة بالفطرة وتعبر عن ولائها وانتمائها للأمة العربية، وفوزية الكويت بملامحها التي تنطوي على سذاجة وبساطة تصل حدّ الجهل بحقيقة الوطن الذي يختصر بأشعار وصور وأوبريتات غنائية، فيما يمثّل صالح وعباس قطبي الطائفية ببعديها السني والشيعي، وضاري الفكر السلفي (الجهادي) والأصدقاء الثلاثة فكرة الوطن الضامّة للأطياف جميعها على اختلاف مشاربها ومرجعياتها .

الرواية ليست ترفا فكريا، بل  دقت الجرس للتحذير من مخاطر خطاب الكراهية المتصاعد في وسط المجتمعات العربية، وهي محاولة جادة ورصينة لتحسين اللياقة الذهنية للشباب الخليجي، بناء الرواية ورغم تنقلاته نستطيع وصفه بالمحكم، والرواية تضم مخزونا بصريا وسمعيا هائلا لتاريخ وطن؛ التحذير قائم من صناعة (الكراهية)، انها رواية أجيال، ثلاثة أجيال بشكل محورى: جيل الأجداد الذى تمثله (زينب) الشيعية العراقية، و(حصة)السنّية، الجارتين فى ضاحية السرّة، تمثل الاثنتان الحكمة والقوة، (حصة) هى جدار البيت كله، و(زينب) هى التى تؤيد زواج حفيدتها (حوراء) الشيعية من فهد حفيد (حصة). بوفاة (حصة) و(زينب) يفقد الوطن والأسرة توازنهما، أما جيل الآباء الذى يمثله (عباس) الشيعى (ابن زينب) وزوجته فضيلة، و(صالح) السنى (ابن حصة) وزوجته (عائشة) فإنه يكاد يكوناسبب كل التناقضات والمشكلات، يدفعون الخلاف الطائفى إلى الذروة، أفكارهم سيئة تجاه الآخر، تموت حصّة بانتمائها العربي، تستعر الطائفية بعد ذلك، ويبقى جيل الأبناء الذى يمثله الراوى ورفاقه من أولاد فؤادة. 

في تقديري لا يجوز ربط سقوط مشروع فؤادة (القومية العربية) بالأشخاص وللأسف الكثير يظن أن المشروع انتهى ولكن المشروع لم ينته فالنهاية ليست تشاؤمية وإنما بها أكثر من تأويل.أولاد فؤادة بعضهم يصمد، والبعض يهزمه الموروث، فهد وضاوى وصادق وأيوب والراوى وفوزية التى تفقد بصرها تقريبا، كلهم فى أتون صراع مفتوح، وهذا معنى النهاية الصادمة، ثم يظهر أخيرا جيل يمثله توأم أنجبته حوراء الشيعية من فهد السنى، وطفلة اسمها حصة تجد والدها المفقود، إنه جيل الأسئلة يولد من جديد، عليه مسؤولية تفكيك (إرث النار)، وفيه كثير من الأمل.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro