English

 الكاتب:

غسان سرحان

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الاصلاح او البقاء فوق صفيح ساخن
القسم : سياسي 2

| |
غسان سرحان 2015-09-19 22:03:00




 

 

قبل عدة أعوام من اليوم وفي الفترة التي تولى فيها جورج بوش الإبن رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، وبالأخص في الفترة التي تلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر ايلول، ظهر بوش بدعواه الماثلة بالحرب على الإرهاب وتجفيف منابعه، وهو الأمر الذي جعله يدعو ظاهرياً قادة العالم العربي إلى الإصلاح، ولكن لم يكن الاصلاح المقصود هنا هو الاصلاح الذي يطمح له المواطن العربي وقواه الحية منذ عقود من الزمن، بل هو الإصلاح الذي بدأ في الإفساد فعلياً وهو الأمر الذي كانت محصلته ما نراه اليوم من أحداث مأساوية في عالمنا العربي.

 

قد تبدو الفكرة غريبة بعض الشي فكيف للإصلاح أن يبدأ في الإفساد؟، وهذا هو السؤال الذي أطمح للإجابة عليه بشكل متواضع هنا، نظراً لكونه يحتاج لمفكرين كبار وبحث عميق للإحاطة بكل جوانبه الفكرية والتاريخية.

 

إن مبادرة الإصلاح التي طرحها بوش الابن انتجت ثلاث ردود فعل رئيسية وهي انعكاس للتيارات الفكرية المسيطرة في العالم العربي، فهناك من دعى لقبولها بكل ما فيها، وردت الفعل هذه ما هي الا انعكاس للتيار الفكري الذي يقول بأخذ كل ما هو موجود في الغرب وتطبيقه على الواقع العربي بكل حذافيره كطريقة لحل الأزمات التي نمر بها، بينما طرح التيار الذي يرى بأنه يوجد لدى العرب ما هو كاف لبناء نهضة حقيقية وبالتالي تبنى ردة الفعل القائلة بأنه يجب علينا أن نأخذ ما هو صالح لنا من هذه الدعوى طبقاً لظروفنا وواقعنا والابتعاد عن كل ما لا ينطبق على واقعنا، وفي الطرف الآخر طرح الفريق الذي يتبنى الفكر القائل بأن كل ما يأتي من الغرب هو مفسدة كاملة ردة الفعل القائلة برفض هذه المبادرة جملة وتفصيلاً.

 

وللأسف مضطرٌ للقول بأنه لا يمكن لردود الفعل هذه ان تشكل اي فعل جدي على الارض يجعلنا نتجاوز هذه المرحلة، وبالمعنى الجدلي لا يمكن لها أن تشكل "نفي للنفي" وهو الذي يتوقف ظهوره على العلاقة بين الفعل ورد الفعل، وذلك لانه لم يتم تفحص هذه المبادرة بالشكل اللازم.

 

ففي تلك المرحلة كان الفعل التي قامت به الإدارة الأمريكية هو الحرب على الإرهاب أو بشكل أكثر صراحة الحرب على الجماعات التي ترفع شعار الاسلام وتشوش على المصالح الأمريكية في المنطقة بشكل جدي، كذلك على المقاومة الفلسطينية التي تمس بشكل مباشر "الحل" الذي تريد الادارة الامريكية فرضه للقضية الفلسطينية بالطريقة التي تضمن لها سلامة حليفها الاستراتيجي "الكيان الصهيوني الغاصب".

 

وتطلب هذا الفعل الأمريكي إصلاحاً من الحكومات العربية يكون على طريقة الإنخراط الكلي في الحرب على الارهاب وهو الذي يعني نقل الصراع الدولي الذي تخوضه هذه الادارة ضد الارهاب الى داخل الدول العربية، بمعنى أن يكون الاصلاح هو بإنخراط الحكومات العربية لاستأصال جذور الارهاب وتجفيف ينابيعه عن طريق مراقبة الجمعيات الخيرية التي يعتقد البعض انها الممول الرئيسي للجماعات الاسلامية المتشددة وتغيير مناهج التعليم إضافة للحرب العسكرية الآن.

 

وهو الأمر الذي جعل الحكومات العربية في مواجهة مباشرة مع جزء من شعبها ولذا فإن النتيجة الأولى للاصلاح المفروض والمبتغى من الإدارة الامريكية جائت نتيجته مفسدة فارضة حرب أهلية داخلية بين الحكومات وجزء من الشعب وهو ما يتضح بصورة جلية على سبيل المثال للحصر في الانقسام الفلسطيني بين حماس وفتح وكذلك الحال في باقي الدول العربية كمصر والاخوان وتونس والنهضة إلخ.......... من الامثلة التي لا تحصر.

 

وهنا بدأت المعضلة الأخرى للقوى الوطنية فهي عندما تقف مع الحرب ضد الإرهاب تجد نفسها واقفة في صف الحكومات الغير ديمقراطية، وعندما تقف ضد الحرب على الإرهاب فهي تجد نفسها لا إرادياً بصف القوى التي تتهم بالإرهاب، وبما أن القوى المتهمة بالإرهاب ترفع شعار الاسلام للتوظيف في التعبئة فإن القوى الوطنية التي دأبت على رفع شعار الاصلاح والتغيير تجد نفسها أمام خيار لا تريده ولا تبتغيه، وهو أما ان تكون مع الأسلام الذي ترفعه القوى المتهمة بالأرهاب أو أن تقف ضده، وهي على الأغلب تجد نفسها تقف ضد هذا النوع من الفهم والتوظيف للإسلام ولكن لا يمكن لها مواجهته وذلك لأن الوقوف ضد فهم ما لدين ما يحتاج لفهم مضاد وهو ما لا تمتلكه هذه القوى.

 

وتتجلى هذه المعضلة بشكل واضح على الأقل في الحرب السورية التي وجدت القوى الوطنية المعارضة نفسها مضطرة للإختيار بين الوقوف مع النظام القمعي في حربه على الإرهاب أو الوقوف ضد النظام القمعي وبالتالي مع القوى الإرهابية، وبشكل أدق للعموم أما أن تقف مع الأسلام أو ضده، وفي الحالة السورية إما الوقوف مع الإسلام الشيعي "صف النظام السوري" أو الاسلام السني "صف القوى المعارضة للنظام"، وذلك لأنها غير قادرة على الإتيان بفهم مضاد للطرفين يساهم في تجاوز الوضع الحالي "نفي للنفي"، وهذا هو الحال في الكثير من الدول العربية.

 

وهو الأمر الذي من خلاله أصل للقول بأن ما نعانيه اليوم في العالم العربي من حروب داخلية تركزت فصولها الأعنف منذ بدء الهبات الشعبية التي سميت بالربيع العربي من العام 2011م، ما هو إلا نتيجة حتمية لمبادرة الإصلاح الأمريكية التي بدأت بالافساد.

 

إن هذا الإفساد الذي أنتجته مبادرة الإصلاح الأمريكية وعوامل أخرى تشكل المعوقات الرئيسية أمام التحول الديمقراطي في الدول العربية، والذي يفترض حسب التجربة التاريخية أن تقوده مؤسسات المجتمع المدني من أحزاب سياسية وحقوقية واجتماعية واقتصادية، هذا المجتمع المدني الذي يواجه صعوبة، وهو أنها لا تمارس ما هو ضروري من الهيمنة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتتحول فعلاً إلى مجتمع مدني قادر على القيام بدوره التاريخي كقاطرة للإصلاح والتغيير في المجتمع ككل، ليس هذا وحسب بل قد توجد نخبة لها الهيمنة سابقة الذكر ولكنها بدوية في سلوكها وعقلها وتصرفاتها ولا تنتمي للمدنية التي هي شرط رئيسي من شروط المجتمع المدني، أو قد تكون السيطرة السياسية المطلقة لنخبة عسكرية أو عشائرية أو دينية على المجتمع ككل، وهذه ابعد ما تكون عن مضمون المجتمع المدني الذي هو البديل التاريخي لها.

 

إن الضعف الذي يمر به المجتمع المدني في العالم العربي ما هو إلا نتيجة لإعتبار الأنظمة العربية للمبادرات المدنية كخصم من قدرة الدولة هذا من جانب، وبسبب هذا الضعف فإن التحول الديمقراطي في منطقتنا العربية يكون طريقه كارثياً، وذلك لأن الأنظمة العربية لم تشهد انشقاقاً في الفئات الحاكمة، ولا ظهوراً لجناح إصلاحي فيها لديه الرغبة والقدرة على قيادة الانتقال نحو الديمقراطية، أو التفاوض مع قوى المعارضة والقدرة على ذلك.

 

فبعد عقود من قمع الحريات، وملاحقة المعارضين، والقضاء عليهم، تكون الفئات الاصلاحية داخل هذه الانظمة ضعيفة، وحتى في الدول التي شهدت بعض الخطوات الانفتاحية سرعان ما تراجع عنها الحكام، أو راحوا يفرغونها من مضامينها، ليستمروا في حكمهم بالأساليب التي تعودو عليها من قبل، وبأساليب جديدة أيضاً.

 

إن نتيجة هذا النوع من الحكم ينهار كما هي التجربة العالمية لأسباب مختلفة، فقد يأتي الأنهيار لتدهور الأوضاع الداخلية وفشل سياسات النظام كما في رومانيا، أو جراء هزيمة عسكرية أمام قوى العصيان في الداخل كما في البرتغال، أو الهزيمة أمام عدو خارجي وانسحاب الحكام العسكريين، ومن ثم فرض الديمقراطية أو تبنيها كما حدث في ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، أي أن تغيير النظام يتم بعد تغير ميزان القوى بشكل حاد لتميل الكفة لصالح المعارضة مع ضعف شديد للفئة الحاكمة وهو الأمر الذي ينتهي عادة بالإنتقال دون أن يكون هناك أي دور للفئة الحاكمة السابقة وأتباعها فيه، وبالتالي يكون التغيير جذرياً جداً ويعيش هذا النظام حالة دائمة من الخوف وهو يتمتع بكافة قواه، فمهما بلغت شدة قمعه وقوته فهو متيقن بأن أي إخلال بموازين القوى سيتسبب في ازالته نهائية.

 

وبالرغم من أن الإنتقال في هذه الحالة يتم بشكل سريع، فإن معظم الحالات التي ينبهنا لها التاريخ تضم ثلاث مراحل رئيسية، المرحلة الأولى هي مرحلة الصراع ضد النظام، وفيها يقمع النظام كل أنواع المعارضة، والمرحلة الثانية تتم بعد تغير موازين القوى وهي التي تتمثل بإنهيار النظام، أما المرحلة الثالثة فهي المرحلة التي يتم فيها إقامة النظام الجديد، لذلك لا يكون في هذه الطريقة من التحول الديمقراطي أي دور لنظام الحكم السابق بل على العكس في معظم الحالات تم محاسبة رموز النظام السابق والمتعاطفين معه على ما ارتكبه من جرائم إبان فترة حكمه.

 

مما سبق أخلص للقول بأن الأوضاع التي يمر بها العالم العربي تسير في إتجاه واحد وعلى الجميع من أنظمة ومعارضة التنبه له، وهو أنه على الجميع إدراك إن الإصلاح الحقيقي لم يعد ترفاً أو فرضاً من الخارج بل هو حاجة حقيقية لحماية الإنسان العربي من دموية هذه المرحلة، فعلى الأنظمة التي تتمسك بطرق الحكم القديمة إدراك أن أي أختلال في موازين القوى ستكون نتائجه كارثية عليها هي بشكل رئيسي والإستمرار في السياسيات الحالية نتائجه أكثر من كارثية على الجميع.

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro