English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

التطورات السياسية في المنطقة وانعكاساتها على الوضع المحلي
القسم : سياسي 2

| |
رضي الموسوي 2015-09-09 22:29:22




 

 

مقدمة:

 

 

خفت الحديث نسبياً عن تداعيات ونتائج الاتفاق الأولي بين إيران ومجموعة الدول 5+1، وذلك بعد أن اشتدت المعارك في اليمن بعد نحو ستة أشهر على إعلان قوات التحالف بقيادة السعودية الحرب على حركة أنصار الله (الحوثيين) والرئيس اليمني المخلوع علي عبدالله صالح الذي يسيطر على قطاعات واسعة من الجيش اليمني، فضلاً عن تداعيات الوضع العراقي الذي تفجر بصورة فاجأت النخب السياسية عندما انتفض العراقيون ضد الفساد تحت عنوان واسع هو استمرار انقطاع التيار الكهربائي عن أغلب مناطق العراق بصورة مستمرة بينما كانت درجات الحرارة تتجاوز الخمسين درجة مئوية. وفي مناطق أبعد، نسبياً، عن الإقليم، تم تسليط الأضواء على نزوح اللاجئين السوري إلى أوروبا في موجات تذكر بواقع اللاجئين الفلسطينيين الذي قضوا بعيد نكبة 1948 ونكسة حزيران 1967. وكان يجري كل ذلك فيما كان اللبنانيون يخوضون معركة تحدي المحاصصات الطائفية والجمود السياسي في البلاد على خلفية الفراغ الدستوري في الرئاسة والحكومة وتعطل عمل مجلس النواب، حيث نزل اللبنانيون للشوارع تحت شعار "ريحتكم فاحت"، نسبة لتكدس النفايات في بيروت وأغلب المناطق اللبنانية وعدم قدرة الجهات المسئولة وضع حد لهذا التدهور البيئي والصحي.

 

وفي خضم عملية خلط الأوراق في المنطقة واشتداد التجاذبات بين الأقطاب الكبار فيها، أعلنت السلطات الكويتية عن اكتشاف مخازن للأسلحة تعود إلى خلية لحزب الله وتم توقيف أكثر من عشرين شخصاً على ذمة التحقيق، الأمر الذي زاد من إرباك المشهد الكويتي الداخلي خصوصاً والوضع الإقليمي عموماً.

 

وبحكم موقع البحرين الاستراتيجي الذي يتوسط الخليج العربي، تأثرت البلاد بكل هذه التطورات الإقليمية على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

 

في هذه الورقة، محاولة لتسليط الضوء على تداعيات الوضع الإقليمي على الواقع المحلي البحريني، ومحاولة لتلمس طريق تفادي هذه التداعيات أو التقليل من انعكاساتها، خصوصاً على النسيج المجتمعي، آخذين في الاعتبار أن البعد المذهبي والطائفي قد أخذ مساحات واسعة في عملية الصراع الدائرة في المنطقة.

 

 

أولاً: الأوضاع الإقليمية

 

لعل أبرز حدث خلال الأسبوع الفائت كان هو غرق الطفل ايلان الكردي وشقيقه غالب وأمهما وقذف الأمواج جثامينهم على شواطئ بودروم جنوب غرب تركيا  إلى جانب عشرة من اللاجئين السوريين الذين فروا من بلادهم باتجاه المجهول الذي ينتظر أيضاً سوريا بكل جغرافيتها، ما سلط الأضواء على الواقع المزري للاجئين السوريين خصوصاً واللاجئين العرب ومنهم العراقيين على وجه العموم. شكلت الصورة المؤلمة للطفل ايلان صدمة إنسانية لضمير العالم الذي لا يزال يتفرج ويتواطأ مع ما يجري في سوريا وبلدان عربية أخرى بعد أن أجهض الربيع العربي وتعثر مطلب الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والتنمية المستدامة في الوطن العربي. فقد سارعت كبرى الصحف العالمية إلى تخصيصها مانشيتا على صدر صفحاتها الأولى، وبدأ الحديث يتصاعد لدرجة أخرجت مجتمعات أوروبية ومؤسسات المجتمع المدني فيها للشوارع تطالب باستقبال اللاجئين، الأمر الذي فرض على قادة الاتحاد الأوروبي سرعة التحرك والإعلان عن استقبال مجاميع منهم لتفتح الحدود جزئيا ويتدفق اللاجئون السوريون والعراقيون وغيرهم على حدود تلك الدول. لكن الصورة أيضاً عرت الواقع العربي المزري وكشفت زيف التنمية التي يجرى الترويج لإنجازاتها في حملات العلاقات العامة والإعلام والتي تكلف الموازنات العامة مليارات الدولارات سنوياً. إن خارطة الشرق الأوسط تشهد تغييراً جيوسياسيا واضح الملامح في العديد من بلدانه، وخصوصاً سوريا والعراق واليمن، وستبدو خارطة سايكس بيكو مهترئة أمام عملية التشكيل الجديدة التي من المحتمل أن تلد دويلات على أسس دينية وعرقية ومذهبية. بمعنى آخر، تواجه الدول العربية عملية تفتيت تبتعد معها القضية المركزية عن دائرة الاهتمام، وهي حاصلة الآن، لصالح الفرار نحو الحلول الفردية القطرية الضيقة التي ستقود بلا شك إلى تعقيد المشهد أكثر مما هو معقد أصلاً.

إن الفشل الذي مني به النظام الرسمي العربي هو فشل جوهري، حيث تفيد مختلف التقارير والإحصاءات إلى أن معدل البطالة في الوطن العربي يتراوح ما بين 23 بالمئة وفق تقديرات البنك الدولي، 29 بالمئة حسب بعض الإحصاءات المتشائمة، مقابل متوسط عالمي يصل إلى 14 بالمئة. إن ذلك يعني وجود ما بين 23 مليون و30 مليون مواطن عربي عاطل عن العمل، وتصل كلفة البطالة هذه إلى نحو 50 مليار دولار سنوياً، مرجح لها أن تزيد وفق تقديرات متعددة، ويتطلب معالجة الأمر ضخ 70 مليار سنويا لتوفير 5 ملايين فرصة عمل جديدة، بينما يدخل في طابور البطالة حالياً نحو 3.5 مليون باحث عن عمل.

لعل هذه المعطيات تؤكد رغبة الشباب العربي للهجرة إلى الخارج بما فيها الكفاءات والطاقات المعطلة التي لا تجد مكانا لها في بلدانها، فضلاً عن البلدان التي تعاني من احترابات داخلية وصراعات سياسية حادة تجبر أبنائها للهجرة إلى دول تحترم حقوق الإنسان وتقدر الكفاءات. وفي المقلب الآخر يشكل هؤلاء العاطلون خزانا استراتيجيا لقوى التطرف والإرهاب ينبغي تجفيفه من خلال إدماجهم في المجتمعات العربية بتشغيلهم، بما في ذلك إعادة النظر في السياسات العمالية التي تسير عليها دول مجلس التعاون الخليجي التي تعتمد على العمالة الآسيوية بشكل رئيسي وتتجاهل العمالة العربية.

إن الفساد المالي والإداري يضرب أطنابه في العديد من الدول العربية ويسهم بشكل مباشر في توسيع قاعدة الفقر والبطالة والمرض وضياع فرص التعليم. ويؤكد المدير العام السابق لمنظمة العمل العربية الدكتور إبراهيم قويدر على أن
"إجمالي حجم الأموال المتداولة في عمليات الفساد في العالم العربي تتراوح بين 300 إلى 400 مليار دولار سنوياً طبقاً لتقديرات البنك الدولي الذي صنف العالم العربي وحالات الاستثمار والتجارة فيه بأنه من أكثر مناطق الفساد المالي والإداري في العالم، الأمر الذي يفسر عدم عودة الأموال العربية المهاجرة بل وزيادة حجم هجرتها للخارج وإصرارها على عدم العودة رغم المخاطر الكبيرة التي تتعرض لها في الخارج.


وأعتمد قويدر في معلوماته على تقارير البنك الدولي التي تؤكد أن حجم الفساد المالي الذي يؤثر في الاقتصاد العالمي يصل إلى تريليون دولار سنوياً منها حوالي 30 % إلى 40% بالعالم العربي فقط وهو ما يعني أن حجم أموال الفساد التي تنخر الاقتصاديات العربية استناداً إلى هذا التقرير تتراوح من 300 إلى 400 مليار دولار سنوياً. وهذا المبلغ الفلكي يكفي لتوفير أكثر من 20 مليون فرصة عمل في العام الواحد. وهو ما يعني أيضاً أن تخصيص هذا المبلغ لمدة عام واحد فقط كفيل بالقضاء نهائياً على ظاهرة البطالة".

 

 

 

1-تداعيات الوضع السوري: إذا كان غرق الطفل ايلان الكردي قد فجر المشاعر الإنسانية، فإن الوضع الراهن في سوريا يثير المزيد من القلق بسبب تصاعد الاحتراب الداخلي وتدفق المقاتلين العرب والأجانب على سوريا لمناصرة تنظيماتهم وميليشياتهم على الأراضي السورية، حيث يدفع المواطن السوري الثمن غاليا قتلا واعتقالا وتشريدا وهجرة ولجوء، ناهيك عن عمليات تدمير البنى التحتية وتعطيل عملية التنمية المستدامة العملية السياسية برمتها.

 

لقد أكدت جمعية وعد موقفها الواضح في الشأن السوري من خلال مؤتمرها العام السابع الذي عقد في أكتوبر 2014 وكذلك في مؤتمرها السادس، من أن الاستبداد وغياب الديمقراطية ومصادرة حرية الرأي والتعبير في الدولة الشمولية قاد إلى احتقانات كبرى تفجرت في البداية على شكل مظاهرات سلمية سرعان ما تم عسكرتها ودخول البلاد في أتون الاحتراب الداخلي زاد منه التدخل الإقليمي والأجنبي، إذ تحولت الساحة السورية إلى موقع لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. وان الحل في سوريا لا يمكن أن ينجز باستخدام السلاح وممارسة العنف والتدخل الخارجي في الشئون الداخلية السورية، بل من خلال الجلوس إلى طاولة الحوار والتفاوض الذي يفترض أن يؤسس للدولة المدنية الديمقراطية المرتكزة على دستور عصري ينظم الحياة السياسية العامة بكافة تفريعاتها  واعتماد التداول السلمي للسلطة على قاعدة حق المواطن السوري في اختيار النظام السياسي الذي يريده وتكريس مفهوم المواطنة المتساوية ونبذ التمييز بين أبناء الشعب الواحد بغض النظر عن انتماءاتهم الأيدلوجية والسياسية.

 

كما أن معالجة وضع اللاجئين السورين ينبغي أن تقع على الدول العربية أولا وليس الهروب من هذا الاستحقاق الإنساني كما هو حاصل، وذلك من خلال استيعاب مئات الآلاف في دول الجوار وغيرها وتقديم المساعدات المادية والمعنوية لهم من اجل الحياة الكريمة، حيث يعاني هؤلاء حر الصيف وبرد الشتاء دون أن ينظر إليهم وفق ما ينبغي. وبهذه المناسبة نعلن هنا عن مبادرة جمعية وعد لتقديم المساعدات للأشقاء السوريين اللاجئين في لبنان والأردن وتركيا، ونعلن استعدادنا للمساهمة في تخفيف المعاناة عنهم، وذلك بالتنسيق مع الجهات المختصة في البلاد. كما ندعو للمساهمة الفعالة في تقديم الدعم للإخوة الفلسطينيين الذين يواجهون اليوم نكبة أخرى خصوصا في مخيم اليرموك الذي يشهد اقتتال اجبر عشرات الآلاف من الأسر الفلسطينية على النزوح، مما يفرض علينا التحرك من اجل تقديم التضامن بكافة أشكاله.

 

2-الوضع العراقي: تفاجئت النخب السياسية العراقية بحراك شعبي انتفض على الواقع المعيشي المر الذي يعاني منه الشعب العراقي في مختلف المناطق واحتجاجا على الفساد المستشري الذي بلغ مستويات غير مسبوقة قادت إلى الانفجار الشعبي، حيث الكونغرس الأمريكي حجمه في العراق بنحو 50 مليار دولار سنويا، فيما تعرضت أكثر من 80 بالمئة من المؤسسات التعليمية للتدمير أو التخريب منذ الاحتلال الأمريكي للعراق في 2003، وغادر العراق قرابة 40 بالمئة من الكوادر العلمية والأساتذة المتفوقين منذ العام 1990. وفي جداول الفساد على المستوى العالمي يتبوأ العراق المرتبة الثانية قبل الأخير، وفق الشفافية الدولية. ويشير القاضي موسى فرج الرئيس السابق لهيئة النزاهة ان العراق كان يخسر سنويا 7.2 مليار دولار من تهريب ما بين 300 ألف إلى 500 ألف برميل يوميا من النفط العراقي الخام، ويخسر مثلها من تهريب المشتقات النفطية، فضلا عن خسارة 600 مليون متر مكعب من الغاز سنويا لا يجرى الاستفادة منها، وعدم استثمار نحو نصف الطاقة الإنتاجية من النفط، حيث تستثمر 441 بئر من أصل 1041 بئرا منتجة، حيث بإمكان العراق إنتاج أكثر من 4 ملايين برميل في اليوم. ويؤكد فرج أن وزارة الدفاع هي البؤرة الأكثر فسادا في العراق، وان الأمانة العامة لمجلس الوزراء ايام المالكي هي التي تتحكم في العقود. ويذهب الخبراء والمحللون الى القول أن السبب في خسارة ثلث الأراضي العراقية وسقوطها بيد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" سببه الفساد المالي والإداري.

 

إذن نحن أمام حالة متقدمة ولا مثيل لها مثيل في الوطن العربي من حيث حجم الفساد قياسا للثروات الطبيعية في العراق. وهو السبب الرئيس لتدهور الأوضاع وإشاعة الفقر والبطالة في بلد يعتبر من اغنى البلدان العربية من ناحية الثروات الطبيعية، وبدء عملية تفتيت البلاد وتشطيرها وكأن هذا الفساد وجد ليخدم مخطط تقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم على الأقل، قبل وجود داعش في الموصل والانبار.

 

3-تطور الأوضاع في اليمن: للشهر السادس تستمر دول التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية قصف المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون وأنصار الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح، حيث أدت هذه إلى سيطرة قوات الرئيس هادي على اغلب مناطق الجنوب اليمني، وبدأت تتجه قوات هادي مدعومة بقوات برية خليجية وعربية الى الشمال اليمني. وشكلت الضربة التي وجهها الحوثيون إلى قوات التحالف وسقط فيها العشرات في مارب من القوات الإماراتية خصوصا والبحرينية واليمنية، حالة فاصلة بتضاعف القصف الجوي والحشد البري ودخول قطر وربما الكويت على خط الإمدادات البرية إيذانا بمعركة صنعاء من مأرب.

 

لقد أكدنا في الكثير من المناسبات أن الحل في اليمن هو حل سياسي من خلال الالتزام بمخرجات الحوار الوطني الذي انطلق بالمبادرة الخليجية في 2013 وأنتج حلولا تعثر تنفيذها على ارض الواقع، مما فاقم الاحتقان وادخل البلاد في احترابات جهوية وحزبية خصوصا بعد سيطرة الحوثيون على صنعاء وزحفهم صوب الجنوب اليمني.

 

 

لقد فقد اليمن مئات الضحايا وفقدت قوات التحالف كذلك الكثير من أفرادها، ومن بينهم جنود بحرينيون، نترحم على أرواحهم وأرواح من سقط في اليمن، بما فيهم المدنيين، حيث يعاني اليمن أصلا من الفقر والبطالة ويعتبر من أكثر الدول الفقيرة على مستوى العالم. وفي هذا السياق نتمنى على سلطنة عمان المبادرة بتحريك الملفات السياسية وبذل المزيد من الجهد لوقف إراقة الدماء في اليمن بما يحفظ وحدة البلاد ويعزز مكانة أبناءه ويعيد عملية الأعمار من خلال مساهمات رئيسية من دول مجلس التعاون الخليجي والدول الأخرى.

 

ثانيا: الوضع المحلي

تواجه بلادنا البحرين استحقاقات كبرى في ظل توتر الأوضاع الإقليمية، التي تؤثر سلبا على واقع السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي. هذا الأمر يضاف إلى واقع العملية السياسية الذي يتسم بالجمود واستحواذ الحل الأمني على الساحة في ظل غياب المبادرات المطلوبة من النظام السياسي تقديمها لحلحلة الأوضاع وتحريك المياه الراكدة والخراج بلادنا من الأزمة التي تعاني منها منذ الرابع عشر من فبراير 2011، وما تلاها من تداعيات، زج خلالها آلاف في السجون والمعتقلات فيما تعرض آلاف أخرى لعمليات الفصل التعسفي من العمل وتعمق التمييز والتهميش. يحدث ذلك بينما الوضع الاقتصادي يعاني هو الآخر من تداعيات الأزمة السياسية الطاحنة.

 

1-الواقع الحقوقي والسياسي: يستمر الواقع الحقوقي مأزوما بوجود أكثر من الفين وراء القضبان على خلفية الأزمة السياسية الدستورية. ورغم ابتكار بعض الحلول لهذا الواقع والمتمثل في توصيات اللجنة البحرينية لتقصي الحقائق التي قدمتها لجلالة الملك في الثالث والعشرين من نوفمبر 2011، وتوصيات مجلس حقوق الإنسان العالمي، والتي وافقت الحكومة على تنفيذ توصياتهما، إلا أن جوهر التوصيات وروحها لم يتم تطبيقه، وان عملية التنفيذ قد تمت من ناحية الشكل فقط، خصوصا مسألة الإفراج عن سجناء الرأي والضمير والتوصيات الخاصة بوقف عملية التحريض الإعلامي ومنح قوى المعارضة مساحات مقبولة في الإعلام المحلي.

 

إن الوضع الحقوقي في البحرين يتدحرج نحو مزيد من التعقيد وتحت عناوين شتى، قادت في نهاية المطاف إلى استمراء صدور الأحكام القاسية ضد المعتقلين والموقوفين على خلفية الأزمة السياسية، ومنهم المناضل ابراهيم شريف السيد الذي أعادت السلطات اعتقاله على خلفية ممارسة حقه الأصيل في التعبير عن الرأي والإفصاح عن مواقفه السياسية وآراءه التي يكفلها الدستور والميثاق وكافة المواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير. إن الإفراج الفوري عنه وشطب القضية المرفوعة ضده، حيث أن ليس هناك قضية أصلا لكي ترفع بحقه، وباعتبار أن التهم التي وجهتها له النيابة العامة هي تهم مرسلة لاتستند على أي أساس قانوني، وهذا ما أكدته المنظمات الحقوقية المحلية والإقليمية والدولية والعديد من الدول التي تحترم حقوق الإنسان وحرية التعبير عن الرأي. وهنا نثمن مواقف كل الجهات التي وقفت إلى جانب شريف وطالبت بالإفراج عنه باعتباره سجين رأي وضمير، ونشيد بالجهود التي يقوم بها أعضاء هيئة الدفاع عن معتقل الرأي والضمير ابراهيم شريف، وكذلك المساهمين في تنظيم حملات التضامن والتواصل مع الجهات ذات الاختصاص. ونطالب أيضا بالإفراج عن القيادات السياسية والنشطاء وجميع معتقلي الرأي والضمير والشروع الجدي في تبريد الساحة المحلية بما يعزز السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي ويؤسس لتوافقات تسهم في حل الأزمة السياسية الدستورية وتسويتها بصورة شاملة ودائمة، وإعادة قراءة نصوص الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان والديمقراطية مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الثقافية والاقتصادية، بما يعيد فهم هذه المواثيق باتجاه تجسيد حرية الرأي والتعبير والممارسة الديمقراطية الحقة، والتي تتجسد عبر حوار وطني جاد وجامع قادر على إنتاج حل حقيقي للأزمة السياسية يتوافق عليه البحرينيون، بما يؤسس للدولة المدنية الديمقراطية الحديثة التي ترتكز على التعددية السياسية واحترام حقوق الإنسان وتجسيد المبادئ الرئيسية للدستور وميثاق العمل الوطني في الملكية الدستورية على غرار الديمقراطيات العريقة، وبما يقضي على التمييز بجميع أشكاله عبر تشريعات متوافقة مع الشرعة الدولية.

 

2-مد الجسور وتعزيز الوحدة الوطنية: وفي ضوء تداعيات الأزمات الإقليمية، تبرز اهمية الدعوة التي أطلقها معتقل الرأي والضمير المناضل ابراهيم شريف فور خروجه من السجن في النصف الثاني من شهر يونيو-حزيران الماضي وقبل اعتقاله ثانية، حيث أكد على ضرورة مد الجسور بين مكونات المجتمع البحريني وتبريد الساحة لصالح الوحدة الوطنية ولجم أي انزلاقات يمكن أن تشهدها البلاد على خلفية الوضع في المنطقة. إننا نؤكد هنا على مبدأ رئيس هو أن البحرين لجميع البحرينيين، وان محاولات حرف الواقع بغير ما هو عليه لن يحل الأزمة السياسية ولن يغير شيء في الواقع القائم، الأمر الذي يفرض ضرورة تمتع الجميع بدرجة عالية من الوعي لكي لا نقع في براثن الفرقة والتمترس الطائفي والمذهبي الذي تعاني منه المنطقة برمتها. 

 

3- الوضع الاقتصادي وانعكاساته المعيشية  على المواطنين

تعاني بلادنا البحرين من تبعات السياسة الاقتصادية والمالية التي تسير عليها الحكومة والتي قادت للمزيد من الاقتراض أكثر مما يحتاجه تغطية العجز المستمر في الموازنة العامة، الأمر الذي قاد إلى تفاقم الدين العام لمستويات غير مسبوقة حتى شهر يونيو الماضي بلغت أكثر من ستة مليارات دينار، وفق الاحصائيات الأخيرة المصرف المركزي، متوقع زيادته نهاية العام المقبل (2016) إلى أكثر من 7.6 مليار دينار (20.31 مليار دولار أمريكي) تشكل أكثر من 61 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي، إذا ما سارت الأمور على ما هي عليه حاليا. إن هذا يقود بلا شك لتعثر أو صعوبة البلاد على سداد الدين وفوائده، ما يفاقم الوضع ويزيد من الضغوط على النفقات العامة التي تهم المواطن مثل التعليم والصحة والإسكان والعمل، وهو الأمر الذي سيشكل حالة استنزاف للمال العام وتبذير الدخل.

 

ومن جانب آخر، فإن توجهات الحكومة لرفع الدعم عن بعض المواد الأساسية مثل اللحوم الحمراء والبيضاء وتوقعات رفع الدعم عن المحروقات وخصوصا البنزين، أسوة بالإمارات، والكهرباء والماء، تشكل إضافة أعباء جديدة على حياة المواطن المعيشية الذي يعاني أصلا من جمود الرواتب والأجور في ظل التضخم المستمر وارتفاع أسعار السلع الأساسية والكمالية. وهي أيضا توجهات تأتي منفردة ومن طرف الحكومة دون مشاركة شعبية ومجتمعية ودون تفاصيل توضح الآلية التي سيتم من خلالها رفع الدعم وكيفية تخفيف الأعباء عن كاهل المواطن إزاء هذه الخطوات، خصوصا في ظل الموقف الضبابي الذي تتخذه الحكومة في الإعلان الواضح بالحفاظ والدفاع عن مكتسبات المواطن المعيشية للحؤول دون سقوطه في براثن الحاجة والعوز والفقر.

ثمة تبعات سلبية تنتج عن رفع الدعم بالطريقة المتداولة، تمتد لتطال أولئك المواطنين الذين افنوا عمرهم في خدمة وتطوير بلادنا حتى بلغوا سن التقاعد، وهو سن تكرمه الدول التي تقدر عطاءات مواطنيها، ولذلك فعلى الحكومة أن تتشارك مع المؤسسات التشريعية والرقابية ومؤسسات المجتمع المدني المتخصصة كالاقتصاديين والاجتماعيين والحقوقيين والشفافية والمؤسسات المدافعة عن حقوق المتقاعدين الذين افنوا ريعان شبابهم في خدمة الوطن ودفعوا اشتراكاتهم كاملة بغض النظر عن مستوى رواتبهم التي حصلوا عليها كحق مقابل إنتاجيتهم وكفاءتهم، ولا يجوز تمييز المتقاعدين في الحصول على الدعم حسب أجورهم، بل يجب تقدير إخلاصهم الطويل دون تمييز بينهم وتقديم المزيد من المكتسبات لهم كباقي الدول التي تقدر إخلاص أبناؤها المتقاعدين الذين حملوا على عاتقهم تنمية بلادهم وتطويرها.

 

لقد سبق وأن تقدمت جمعية وعد وكذلك القوى المعارضة بمقترحات ورؤى عملية لمعالجة موضوعة الدعم بحيث يذهب لمستحقيه، وذلك عبر تشريعات تحاكي وتطبق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة، في إطار برامج تتمتع بالإفصاح والشفافية خاضعة للمراقبة والمحاسبة من قبل السلطة التشريعية التي تحتاج لإصلاح حقيقي، وكذلك من مؤسسات المجتمع المدني لضمان ذهاب الدعم للفئات محدودة الدخل ولجم انزلاق الطبقة الوسطى لمستويات دنيا تهدد بتآكلها وتضرب الاستقرار الاجتماعي. إن البحرين بحاجة لوقف استنزاف الموازنة العامة بالمصروفات غير الضرورية فضلا عن مكافحة الفساد المالي والإداري الذي ينبغي أن يشكل أولوية في برنامج الحكومة، وهذا يأتي في  ظل المشاركة الفعالة لكل مكونات المجتمع ليكون قرارا تشاركيا شعبيا، وعبر برنامج عملي مزمن يحافظ على المكتسبات ويركز على انتشال الفئات المحدودة الدخل من مستنقع الفقر.

 

الخلاصة:

في ضوء ما تقدم، تحتاج بلادنا البحرين إلى نقلة نوعية بقرارات جريئة تتمثل في الشروع في تعزيز الوحدة الوطنية عبر إطلاق مشروع العدالة الانتقالية الذي يعالج آثار المرحلة السابقة ويؤسس لمرحلة جديدة تتوازى مع إطلاق الحوار الوطني الجامع الذي أصبح أكثر من ضرورة ملحة من اجل خلق التوافقات الكبرى وتجنيب بلادنا ويلات تداعيات الأزمات الإقليمية المستفحلة والمتناسلة. عدالة انتقالية تبدأ بالإنصاف والمصارحة وجبر الضرر وتعويض عائلات وأسر ضحايا المرحلة السابقة بغض النظر عن مواقعهم المهنية والنضالية، على أن يسبق ذلك تشريع عصري متوافق مع المواثيق الدولية حول تجريم التمييز بهدف تكريس المواطنة المتساوية ومحاربة خطاب الكراهية المدمر. ذلك يمكن البدء فيه بتطبيق ما هو متفق عليه: توصيات اللجنة البحرينية لتقصي الحقائق وتوصيات مجلس حقوق الإنسان العالمي.

 

ورقة ندوة "التطورات السياسية في المنطقة وانعكاساتها على الوضع المحلي"بمنتدى وعد السياسي- 9سبتمبر 2015

إعداد: رضي الموسوي

الأمين العام لجمعية وعد

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro