English

 الكاتب:

عبدالنبي العكري

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

القديح... جرح الوطن
القسم : مقالات مختارة

| |
عبدالنبي العكري 2015-06-01 02:17:39




 

لم أكن أرغب في الحديث عن حادث التفجير الإجرامي للمصلين في مسجد الإمام علي (ع) أثناء صلاة الجمعة، قبل أن أذهب بنفسي لأعزّي عائلات الضحايا وأعاين بنفسي المكان وأتعرف على رأي أقارب الضحايا ومواطني قرية القديح بمحافظة القطيف، والمواطنين السعوديين بشكل عام، وهو ما تحقق فعلاً ضمن وفد جمعية العمل الوطني الديمقراطي «وعد» مساء الثلثاء (26 مايو/ أيار 2015).

 

أول ما يصادفك في الطريق الفرعي إلى القديح هو وجود متطوعين بسترات مميّزة ترشد المعزين، وذلك جزء من ترتيبات أهلية لتسهيل قيام عشرات الآلاف من المعزين من داخل المملكة العربية السعودية وبلدان الخليج المجاورة، وهو شيء يدل على تطور وقدرات المجتمع التطوعية الكامنة التي لو استغلت لكان لها مردود إيجابي كبير.

 

الملاحظة الثانية كانت في اللافتات الملصقة على الجدران وتحمل صور الشهداء والشعارات، وكان أحدها يقول: «غيّروا مناهج التعليم الحاضة على الكراهية». وبالفعل فإن هذا الشعار يختزل ما هو مطلوب ليس في الدولة الجارة وحدها بل جميع الدول العربية والإسلامية. فالانتحاري وفعله هو ثمرة مناهج التعليم التي تكفر المذاهب الإسلامية الأخرى مثل الشيعة والأباضية والإسماعيلية والزيدية وغيرها، وتحضّ على كراهية أتباعها باعتبارهم كفرة أو رافضة أو مرتدين يحق قتلهم، وسبي نسائهم، وتدمير ممتلكاتهم، وهو ما يحدث منذ سنوات لكنه تفاقم مؤخراً وأصبح للتكفيريين دولة «داعش» التي تحتل ثلث مساحة دولتي العراق وسورية، ومدناً كبرى مثل الموصل والرمادي وتدمر، وتحظى بدعم وتعاطف دول وتنظيمات ودعاة، من على منابر الجمعة وفي الصحف والمحطات الفضائية ووسائط التواصل الاجتماعي، كما حظيت بالرعاية الرسمية لسنوات حتى انقلب السحر على الساحر.

 

الملاحظة الثالثة هي تدفق المواطنين السعوديين من مختلف مناطق المملكة، وقد صادفنا زيارة وفد من القصيم معزياً، وقد ذكر لنا الأهالي أن وفوداً من نجد والحجاز وعسير والباحة وغيرها تتدفق على القديح.

 

العمل الإرهابي بحق أهل القديح وفي مسجد من مساجد الله وأثناء صلاة الجمعة، شكّل صدمةً للمواطنين السعوديين، ودفعهم بشكل قوي للتفكر في أمرهم، وباستثناء مجموعة صغيرة من المكابرين الذين حاولوا إلصاق التهمة بإيران، فإن كبار المسئولين وأغلبية النخبة المثقفة والشخصيات العامة، حملت الطرفين، الدولة والمجتمع، مسئولية ما جرى وسيجرى. وقد طرح البعض أن الترقيع لا يجدي، وأنه لابد من الاعتراف بعمق الخلل في ممارسات الدولة والمجتمع، من حيث التساهل مع الفكر التكفيري، وممارسة التمييز بين المواطنين استناداً إلى المذهب والانتماء، وذلك ينعكس في سياسات التوظيف والوظائف القيادية، وكذلك في المناهج الدراسية، والإعلام بقنواته وصحفه وغير ذلك.

 

وبالفعل فإن مسارعة خادم الحرمين الشريفين إلى إدانة الحادث الإجرامي وتأكيده على ملاحقة كل من له علاقة بالحادث قضائياً، وكذلك زيارة ولي العهد وزير الداخلية إلى القديح وتعزيته أهالي الضحايا، وتأكيده أن الدولة لن تتساهل مع المجرمين والحديث الذي انتشر على وسائط التواصل الاجتماعي مع أحد المواطنين حول سكوت الدولة عن الإعلام التحريضي، قد يكون مؤشراً على تحوّل في سياسة الدولة.

 

المهم أن هناك إجماعاً فيما بين النخب الوطنية، على أنه لا تكفي الإدانة الرسمية والأهلية، بل لابد من تحوّل في التفكير والثقافة والممارسة، بتأكيد المواطنة المتساوية، وتجريم التحريض والكراهية والتكفير والعقاب عليها، ونشر ثقافة التسامح والوسطية والاعتدال وممارستها فعلاً.

 

إن ما جرى في القديح تعبير دموي عن فكر متطرف، لكنه يعبّر عن نفسه في دول الخليج الأخرى باستثناء عُمان، وفي العديد من البلدان العربية والإسلامية، بتجليات متباينة ما بين سفك الدماء والكراهية، وينذر بخطر داهمٍ على الأمتين العربية والإسلامية، يتوجب مواجهته استراتيجياً بإرادة رسمية وأهلية متلاحمة.

 

وعلى البلدان العربية بشكل خاص، مواجهة خيارين لا ثالث لهما، إما تحوّل الدولة والمجتمع إلى الطابع المدني حيث المواطنة المتساوية وحصر الدين بالعقيدة الشخصية والقيام بإصلاحات عميقة وشاملة لإرساء دعائم نظام ديمقراطي تعدّدي، تُحترم فيه الحريات بما فيها الحرية الدينية وتُصان فيها الحقوق العامة والخاصة، وإمّا توسّع دائرة الحروب والنزاعات الدينية الجارية في العراق وسورية وليبيا واليمن لتشمل الدول الأخرى. إنها لحظة الحقيقة بدون مواربة.

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro