English

 الكاتب:

عبدالله جناحي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

السياسات الاقتصادية في خلق المزيد من اللا مساواة
القسم : شؤون عمال

| |
عبدالله جناحي 2015-05-03 12:08:59




 

 

أمام  الازمات الاقتصادية المتلاحقة وآخرها انخفاض أسعار النفط، فإن المطلوب إعادة النظر في السياسات الاقتصادية المعتمدة في جزء كبير منها على الاقتصاد الرأسمالي (النيوليبرالي) حيث تبين إنها وراء مثل هذه الأزمات الدورية، حيث ما أن تنتهي أزمة تلحقها بعد  سنوات أزمة اقتصادية أخرى.

 

ومن يبحث عن الرأي الآخر في الولايات المتحدة الأمريكية والتي هي المدافعة الأولى لمثل هذا السياسات والتي تعمل من خلال المنظمات المالية والنقدية العالمية كصندوق لنقد الدولي والبنك الدولي فرضها على جميع الدول النامية، فإنه يكتشف بأن هناك دعوات جادة من قبل مفكرين اقتصاديين أمريكان لإعادة النظر في مثل هذه السياسات داخل الولايات الأمريكية نفسها.

 

ففي كتابه (كيفية مساهمة انقسام المجتمع حالياً في تعرض مستقبلنا للخطر) للمؤلف الأمريكي    ( جوزيف ستجلر) الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2001م، يدعو إلى انقاذ الأمة الأمريكية التي في طريقها للانهيار ـ حسب اعتقاده ـ وذلك من خلال إعادة النظر في السياسات الاقتصادية النيوليبرالية.  حيث يرى بأن هذه السياسات قد أفرزت ما يسميه (مشكلة 1% الأمريكية) ويقصد بذلك بأن 1% من الأمريكان يمتلكون أغلب الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، ويذكر الرأي العام بمفهوم اقتصادي معروف والمتمثل في أن نجاح اقتصادي معين يقاس بماذا يحصل لرفاه أغلب المواطنين خلال الزمن، ويكشف المؤلف عن التراجعات في الاقتصاد الأمريكي، وخاصة في بعض المكتسبات التي كانت يحصل عليها ذوي الدخل المنخفض، وإن أغلب النمو في الدخل الأمريكي قد تحقق حديثاً ضمن الفئات الأغنى، ولذا تعمق سوء توزيع الدخل، وإن أوضاع الطبقات الوسطى والفقيرة حالياً هي أسوأ مما كانت في بداية القرن، وأن سوء التوزيع في الثروة هو أعمق من سوء توزيع الدخل، وعليه خلقت ظاهرة المجتمع غير العادل حيث يشير بأن لدى الولايات المتحدة نظام يوفر قوة منظمة لأولئك الذين يتمتعون بأعلى 1% من الناتج المحلي الاجمالي، ليس فقط ليحددوا نمط التوزيع لصالحهم، بل ليضعوا قواعد اللعبة لصالحهم من خلال الاحتكار وإعادة توزيع السلع العامة لصالح من هم في القمة.

 

ويحلل الكتاب أسباب هذا الاحتكار والتفاوت الطبقي حيث أن أكثر القدرات من هم في فئة 1% هي قدرات موروثة من المستوى التعليمي المتطور من الوالدين، وبالتالي لا يعكس جهداً مكتسباً، ويؤكد بأن المصدر الرئيسي لعدم المساواة هو سوء الإدارة الاقتصادية الكلية، حيث ان الفقاعات المالية التي تتحقق من حين إلى آخر تعطي وصفاً مؤقتاً لتنامي الثروة إلا إنها سرعان ما تزول وتساهم في تعمق ظاهرة الفقر وبالتالي تعميق ظاهرة عدم المساواة مستقبلاً، وهذا بدوره يؤدي إلى بروز خطر على الديمقراطية الأمريكية، ويرى بأن النظام الديمقراطي القائم على صوت لكل فرد ينتج عنه هذا البون الشاسع في التوزيع والمتجسد في ملكية 1% من السكان بأكبر قدر من الثروة والدخل، وقدرة هذه النسبة القليلة جداً على تشكيل المصالح والسياسات، بمعنى أن المصوتين في الانتخابات يصوتون ضد مصالحهم، أي لصالح 1% ، وذلك من خلال قدرة هذه القلة من التلاعب بالعقول عبر إعلام موجه للرأي العام يتم فيه استغلال الاعتبارات الدينية والثقافية والايدلوجية لضمان التصويت لصالحهم.

 

ويوضح الكتاب بأن عدم المساواة قد ساهم في تآكل دور القانون حيث تحولت مضامين ونوعية القوانين المصممة لإدارة الاقتصاد من مضمون (العدالة للجميع) واستبداله بقول (العدالة لمن يتحمل تكاليفها).

 

وعند تحليله للموازنة العامة يكشف بأن اتجاه الواحد بالمائة هو تخفيض الأجور والانفاق حيث يعتقدون بأن ذلك سيساهم في إصلاح الموازنة دون أن يدعموا مقولتهم هذه بالإثباتات المطلوبة، ويؤكد بأن خفض الناتج المحلي الاجمالي وارتفاع معدل البطالة سيؤديان إلى انخفاض العوائد الضريبية، ورغم أن نظرة هؤلاء القلة بأن خفض الأجور سيرفع من الارباح، إلا أن خفض الأجور سيقلل من طلب القطاع العائلي ويساهم في تعميق الكساد وبالتالي المزيد من البطالة، وأن ذلك سيؤدي إلى عدم قدرة القطاع العائلي من دفع الأقساط للبنوك بفعل انخفاض الأجور، بل الأمر بصبح أكثر سوءً إذا ما ترافق مع خفض الأجور خفضاً في الانفاق العام.

 

وهناك أسباب أخرى لخفض الأجور، فمع أن الأجور باعتقاد معظم الناس هي المصدر الرئيسي للدخل، إلا أن السياسات الاقتصادية الكلية، والسياسة النقدية خصوصاً، يساهمان في زيادة البطالة وخفض الأجور، وإن سبب فشل النظريات الاقتصادية المطبقة ليس في طريقة ممارستها كما يعتقد 1% إنما السبب في غياب آليات تضمن المساواة في التوزيع، وأن الحل في ضرورة تغيير الترتيبات المؤسسية التي من خلالها يتم اتخاذ القرارات، وأن إدارة نظام مؤسسي من قلة من المصرفيين العاملين لمصالحهم سوف يعمق من اللا مساواة في التوزيع، وينهي المؤلف كتابه بتقديم مجموعة من الحلول أهمها: خفض الانفاق العسكري، وفرض ضرائب على الأغنياء، والتخلص من الثغرات القانونية في أنظمة الضرائب، والاستثمار المكثف في التكنولوجيا والتعليم والبيئة والبنية الأساسية، مع سياسات لكبح إساءة استخدام التمويل، ومساعدة المستهلكين والعاملين وضحايا التمييز، ومحاربة عدم الإنصاف الناتج من العولمة، وزيادة الانفاق على الخدمات الصحية والتعليمية، وإعادة النظر بالقوانين التي تتحيز للأثرياء.

 

ويرى الدكتور أحمد الكواز الباحث في المعهد العربي للتخطيط الذي قام بتلخيص هذا الكتاب ونشره في مجلة المعهد، يرى بأن هذا الكتاب يمثل أحد أهم الكتب الموجهة ضد الاعتقاد النيوليبرالي الديمقراطي الذي يرتكز على "دعه يعمل دعه يمر"  كمقولة للسياسات التي يؤمن بها الجمهوريون، وأن هذا الاستقطاب الاجتماعي ما بين الأغنياء والفقراء سببه تأثير القوة السياسية لمن يملك المال، من خلال توظيف التشريعات والقوانين المنظمة لعمل المجتمع والاقتصاد لصالح المالكين لهذه القوة. ورغم أن العوامل الاقتصادية تلعب دور في استقطاب توزيع الدخل، إلا أن السياسة هي التي تشكل الاسواق حالياً في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

أن رسالة هذا التحليل الاقتصادي تتلخص في أنه لا يوجد اقتصاد كبير مثل الاقتصاد الأمريكي يمكن أن ينهض من الكساد اعتماداً على سياسات التقشف، حيث أنه كلما اشتدت فجوه سوء توزيع الدخل وعدم المساواة كلما أدى ذلك إلى تدهور الاقتصاد وتراجعه، وذلك من خلال حقيقة أن التدهور في الطلب، بفعل سوء توزيع الدخل، يساهم في خفض معدل النمو، وإن تركز الدخل في 1%  من السكان من شأنه أن يخفض الطلب، ومن الأمثلة الواضحة لخلق البحث عن الريع لهذه القلة من السكان المكافآت الضخمة لأعضاء مجالس الإدارات بالشركات الكبرى، وعلى حساب حملة الأسهم، والعاملين. كما يرى بأن عدم المساواة السياسية ينتج عنها عدم مساواة اقتصادية، وهو الرأي الذي يتبناه كل من الاقتصاديين ( اسيميجلوا وروبنسون) في كتابيها المعنون (لماذا تفشل الأمم؟) لذا يدعو إلى إعادة توزيع للقوة السياسية لصالح الفئات الأفقر من خلال تقوية القوة التفاوضية للمواطنين والعاملين، ومن خلال دور قوي للدولة الذي يضمن عدالة توزيع الفرص، والعمل على إزالة مصادر التمييز ما بين المواطنين والعاملين والعودة للسياسات القائمة على النمو المرفق لعدالة التوزيع (النمو العادل).

 

وما يؤكد كل هذا التحليل هو ما ورد في تقرير منظمة (أوكسفام)  بعنوان "الثروة: امتلاك كل شيء وهل من مزيد!" والذي كشف عن تفاقم حالة عدم المساواة في العالم واتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء، وهذه المنظمة عادة تصدر تقاريرها الدورية قبل انطلاق المؤتمر السنوي لمنتدى الاقتصاد العالمي الذي انعقد هذا العام في 21 يناير في دافوس بسويسرا، ولقد كشف هذا التقرير الاقتصادي الهام إن من يسعون لتطبيق المزيد من سياسات الليبرالية المتوحشة لتحقيق المزيد من الأرباح والثروات هم من يخلقون المزيد من الفقر واتساع الهوة بين الغني والفقير  من خلال اكتناز الثروات في يد قلة قليلة من الرأسماليين وتعمل على إزالة أي حواجز قد تضعها دول العالم الثالث للاحتفاظ بثرواتها في بلدانها. وأكد التقرير تماماً ما ورد في كتاب (جوزيف ستجلر) بأن مأساة الفقر سببها الهوة بينه وبين الغني، حيث إن 1% فقط من سكان الكرة الأرضية لديهم ثروة تساوي تقريباً كل ما لدى 99% من البشر (ستة مليارات وتسعمائة مليون نسمة)، وإن الموقف أكثر بشاعة إذا علمنا أن ثروة أغنى 80 فرداً في العالم عام 2014 كانت تعادل ما لدى ثلاثة ونصف مليار إنسان بعد أن كان يستأثر بهذا النصيب ما يقارب من 400 فرداً في عام 2010م.

 

إن كثرة من السياسات الاقتصادية في دولنا العربية، ومنها البحرين تتشابه مع هذه السياسات التي حللها هذا الكتاب والتي أدت إلى توسيع طبقة الفقراء، وانحلال تدريجي للطبقة الوسطى، وتركيز الثروة للقلة من الطبقة الغنية. وإن المطلوب هو خلق شروط أفضل لعولمة الجنوب المتحيزة للفقراء والصناع الحقيقيين لثروات العالم.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro