English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

منتدى عبدالرحمن النعيمي الفكري | التكافل والتنافر بين الهوية الوطنية والهوية القومية - د. علي محمد فخرو
القسم : الأخبار

| |
2014-12-19 12:19:53




التكافل والتنافر بين الهوية

الوطنية والهوية القومية

د. علي محمد فخرو

البحرين     

 

دعنا أولاً نتبيًّن بعضاً من تعريفات ومتطلبات تعبير الهوية. البعض يعتبرها تعريفاً للفرد من خلال إنتمائاته الثقافية واللغوية والدينية والمذهبية والعرقية والإيديولوجية السياسية. ومن خلال تلك الانتماءات يصل الفرد إلى الإحساس والوعي بانتمائه إلى مجتمع  أو أمُة.

 

ولما كانت الانتماءات تتشكل في داخل الهوية بمستويات متعدًّدة وتتأثر بشتُّى الظروف المحيطة بالفرد فانُ أولوية وأهمية هذا الانتماء أو ذاك تتغُير صعوداً وهبوطاً ، باستمرار.

 

ما ينطبق على الهوية الفردية الذاتية ينطبق أيضاً على الهوية الجمعية. إن مكوناتها قابلة للتحوًّل عبر التاريخ بدرجات متفاوتة، مع الأخذ بعين الاعتبار بأن المجتمعات والأمم تميل للأخذ بهوية مفصلية تتميًز بالاستمرارية والتعاظم عبر الحقب والأزمنة.

 

بالنسبة للهوية العربية يعتبر البعض أن ركنها الأساسي الشًامل جميع أفرادها هو اللغة العربية، بينما يتوسع آخرون فيؤكدون أنها هوية ثقافية جامعة تتمثل في تعبير العروبة، ويرون أنًّها يجب أن تقوم على ثلاثة أركان هي ركن الرؤية الكونية، التي قد تكون متمثلة في دين أو فلسفة، وركن التعبير باللسان، أي اللغة، وركن الإنتاج الفكري المتراكم عبر العصور الذي يكون الأفكار والسلوكيات والقيم والتطلًّعات المشتركة.

 

وكما ذكرنا فإن الانتماءات والمكوُنات تلك تتبدًّل عبر الزمن، بل وتضاف لها انتماءات ومكوٍّنات جديدة بين الحين والآخر. مثال على ذلك ما يصُّر عليه البعض مؤخًراَ من أنً قلب الهوية العربية يجب أن تكمن المصالح المشتركة، ويعطون مثالاً على ذلك الدُّور الذي لعبته المصالح المشتركة فيما بين الدول الأوروبية للظهور التدريجي لهوية أوروبية ستتبلور مستقبلاً.

 

 

 

أيها الإخوة ،

 

إبراز تعددية التعريفات والمكونات والانتماءات كان ضرورياً كمدخل للبًّ موضوعنا الذي يطرح تساؤلاً حول التكامل والتنافر بين الهوية القومية الجامعة والهوية الوطنية الفرعية أو الجزئية.

 

والواقع أن هذا التساؤل يعيدنا إلى منهجية الثنائيات التي تصُّر على أن لا مكان في آن واحد لموضوعين مختلفين في أصولهما ومنهجيًّتهما وأهدافهما. نرى عبثية العيش في جحيم الثنائيات اللًّغط المتكرٍّر حول ثنائية الدًّين / العلم، الأصالة / الحداثة، الرجل / المرأة، القومية/ القطرية الوطنية...إلخ من صراعات تنتهي بقطيعة بدلاً من تعايش وتفاعل. موضوع الهوية الوطنية والهوية القومية يندرج، حسب اعتقادي ، ضمن هذا الصًّخب السجالي الذي نجيده عبر أرض العرب وعبر تاريخنا.

 

هل ننسى مآسي الجدال والصًّراع بين عقلانية مدرسة المعتزلة والنقًّل الحرفي الرافض للتَساؤل عند المدرسة الحنبلية؟ وهل ننسى ما دار بين الإمام الغزالي وابن رشد حول الفلسفة والإيمان ؟

 

إذن آن الأوان بأن ندرك بأن لا تاريخنا ولا واقع تركيبتنا الاجتماعية ولا تركيبة الإنسان العربي النفسية والذَّهنية المتوارثة جيلاً عن جيل ستسمح بحصره في هوية واحدة، بل إنُّ ذلك غير مستحب، إذ أن كثرة الانتماءات وتعدُّد الهويات الجزئية دليل غنى وحيوية وحمل لمسؤوليات شتُى الالتزامات الشخصية والمجتمعية.

 

المنطق والواقع يقولان بأن الإنسان العربي لن يتخلًى، إلاً تدريجياً وعبر امتداد زمني معقول، عن هويًاته الفرعية من مثل القبلية والدينية والمذهبية، وبالنسبة للبعض عن الهوية العرقية واللُغوية .

 

القضية الأساسية لا تكمن في تعددية الانتماءات لهوايات فرعية ، وإنًما تكمن في الإصرار على الوصول بها إلى عدم تعايشها بتناغم مع بعضها البعض وعدم تكاملها، وذلك من أجل هوية الأمة المشتركة وبالتالي المصلحة العامة.

 

 

أن تكون وطنياً مخلصاً لوطنك الصغير وعاملاً على حمايته وتقدمه، وأن تكون مذهبياً مستنيراً غير طائفي وغير متزمٍّت، وأن تكون معتزاً بانتمائك لقبيلة وتدفع لأن يستعمل التضامن القبلي في النضال مع القوى المدنية الأخرى من أجل الشًّعب كلًّه.. أن تكون كذلك فانً ذلك لا يمكن إلاُ أن يخدم الأمة كلًّها ويعزًّز هويتها القومية المشتركة.

 

الخطر يأتي من إصرار البعض على إعلاء مكانة وأولوية هوياتهم الفرعية، التي تهُم وتخدم جزءاً من المجتمع أو الأمة، فوق الهوية القومية الجامعة المشتركة.

 

الخطر ممكن أن يأتي أيضاً عن فرض هوية واحدة من قبل سلطة قد تكون شرعية أو سلطة تستند إلى قوة الفرض والإملاء. لنتذكر هنا النازية كمثل. عند وجود سلطة الفرض تتضاءل مساحة التعددية الإيجابية للهويات الجزئية المعبًّرة في جوهرها عن علو مكانة الحرية في المجتمع.

 

أيها الاخوة والأخوات

 

هناك جانبان من موضوع الهوية العربية الجامعة يستحقان إبرازهما. الجانب الأول يتعلق بالمكانة الخاصة للدين الإسلامي في مكوٍّنات الهوية العربية. في محاضرة للمفكر الإسلامي د. محمد أحمد خلف الله، ألقيت في الكويت عام 1982، يبرز الصلة الخاصة بين الدين الإسلامي والعروبة من خلال ملاحظة دلالات نزولة باللغة العربية، وبأن الشعر الجاهلي واللغة العربية المستعملة الجاهلية كانا مدخلاً لفهم مفردات القرءان، وبان الصلاة لا تجوز بغير العربية ، وبأن الأمكنة الإسلامية التعبدية من مثل مكة هي عربية، وبأن الأشهر التعبدية من مثل رمضان هي عربية. ولمن يريد الاستزادة في هذا الموضوع عليه أن يراجع كتابات المفكر القومي عصمت سيف الدولة والمفكر محمد عابد الجابري وغيرهم.

 

أما الجانب الآخر فهو التنامي المفجع للأخطار المستقبلية المحيطة بالهوية العربية في دول مجلس التعاون الخليجي، وهي أخطار إن لم تواجه بإرادة سياسية قومية من قبل كل دول المجلس فإنها ستؤدًي إلى أن يصبح العرب أقلية في دول المجلس وتصبح الجاليات الأجنبية غير العربية أكثرية، ويضيع الخليج العربي كما ضاعت أجزاء أخرى من وطن العرب.

 

أيها الإخوة

 

إن أمُة فرضت عليها التجزئة، وحالياً إمكانية التفتيت، من قبل قوى الاستعمار والمصالح الفئوية في الداخل، إنً أمة تشتعل في كل أرضها حرائق الفتن الطائفية والمذهبية والصعود المذهل لقوى تكفيرية جهادية ترتكب باسم الإسلام أبشع أنواع البريرية البدائية وتهدِّد بأن تحكم الأفضل والأهم من مجتمعاتها، إن أمة تقف عاجزة أمام وجود استيطاني استعماري صهيوني يتطلًع أن يهيمن على جميع مقدًرات وطنها وينفي حقوق ووجود وأحلام شعب من شعوبها، شعب فلسطين العربي، إنُ أمًة مستباحة أرضها منهوبة خيراتها، إن أمًة يتيه الملايين من شعوبها في المنافي ومعسكرات اللاجئين .. إن فرداً في مثل هذه الأمًة لا يحتاج أن يطرح على نفسه السؤال المتعلق بأولوية الأولويات في قائمة هويًاته: إنها القومية بلا منازع.  في مثل هذه الحالة تعلوا متطلبات الهوية القومية العروبية على كل متطلبات أخرى ويقود الانتماء القومي كل الانتماءات الأخرى.

 

ما يوجع القلب هو أن يبقى موضوع الهوية العربية موضوع سجالات عبثية عبر القرن الماضي كلًه، وهي سجالات لا دخل لها بالفكر ولا بالمنطق ولا بالتاريخ ولا بالماهيىة الإنسانية المتجذرة فيها، وإنًما يراد لها أن تبقي الأمُة في دوًامة من المشاعر والأحلام المتناقضة، حتًى لا تتفرًغ لبناء نهضتها وتدخل التاريخ من جديد.

                                                               

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro