English

 الكاتب:

عبدالله مطيويع

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

إلى متى تبقي الحقيقة مغيبة... وهل يفلت القتلة من القصاص؟
القسم : حقوق انسان

| |
عبدالله مطيويع 2014-12-18 21:28:38




 

جرائم التعذيب والقتل خارج القانون لها تاريخ طويل في البحرين، سواء أكان ذلك إبان مرحلة الاحتلال الانجليزي، أو ما بعدها، حيث كانت ولوقت قريب تُدار من قبل ضباط إنجليز في أقسام المخابرات.

 

فلا زالت حادثة استشهاد المناضلين الوطنيين محمد بوجيري وسعيد العويناتي، وآلام المئات من المعتقلين الذين تعرضوا لشتى صنوف التعذيب ماثلة أمامي بعد 38 عاماً... لا زالت صور وأنات المعتقلين وضحايا قانون أمن الدولة ممن زُج بهم في السجون دون محاكمات، أو تمت محاكماتهم بتهم ملفقة وباطلة، يُشرف عليها أكبر رأس في جهاز الأمن، لإجبارهم بالتوقيع على اعترافات لفقها مستشاري الداخلية مع الترغيب بأنه سيتم إطلاق سراحهم أو تخفيف العقوبة عليهم.

 

38 عاماً مضت لا أكاد اصدق، فرأس الشهيد محمد غلوم بوجيري المعصوب بالشاش الأبيض الذي تحول لونه إلى الأحمر من شده ما نزفه من دم لا يزال شاخصاً أمامي وصدي صراخه من شدة الضرب لا يزال يمزق روحي وهم يسحبونه كالذبيحة لأنه لا يقوى على الوقوف أو المشي...

 

 تري من قتل محمد بوجيري؟ أهيه الفرقة (أ) أم الفرقة (ب)

 

بعد ن ادركوا أن الشهيد محمد غلوم بوجيري في حاله يرثي لها، فهو لا يستطيع المشي، ورأسه ينزف ووجهه متورم وربما ضلوعه مكسورة أو به نزيف داخلي... احتاروا فيما يفعلون، فأخذوه على عجل للزنزانة رقم (1) في قسم المخابرات بالقرب من غرف التعذيب، كان معه في الزنزانة المناضل سيد ابراهيم سيد عدنان من الرفاق في جبهة التحرير، وقد شاهد ما شاهد من معاناة الشهيد، فكان الشهيد ينادي بصوت باهت (بندول بندول راسي راسي)، سيد ابراهيم صار يصرخ بأعلى صوته ينادي (السنطري) الحارس وبصورة هستيرية تعكس ما شاهده وينادي (الرجل يموت الرجل سيموت تعالوا تعال يا سنطري) جاء الحارس ونظر برهة وركض إلى زملائه، فجاء اثنين أو ثلاثة من الجلادين، حملوا الشهيد بوجيري وأخذوه مسرعين لعيادة القلعة... ولما شاهدة طبيب القلعة، الذي كان انساناً يستحق الاحترام رغم وظيفته، هو الدكتور سمويل، قال لهم انقلوه سريعاً الى مستشفى السلمانية فحالته خطرة جداً، وفحصه دكتور بحريني آخر، إلان أن الشهيد محمد غلوم بوجيري كان يلفظ أنفاسه الأخيرة حتي صعدت روحه الى بارئها.

 

بعد حادثة الاستشهاد، تكهرب الجو في قسم المخابرات وارتبك ارتباكاَ شديداً حتي إن ايان هندرسون جاءني الزنزانة رقم (2) المجاورة للزنزانة التي كان بها سيد ابراهيم سيد عدنان واودعوا بها الشهيد بوجيري معه، ازاح خيش (الجودري) من على جسدي وهزّ كتفي بقوه وقال كلاماً لا أذكر منه أو لم أكن أعي ما قاله، عدا جمله لا أعرف كيف حفظتها لأنني كنت ما بين الصحو واللا صحو، بعد أكثر من سبعة أيام من وجبات التعذيب ودون نوم أو طعام، وقال وهو يهزني "أبدلا" عبدالله عبدالله (the case is over) "  القضية انتهت، أية قضيه لا أعلم!!

 

في خضم هذا الجو وتكرار مجيء ورواح الجلادين والمعذبين، كان يأتي إلى الزنزانة بين الحين والآخر عنصر من عناصر المخابرات البسطاء يأتي ويقف مده طويله أمام زنزانتي ويتحدث أو لعله يطمئن حالتي حيث أوصاهم هندرسون بإيقاف التعذيب بعد استشهاد محمد غلوم، هذا المسكين البائس ودون ان استدرجه في الكلام او أساله راح كما لو انه يريد تبرئة ذمته وكان في اشد الارتباك قال (آنه يا خوي مطيويع مو في الفرقة (أ) آنه في الفرقة (ب)، محمد مات عند الفرقة (أ)).

معاناة أخرى لكوكبة المعتقلين، وثقها المناضل أحمد مكي في العدد الثالث من مجلة (الديمقراطي) التي تصدرها جمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)، حينما عرى وفضح أثناء محاكمته ما يجري في المعتقلات من انتهاكات، ولكن رغم صدور قرار المحكمة بتبرأته، إلا إنه قضى في المعتقل 7 سنوات ونصف، غادره بضرر بالغ في سمعه وإصابة لازالت ماثلة في عينه اليسرى.

          

والضحايا كُثر، ومثالهم مجموعة من الجنود البسطاء الذي كانوا شباباً وخرجوا من المعتقلات كهولاً  لاتهامهم بتشكيل خليه سريه في قوة دفاع البحرين، والانضمام الى منظمة سريه والمحاولة لقلب نظام الحكم، وهم أحمد سرحان مؤبد، على الاسكافي مؤبد، مهدي فتيل 18 سنة، حسن بوعلاي 10 سنوات، خليفة اللحدان الدوسري 10 سنوات، على الستراوي 10 سنوات. والغريب أو المضحك في هذه القضية أن  المتهمين جميعهم جنوداً، فهل سمعتم من قبل عن قيام جنود بالسعي لقلب نظام الحكم، سمعنا  إن ضباطاً او ضباط صف يحاولون قلب نظام الحكم لا جنوداً، يا للمهزلة وضيق الافق وبؤس من صاغ وأخرج تلك المسرحية البائسة التي مات صاحبها السيد ايان هندرسون، الذي بالمناسبة ترحمت عليه في إحدى القنوات لكن المذيع الذي اجري المقابلة معي لم يمهلني لأكمل كلامي لأنه جديداً في هذا الشأن كقناته،  كنت سأكمل كلامي بالقول (رحم الله هندرسون لأن الذين جاءوا بعده فاقوه قسوة ووحشيه، رحل مهندس تلك المسرحية إلى جهنم وبئس القرار ولا تزال المسرحية تحتاج مخرجاً جديداً حيث تتكرر فصولها بصورة دراماتيكيه).

 

تري متي سيأتي اليوم الذي سيؤخذ قتله محمد بوجيري وسعيد العويناتي الى العدالة؟؟ ومن هي الفرقة (أ) والفرقة (ب)، ومن هم عناصرها؟

 

من الذي قتل شهداء انتفاضة مارس 1965، الشهيد عبدالله حسين نجم بونوده، والشهيد عبدالله سعيد  الغانم، من المحرق، الشهيد فيصل القصاب، من المنامة، الشهيد عبدالنبي سرحان، وعبدالله سرحان، من النويدرات، والشهيد جاسم عبدالله، من الديه.

 

من قتل محمد بونفور، من قتل الدكتور هاشم العلوي، ومن قتل في يوليو 1954، عند سور القلعة، ابراهيم عبد الرسول بن سيف، محمد الحاج كاظم على احمد السعيد، على حسن الحاج عبدالله من ستره، من قتل كل هؤلاء؟.

 

من قتل شهداء الثمانينات والتسعينات وغيرهم.... سيحتاج الأمر إلى كتب لجرد اسمائهم وكيف قتلوا؟

 

سؤال يطرح نفسه بإلحاح، متي يحاسب القتلة ومن يجبر بخواطر أهلهم، ومن سيبادر للبراءة من دمهم بتحقيق الإنصاف والعدالة حيث (جرائم التعذيب والقتل خارج القانون جرائم لا تسقط بالتقادم)، بنص قانون العقوبات البحريني الذي يقول في مادته (208) "يُعاقب بالسجن كل موظف عام أو شخص مُكلف بخدمة عامة ألحق عمدا ألماً شديداً أو معاناةً شديدةً، سواء جسدياً أو معنوياً، بشخص يحتجزه أو تحت سيطرته بغرض الحصول منه أو من شخص آخر على معلومات أو اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه هو أو شخص آخر، أو تخويفه أو إكراهه هو أو شخص آخر، أو لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز من أي نوع. ويعاقب بالسجن كل موظف عام أو شخص مُكلف بخدمة عامة هدد شخصاً يحتجزه أو تحت سيطرته بأي من الأفعال المبينة في الفقرة الأولى من هذه المادة، أو إذا ارتكبت هذه الأفعال من قبل طرف آخر بتحريض منه أو بموافقته أو بقبوله. وتكون العقوبة السجن المؤبد عندما يؤدي التعذيب إلى موت المجني عليه".

 

لقد وثقت الذاكرة النضالية للشعب البحريني عدة حوادث، بدءاً من حادثة استشهاد عبدالله سعيد الغانم على يد بدوي يُدعى جاعد، فقد أطلق عليه النار، وأخذ الشهيد يركض مضرجاً بدمائه لحين وصل منزل المرحوم المطرب ماجد عود بالقرب من مسجد الشيخ حمد في المحرق، وقام أهل البيت بإخفائه عن أعين الشرطة، ولكن جاعد استدل على مكانه من قطرات الدم التي كانت تنزف منه، فاقتحموا منزل عون وفتشوه إلى أن عثروا على الشهيد أسفل سرير في إحدى غرف المنزل، وقام جاعد، مشحوناً بحقد وهمجية بجر الشهيد من قدميه ودمائه تسيل من المنزل إلى جيب الشرطة، واستشهد وهو غارق في دمائه، ولم يتم تسليم جثمانه إلى عائلته، بل قاموا بدفنه في مقبرة المنامة، كما عملوا مع الشهيد عبدالله نجم بونوده، والشهيد محمد غلوم بوجيري، والشهيد سعيد العويناتي.

 

من جانب آخر، مئات من المواطنين ممن مازالت آثار رصاص (الشوزن) في أجسادهم والتي أصيبوا بها أثناء انتفاضة مارس 1965، وأيضاً الذاكرة الشعبية وثقت أسماء بعض المرتزقة الاجانب والعرب ممن كانوا يطلقون النار على المتظاهرين في تلك المرحلة، أشهرهم المدعو (جرين)، و(برت)، و(كمبل)، ومن العرب (شلتاح)، و(جاعد)، و(العفو)، وغيرهم.

 

إن جميع تلك الجرائم وإن وثقتها الذاكرة الشعبية، إلا أنها بلا شك موثقة في أضابير المخابرات، وإذا ما أتلفت فهي لدي الانجليز في تقارير الخارجية البريطانية أو لدي جهاز المخابرات البريطانية أو في رسائل السفارة البريطانية ضمن التقارير التي يرسلها السفير، وهذا أحسن ما يفعله الانجليز في الدول التي يحتلونها فهم يحتفظون بالشاردة والواردة... فمتى يأتي اليوم الذي تعترف فيه الحكومة البريطانية بدورها في التعذيب والقتل خارج القانون، ومتى تعترف حكومتنا بذلك، كما فعلت الحكومة الفرنسية حينما اعترفت باغتيال المناضل النقابي والسياسي فرحات حشاد، مؤسس الاتحاد التونسي للشغل، وأقامت له نصباً تذكارياً في باريس تخليداً لذكراه واعتذاراً عن جريمتها.

 

استذكر هذه الأبيات من ذاكرة وإيحاء الصديق سلمان كمال الدين في معتقل سافره عام 1977 وهي قصيدة للشاعر قاسم حداد حينما يقول:

وحبيبتي قمر يطل من النوافذ كالنهار

هي في انتظاري عائد واللؤلؤ الناري

كل هديتي ودم انتصاري

فيصير هذا الليل ماءاً  ليناً

كالحلم تزهر جنتي يوم انتصاري

يا للذي كان يغني العشب شعراً فتحول

وطني يدعوك للرقص الجماعي

فهل بالرقص تقبل ، فتأمل ، رغم حد السيف والصيف الشتائي

فإن الشعب في الآمال أجمل.

 

وأخيراً، يقول المولى جلت قدرته (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) ( صدق الله العظيم)

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro