English

 الكاتب:

عبدالله جناحي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

المجلس الأعلى للأجور في البحرين ضرورة مجتمعية (الحلقة الثالثة)
القسم : اقتصادي

| |
عبدالله جناحي 2014-11-20 10:50:07




 

التدخل الحكومي

من واقع المستجدات والتطورات الاقتصادية الراهنة وخاصة بعد الأزمة الاقتصادية الرأسمالية التي بدأت مقدماتها بأزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأمريكية وتداعياتها المباشرة على القطاع المصرفي وتأثيراتها المتلاحقة على القطاعات الاقتصادية الأخرى ليس فقط في الولايات المتحدة الأمريكية بل في عموم الدول الرأسمالية المتقدمة ودول الأطراف ومنها الدول العربية.

 

ودون التعمق كثيراً في التاريخ الاقتصادي للرأسمالية والاكتفاء بالمحطات الكبرى للرأسمالية عند أزماتها المفصلية سواء الكساد العالمي في العشرينات من القرن الماضي أو أزمات الانهيارات المتعاقبة في أسواق البورصات والعملات الصعبة أو بروز ظاهرة جديدة التي سميت بالركود التضخمي.

 

من واقع هذه المستجدات يتوضح مدى التدخل الحكومي في الاقتصاد وقيام الدولة في إنقاذ اقتصادياتها، بل واستفادة النظام الرأسمالي من الآليات الناجعة للتدخل الحكومي سواء في توفير مظلة حمائية تأمينية للعاملين أو تشكيل صناديق التعطل أو تصحيح الأسعار أو تعديل الأجور والرواتب. الأمر الذي يدحض أطروحة وجود اقتصاد حر وأسواق حرة لا تدخل حكومي في آلياتها وتصحيح أعوجاجاتها.

 

أن التدخل الحكومي الضخم في الأزمة الاقتصادية الراهنة عبر ضخ مئات المليارات من الدولارات من أموال دافعي الضرائب ومن خزانة الدولة لصالح إنقاذ المصارف والشركات الخاصة، أو إجراءات التأميم الجزئي لهذه المؤسسات الضخمة في هذه الدول الرأسمالية يكشف ليس فقط على المسؤولية الكبيرة للحكومات وأصحاب الأعمال في إنقاذ المؤسسات المالية والمصرفية وغيرها، بل يعني ذلك أيضاً أهمية التدخل في تصحيح الأجور والرواتب للعاملين سواء في القطاع الحكومي أو في مؤسسات القطاع الخاص.

 

فمثلما تقوم الحكومات بضخ المليارات من الأموال العامة لإنقاذ مؤسسات القطاع الخاص فأنها مطالبة بالتالي بدعم مستوى الدخل للمنتجين من العاملين في هذا القطاعات من دافعي الضرائب.

 

ومن هنا تقوم فلسفة وجود هيئات ومجالس عليا ثلاثية الأطراف لمراجعة مستويات الأجور والرواتب، وهي فلسفة أصبحت أكثر من ضرورة بعد تكرار الأزمات الاقتصادية عالمياً وتكرار التدخلات الحكومية في الأسواق الحرة!!

 

البعد الآخر لأهمية وجود مثل هذه المجالس يتمثل في رؤية الدول للعلاقة بين عمليتي النمو والفقر، حيث أن السياسات الحكومية التي تؤمن بالبرامج الاقتصادية الاجتماعية ترى بأن الربط بين القضاء على الفقر والنمو الاقتصادي لابد أن يتحقق عبر سياسات تدخل مباشرة موجهة للفقراء وتتمركز بشكل أساسي في دعم الأجور وتحديد الحد الأدنى بجانب توفير التعليم والخدمات الصحية المجانية.

 

أن ربط الفقر بالنمو الاقتصادي لن يحقق نجاحه إذا ما تم التركيز فقط على برامج موجهة للحد من ظاهرة الفقر عبر المساعدات الاجتماعية وعلاوات الغلاء وغيرها، وإنما أيضاً خلق وظائف ذات الأجور المجزية.

 

ومن أجل نجاح هذه السياسة الاقتصادية الاجتماعية لابد من مراقبة ومراجعة مستويات الأجور ودعم الفئات ذوي الأجور المنخفضة ليتم التوزيع العادل لثمرة النمو الاقتصادي على جميع فئات المجتمع.

 

المفاوضات الجماعية:

إذا كانت التدخلات الحكومية في النظام الرأسمالي لإنقاذ المؤسسات الخاصة تنفذ في لحظات الأزمات الاقتصادية الكبيرة، فأن التدخلات المطلوبة في تصحيح وتعديل مستويات الأجور والرواتب تحتاج إلى آليات مستدامة ومقوننة ومتفق عليها وأهمها تعزيز مبادئ المفاوضة الجماعية بين الاتحادات النقابية العمالية ومنظمات أصحاب الأعمال والحكومات، بحيث تكون هذه المبادئ تعتمد على قناعة جميع الأطراف بضرورة انسجام الأجور والرواتب مع المتغيرات الاقتصادية سواء التضخم الدوري ومستويات الأسعار، أو بروز احتياجات مجتمعية جديدة تفرض تغيير في سياسات الإنفاق العائلي أو العام، أو تأثير الأزمات العالمية كأزمة الغذاء وارتفاع أسعار النفط وتأثيرات التضخم المستورد على مستويات الدخل للعاملين.

 

ومن جانب آخر فأن المفاوضة الجماعية المعتمدة على شفافية وصحة البيانات والإحصاءات المفترض توفرها من قبل الحكومات أو منظمات أصحاب الأعمال والمتعلقة بالموازنة العامة والإيرادات والناتج القومي ومستويات التضخم وارتفاع الأسعار والإنتاجية وأرباح الشركات وغيرها، من شأن ذلك وصول جميع أطراف الإنتاج إلى توافق حول تعديل مستويات الأجور والرواتب من واقع هذه المتغيرات الاقتصادية، بالإضافة إلى تحليل بيانات سوق العمل.

 

وحيث يتم التوافق على التوقعات المستقبلية سواء لنسب التضخم وارتفاع الأسعار والفوائض المالية والإنتاجية ومقارنتها بالقوة الشرائية للعاملين وصولاً للأجر العادل المطلوب.

 

التدخلات في تعديل مستويات الأجور:

رغم التوافق بشأن إدخال كافة العوامل الاقتصادية المتقدم ذكرها إلا أن المسألة المهمة التي تتمركز حولها المفاوضة الجماعية بشأن تصحيح الأجور هي علاقتها بالقدرة الشرائية، حيث تقوم الهيئات والمجالس العليا للأجور في دراسة الكتلة الأجرية لكافة قطاعات الاقتصاد الوطني ومقارنتها بالسنوات الماضية.

 

ودراسة مقارنة حول الاعتمادات المخصصة للأجور في الميزانية العامة ونسبة الأجور من الناتج الإجمالي المحلي وانخفاضاتها أو ارتفاعها وصولاً إلى تحديد نصيب الأجور من القيمة المضافة الإجمالية وعلاقتها بالتالي بالقدرة الشرائية.

وبذات الآلية تتم دراسة النتائج في القطاعات الصناعية والخدماتية الخاصة للوصول إلى تحديد الأجور الدنيا (الحد الأدنى للأجور) وهو المفصل الأساس من مهمات المجالس العليا للأجور.

 

الحد الأدنى للأجور:

تأتي أهمية وجود هيئات ومجالس عليا للأجور للوصول إلى تحديد الحد الأدنى للأجور، وتنبع أهمية مثل هذه المجالس في قدرتها على تنظيم وتحديد قاعدة المعلومات المطلوبة من إحصاءات وبيانات وآليات قانونية واضحة للمفاوضة الجماعية.

وحيث أن تحسين المستويات الدنيا للأجور كهدف من الممكن أن تكون آليات تنفيذه تثمر نتائج سلبية تشد الأجور نحو الأسفل – كما حدث في بعض الدول – أو تشد الأجور نحو الأعلى كما حدث في بعض الدول الناجحة في هذا المقام.

 

وهذه المجالس هي من أنجح الآليات التي تحقق وتعمل لرفع مستويات الأجور وتكون بمثابة رافعة مؤثرة لتحسين مستوى المعيشة للفئات الضعيفة في المجتمع، حيث أن وجودها تمثل وجود آليات ضرورية تحتاجها الأسواق كالرقابة المطلوبة على سوق العمل والأداء الاقتصادي للقطاعات ومن خلالها تتمكن الأجهزة الرسمية ومنظمات أصحاب الأعمال من رفع الأجور لزيادة القوة الشرائية أو تجميدها تجنباً لأي تضخم أو زيادة في التكاليف.

 

غير أن نجاح سياسات تحديد الأجور الدنيا يحتاج بجانب قاعدة المعلومات الاقتصادية إلى متطلبات فنية تنص عليها الاتفاقيات الدولية والعربية الخاصة بالحد الأدنى للأجور، كالاتفاقية الدولية رقم (131) بشأن الحد الأدنى للأجور، وكذلك الاتفاقية العربية رقم (15) لسنة 1983 والتي صدقت عليها حكومة البحرين في عام 1984م ولم تتمكن من تنفيذها، وأحسب أن أحد أهم أسباب ذلك هو غياب وجود مجلس أعلى للأجور في البحرين.

 

ومن أهم المتطلبات الفنية المذكورة في هذه الاتفاقيات لنجاح سياسات الحد الأدنى للأجور هي التحليل القطاعي ومن ثم إمكانية تطبيق الحد الأدنى قطاعياً، ووجود نظام تفتيش قوي وتدابير لازمة لضمان التطبيق.

والتوصية الدولية رقم (135) ترى بجانب ما سبق ضرورة ألا يتعارض النظام مع معدلات الأجور في الأقاليم.

 

العهود الدولية وسياسات الأجور:

بموجب آليات متابعة الدول التي صادقت على العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فأن التقارير الدورية المقدمة من الدول الأطراف وبموجب المادتين 16 – 17 من العهد الدولي يتم عرض الانجازات والانتهاكات في العديد من القضايا المتعلقة بالعمل والعمال ومنها سياسات الأجور، وعلى الدول الأطراف أن توضح الآليات والإجراءات التي يتم من خلالها تحديد الأجور لتوضح مدى الانسجام مع عدم التمييز والتعسف.

 

وفي هذا الشأن فأن الحركة النقابية مطالبة بتقديم مرئياتها في هذا الحقل وأن تكون مساهمة بفعالية في متابعة مثل هذه الاتفاقيات والعهود الدولية، سواء المتعلقة بالاتفاقيات التجارية والتجارة الحرة أو المرتبطة بمواثيق حقوق الإنسان من محورها الخاص بالعمل والأجور.

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro