English

 الكاتب:

مريم الشروقي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

دور الاعلام في التجربة الايرلندية بين التضليل والتهدئة
القسم : سياسي

| |
مريم الشروقي 2014-06-02 01:39:09




 

 

بلا شك أن التجربة الايرلندية في المصالحة أصبحت نموذجا يحتذى به في الكثير من مناطق العالم، وأن البلدان التي تعاني من الانقسامات الطائفية أوالأثنية أو غيرها تنشد الرغبة في الاستفادة من هذه التجربة لا سيما وأن هناك وجود لرغبات وسط الوطنيين والحادبين على الأمن والاستقرار في الاستفادة من هذه التجربة الانسانية الرائدة التي خلقت واقعا جديدا وأوقفت حربا داخلية شرسة بين طرفين كل منهم يرى في نفسه الحق والآخر على باطل، فكانت اتفاقية الجمعة العظيمة عام 1998م في العاصمة بلفاست، التي أوقفت اراقة الدماء بين أبناء الوطن الواحد، هذه الاتفاقية أصبحت إحدى أهم النماذج البشرية في المصالحة بين المتخاصمين المتحاربين، ولولاها لانتشرت هذه الحرب إلى خارج الحدود، لذا من الطبيعي أن يبحث الناس في هذا النموذج لايجاد امكانية للاستفادة منه في أي جانب من جوانب حل المعضلة.

 

لا شك بأن الاعلام يمثل أهم دوائر بث الفرقة وزيادة الاحتقان بين المتخاصمين، ويزيد من اشتعال نار الخلافات، ويؤكد لكل طرف من الاطراف بأنه الحق والآخر هو الباطل بعينه ولا سواه، وفي العصر الحديث حيث التقنية وزيادة وسائط التواصل الاجتماعي فضلا عن الأقنية الفضائية والمواقع الالكترونية، أصبح الإعلام سلاح بكل ما تحمل الكلمة من معنى، هناك من يستخدمه في خدمة البشرية وبعض آخر يستخدمه في اشغال البشرية بالخلافات، وبث المواد التي تعكر صفو المجتمعات المستقرة وتحولها إلى كائنات شرسة.

ومن هنا ونحن نتحدث عن التجربة الايرلندية لا بد من تسليط الضوء على الدور الاعلامي في هذه التجربة الناجحة، وما اتسم به، وما يتصل بالتضليل وبالتهدئة والملابسات التي صاحب ذلك، هذا الأمر يقودنا بشكل مباشر إلى النظر في دور الحكومة البريطانية قبل اتفاقية بلفاست ( الجمعة العظيمة ) 1998م، وقد ثبت من خلال الوقائق بأن الحكومة البريطانية نفذت عددا من القرارات والتي تمثلت في:

  • ابعاد المعارضة عن الاعلام بشتّى قنواته، وذلك لأنّ الاعلام آنذاك لم يكن بالصورة المنفتحة في أيامنا هذه، وبالتالي كان التحكّم به أمر سهل جدا.
  • منع الاعلام من التحدّث عن التاج الملكي، لعلم الحكومة البريطانية بأهمّية تحسين صورة الملكية الدستورية.
  • عرض مساويء المعارضة، من خلال بث أخبار كاذبة عن مدى خطورتهم، وعن ارهابهم للناس.
  • توجيه الاعلام المرئي والمسموع والمقروء ضد المعارضة، من خلال بث صور القتل والتخريب والدمار، وبث صور الضحايا من الموالين ملطّخة بالدم وغيرها.
  • العمل على تأجيج الفتنة الطائفية بين البروستانت والكاثوليك، وتصوير الموقف على انّ البروتستانت الموالين جميعهم مع الحكومة البريطانية، وأنّ الكاثوليك هم مواطنين من الدرجة الثانية.
  • زج الصحافيين والاعلاميين المعارضين لتوجّهات الدولة في السجون، وقد أثبتت الدلائل هذه الحقائق، كما وأثبتها الصحافيون والاعلاميون أنفسهم
  • التضييق على الاعلاميين والكتّاب من أجل البوح بمصدر معلوماتهم، وحتى عام 2006م كان التضييق على أوجّه لكل كاتب يحاول التحدّث عن الحكومة البريطانية وما قامت به في الأحد الدامي.
  • وبالنظر إلى ما قامت به الحكومة البريطانية الإجراءات السالفة الذكر والتفكير فيها بعمق والتأثيرات التي ترتبت على ذلك سنجد بأن حصيلة هذه الإجراءات كانت كالتالي:

     

    1-    التحكّم في الاعلام بشتّى قنواته، حتى تتمكّن الدولة من التوجيه والتأجيج والطأفنة من أجل تغييب الحقائق.

    2-    سيطرة الاعلام الرسمي ومحاولة تغييب الاعلام المعارض، على رغم أنّ الاعلام المعارض كان ينشر صور الضحايا ومباديء الثورة، وكذلك يقوم بتحفيز الناس على عدم الرضوخ لبريطانيا

    3-    المبالغة في الكذب أدّى إلى عدم المصداقية في الاعلام الرسمي، فلقد أثبتت الحقائق أنّ الموالين أنفسهم يكرهون الطرف الآخر، ولكنّهم يقرؤون ما ينشر من قبله، لعلمهم بأنّ هذا الطرف كانت له مصداقية أكثر من الاعلام الرسمي.

     

    لكن الأمور لم تسير على هذا النحو بشكل مستمر، كانت هناك عقول تفكر داخل الحكومة البريطانية وتقرأ نتائج الخطوات التي قامت بها على الشارع الايرلندي وعلى مخرجات الأمن والاستقرار، وعلى الاقتصاد وعلى مستقبل البلاد، ونظرة العالم للسياسات التي تتبعها وتزيد من حدة الكراهية بين طرف لآخر، لذا كانت الفترة بين المرحلتين حاسمة فقامت الحكومة البريطانية بعمل معالجات تعيد من خلالها الأمور إلى نصابها الصحيح، فسمحت  للمعارضة بعرض مطالبها في شتى قنوات الاعلام، وذلك تمهيدا منها للمصالحة الوطنية، لأنّها درست الموقف وعلمت بأنّ ليس هناك مجال للحل الأمني ولكن الحل السياسي هو الذي سينهي الأزمة.

     

    ثم عملت على التخفيف من حدّة التأجيج الطائفي عن طريق تغيير البرامج الاعلامية، وطمس كل صور التأجيج التي كانت تبثّها في السابق، من أجل الوصول إلى هدف اتفاقية بلفاست 1998م، فوجهت الاعلام الرسمي ببث روح الألفة والقبول بالآخر، وذلك عن طريق القبول بالمواطنة والتعايش مع المعارضة، وابعاد أي شكل يؤدّي إلى التفرقة بين المواطنين، وأن المواطنين المعارضين ليسوا مواطنين بالدرجة الثانية، وبطبيعة الحال أن هناك من يتضرر من وقف العنف وتراجع الكراهية، فلم يرضى الموالين للحكومة ببوادر اتفاقية بلفاست، وذلك لاحساسهم بالظلم لأنّهم وقفوا مع الحكومة البريطانية وكانوا يريدون مواصلة وتيرة العنف والكراهية.

     

    الحكومة لم تلتفت لعدم رضى الموالين لها وقد ذهبت في اتجاه المصالحة بوضع الخطط وكان العامل الأساسي في تهيئة المجتمع للمصالحة هو الاعلام الذي استطاع في فترة وجيزة معالجة افرازات التأجيج الطائفي الذي استمر لسنوات عديدة، يوما بعد يوم كانت الوسائل الاعلام ترسخ مفهوم التعايش السلمي والعيش المشترك، وأنه لا بديل لكل طرف للآخر بمعنى أن كل طرف يكمل الآخر.

     

    قبيل اتفاقية الجمعة العظيمة لعبت الحكومة البريطانية دورا متميزا في تهيئة الأمور للمرحلة المهمة في المشكلة الايرلندية، حتى نجحت بامتياز فكانت هذه التجربة العالمية التي شهدت بها الانسانية من اقصاها لاقصاها، لكن وهلى انتهى دور الحكومة في التوقيع على الاتفاقية؟؟، بكل تأكيد لم يتوقف دورها لأنها كانت تريد اتفاقية قوية تصمد في وجه كل التحولات والمتغيرات على المستوى الوطني والاقليمي والدولي.

    قامت الحكومة البريطانية بعد اتفاقية بلفاست 1998م بتوظيف شركة علاقات عامّة « Mccann Erickson»، وذلك من أجل وضع الخطط الاعلامية التي ستؤثّر في الرأي العام، والترويج لاتفاقية الجمعة العظيمة، وبالفعل بعد شهر واحد من عمل شركة العلاقات العامة، 71% من المجتمع سواء من الجانب الموالي أو المعارض أصبح مؤيّدا وبشدّة لاتفاقية بلفاست ( الجمعة العظيمة).

     

    هذا العمل كان مؤشرا جيدا لأن استخدام الاعلام من أجل المصالحة، وهو ذاته الاعلام الذي استخدم من أجل التقسيم والطأفنة، فلقد أدّى غرضه في فترة التقسيم على أكمل وجه، وجاء دوره بعد الاتفاقية من أجل تحسين صورة الحكومة في سعيها إلى اللحمة الوطنية، وقد أصبح الاعلام الرسمي يبني السلام ويرسخ للعيش المشترك، بعد الاتفاقية ويحاول بجميع قنواته التأكيد على ما تم في اتفاقية بلفاست.

     

    وكان الحدث الأكبر هو اعتذار الحكومة البريطانية عمّا حدث في يوم الأحد الدامي بعد 40 سنة على مضي (الأحد الدامي) وهو ذاك اليوم الذي سقط فيه العديد من الضحايا المدنيين، اذ ذهبوا في مسيرات سلمية مطالبين بالحقوق المدنية والعدالة، وانتهى بهم المطاف إلى القبر، لكن مهما حدث فإن التجربة الايرلندية خلقت تأثيرها الكبير في العالم، وقد أكدت هذه التجربة على عدد من المعاني المفيدة للبشرية ومن  أهمها دور الاعلام وتوظيفه في العيش المشترك وترسيخ ثقافة السلام والتعايش السلمي واحترام الخصوصيات الثقافية، وتكريس قيم الحوار في المجتمع بعيدا عن التسقيط والحط من الإرادة الانسانية.

    وخلاصة القول أن الاعلام في الوقت الراهن، وبعد التطور الكبير والهائل في زيادة آلياته يمكنه أن يصنع واقعا جديدا بعد كل المآسي التي حدثت سواء في البحرين أو في أي مكان في العالم، وهو القادر على صناعة التحولات الانسانية الراقية بعيدا عن التضليل، لكن مع ذلك لابد من إرادة سياسية تقف خلفه.

     

    *كاتبة بحرينية بصحيفة (الوسط) بمملكة البحرين.

     
     
     
     
     
     

    جميع الحقوق محفوظه © 2017
    لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

    Website Intro