English

 الكاتب:

عبدالنبي العكري

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الميثاق والشعب الطيب
القسم : سياسي

| |
عبدالنبي العكري 2014-04-22 10:41:05




كثيراً ما يتم ترديد العبارة "شعب البحرين شعب طيب"، إنه سرعان ما ينسى الإساءات والعذابات التي تعرض لها، ويسامح من قاموا بالإساءة إليه وتسببوا في معاناته، وقد علق أحد الأكاديميين الغربيين الأصدقاء على ذلك بقوله "أنتم طيبون حتى السذاجة". وتفكرت ملياً في عبارته هذه واتبع ملاحظته بشواهد من تاريخ البحرين.

 

في 1956م، وبعد معاناة شعب البحرين وهيئة الإتحاد الوطني، وبعد نضاله ضد الإنجليز والحكم طوال سنين، اعترف حاكم البلاد حينها وبعد وساطة المعتمد السياسي البريطاني في الخليج، بشرعية هيئة الإتحاد الوطني، وبالفعل أشادت الهيئة بالحكم، ووثقت به وبالإنجليز، ولكن لم تمضي شهور حتى استغلت بريطانيا والحكم أعمال الشغب التي رافقت الاحتجاجات ضد العدوان الثلاثي على مصر، في نوفمبر 1956 لتقضي على الهيئة وتحلها وتعتقل قياداتها وتحاكمهم، وتسجنهم في جزيرة جده، وتنفيهم إلى جزيرة سانت هيلانة الموحشة في بحر الشمال، وتشرد العديد من كوادرها، ليعيشوا حياة المنفى.

 

أثر قرار بريطانيا بالانسحاب في الخليج في فبراير 1968 وتهيئة مشيخات الخليج للإنجليز، واجه المخطط مأزق دعوى إيران في ظل قيادة الشاه، وأهم ركيزة لضمان امن الخليج بعد الانسحاب البريطاني، الدعوة لتبعية البحرين لإيران. وهناك تدخلت القوى الكبرى (أمريكا وبريطانيا) والقوى الإقليمية (إيران والسعودية) لترتيب مخرج لهذا المأزق، وهكذا اضطر الجميع للرجوع إلى شعب البحرين، الذي جرى تجاهله طويلاً. وكان المخرج من خلال الأمم المتحدة، حيث كلف الأمين العام يوثانت بتفويض في مجلس الأمن، نائبه بجنيف فيتوارى جوشباردي، بإجراء إستفتاء لشعب البحرين حول خيارات التبعية لإيران أو الاستقلال في دولة عربية. وبالفعل قام جوشباردي بالمهمة خلال شهري مارس وأبريل 1970م، وكانت حكمة شعب البحرين قاطبة بالرغبة في دولة عربية مستقلة ذات سيادة، والنتيجة في ظل حكم آل خليفة.

قال الشعب كلمته بعد أن جرى على امتداد أشهر عقد العديد من الاجتماعات الجماهيرية والمغلقة، حيث أكد كبار المسؤولين في الحكم، إن خيراً كثيراً ينتظر شعب البحرين، ومنه الدستور والمجلس النيابي المنتخب، والديمقراطية والعدالة إلخ..، وبالفعل صدق شعب البحرين الطيب ذلك. لكن لقى جزاء سنمار وعوقب أيما عقاب حيث لم تستمر المرحلة النيابية سوى 18 شهراً، جرى بعدها الانقلاب على كل الوعود في 23 أغسطس 1975م، وحل المجلس الوطني، وطورد الوطنيون حيث توزعوا بين السجون والمنافي، وامتدت حقبة أمن الدولة الكالحة حتى بعد تسلم الملك حمد بن عيسى سدة الحكم في 6-3-1999، حتى 14 فبراير 2001م بعد الاستفتاء على الميثاق.

 أثر قيام صدام حسين باحتلال الكويت في 2 أغسطس 1990م، ارتعب باقي حكام الخليج، وتداعت جيوش التحالف بقيادة الولايات المتحدة لإخراج صدام من الكويت وتحريرها. وهنا توافقت الدول الكبرى والأنظمة الخليجية على موازاة العمل العسكري بعمل سياسي وأحد تجلياته استرضاء شعوب الخليج ودغدغة مشاعرها.

 

وهكذا تواترت تصريحات الرئيس الأمريكي بوش والرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران لتؤكد أنه بعد تحرير الكويت ستلتفت إلى طموحات شعب الخليج العربي في الديمقراطية، وبالمقابل نهضت النخب في أكثر من بلد خليجي لتؤكد مساندتها للحكام في التحدي الكبير لإجتياح الكويت، وفي ذات الوقت المطالبة بحقوقها المشروعة، في البحرين تجلى ذلك في ما عرف بالعريضة النخبوية في ديسمبر 1992م والعريضة الجماهيرية التي قدمت لسمو الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة. وتبع ذلك حملة قمع واعتقال قيادات الحراك الجماهيري، لكن ذلك لم يزد النار إلى اشتعالاً والاحتجاجات إلا اتساعاً مع تزايد التعاطف الدولي. وهنا تفتت مخطط خطير لشق وحدة الحراك المتمثل في لجنة العريضة، وذلك بالدخول في تفاوض مع القيادة الإسلامية الشيعية فيما عرف بالمبادرة، والتي ترتب عليها اطلاق هذه القيادات من السجن، مقابل الوعد باطلاق سراح باقي المعتقلين، والتفاوض على المطالب مقابل أن يتم اقناع القواعد في الداخل، والمعارضة في الخارج بهذه الصفقة. لكن المعارضة في الخارج وغياب أية ضمانات ادى الى فشل الصفقة، كما أن القوى في الداخل لم توقف حراكها خصوصاً المهرجانات المتتابعة في بني جمرة ولذا سرعان ما انقلب الحكم على اتفاقه، وعمد إلى إعادة اعتقال القيادات، ومواصلة مسيرة القمع. وقد أدخل ذلك البلاد في أزمة عميقة استمرت حتى مجيئ الشيخ حمد إلى الحكم في 6 مارس 1999م، ليحدث بعد سنتين انفراجة في الوضع، ويطرح مشروعه الاصلاحي المستند إلى ميثاق العمل الوطني، حيث استجابت القوى والشخصيات السياسية والدينية المعارضة إلى دعوته، في ظل خطوات انفراجية، باطلاق سراح المعتقلين وعودة المنفيين وتجميد العمل بقانون أمن الدولة واسترخاء أمني أتاح قدراً من حرية التعبير.

 

ورغم الشكوك العميقة، ورغم تركيبة لجنة إعداد الميثاق بغالبيتها الحكومية والموالية ورغم انسحاب المحسوبين على المعارضة، ورغم غموض صيغة الميثاق، إلا أن قوى وشخصيات المعارضة، داست على جراحها وتجاهلت شكوكها لتدعم الميثاق الذي حاز على 98.4% من أصوات الناخبين رجالاً ونساءً. الحقيقة إن قوى وشخصيات المعارضة، وفي ضوء التجارب المريرة، فقد طلبت ضمانات حول أهم نقطتين غامضتين وهما:

  1. العلاقة ما بين الدستور والميثاق، في ضوء الشكوك بالعبث بالدستور، في ضوء ما قد يعتبر أنه تفويض من الميثاق لتغيير الدستور.
  2. العلاقة ما بين مجلس الشورى المستحدث ومجلس النواب المنتخب الممثل عن الشعب والذي يجسد ما جاء في الدستور "الشعب مصدر السلطات جميعاً" وبالفعل فقد عمد الأمير (الملك لاحقاً)  أن لا يرد حينها إلا التأكيد سواء أثناء زيارته لتجمع كبار العلماء الشيعة في بيت السيد جواد الوداعي في باربار، واستقباله للقيادة السياسية الدينية الشيعية في قصر الصافرية على تأكيد أن الدستور يعلو على الميثاق وأن أي تعديلات دستورية سيتم حسب الآليات الدستورية بموجب المادة 102 من الدستور، وإنها لن تمس مكتسبات الشعب. كما أكد إن مجلس النواب المنتخب هو المختص وحده بالتشريع، وإن مجلس الشورى المعين هو معني بالاستشارة فقط. كما افرزت اللقاءات التي تمت بين شخصيات معارضة واحد مستشاري الملك الى اصدار تصريح يزيل اللبس في نص الميثاق ونشر في الصحافة المحلية بتاريخ 9 فبراير 2001 على لسان رئيس اللجنة العليا لميثاق العمل الوطني وزير العدل الشيخ عبدالله بن خالد ال خليفة.

لكن لم تمضي سوى بضعة أشهر حتى صدر مرسوم وزاري بتشكيل لجنتين لتفعيل الميثاق برئاسة ولي العهد الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، ولجنة تعديل الدستور برئاسة الشيخ عبدالله بن خالد وقد أحيطت أعمالها بكامل السرية.

وهكذا لم تمضي سنة إلا وجرى الالتفاف على الميثاق وعلى التعهدات، وصدر دستور جديد بإرادة منفردة في 14 فبراير 2002م، ليطيح بكل ما كان شعب البحرين يأمله بتدشين مرحلة جديدة للتحول الديمقراطي تؤدي إلى مملكة دستورية على غرار الديمقراطيات العريقة كما بشر بها الميثاق، نابعة من إرادة الشعب وتؤمن بالمبدأ الدستوري ان "الشعب مصدر السلطات جميعا".

 

هل ما حدث كله مصادفة أم أنها من المعارضة التي لدغت من ذات الجحر أكثر من مرة؟ هل هي الطيبة الزائدة إلى حد السذاجة؟ أم هي الخديعة الكبرى التي لا زلنا إلى اليوم نتجرع كؤوسها حتى اليوم؟

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro