English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

كلمة عبيدلي العبيدلي في الحلقة النقاشية حول افكار ومواقف عبدالرحمن النعيمي
القسم : الأخبار

| |
عبيدلي العبيدلي 2013-09-14 13:25:05




 

 

عندما تلقيت دعوة جمعية العمل الوطني الديمقراطي "وعد" للمشاركة في (الحلقة النقاشية) التي ستقيمها الجمعية حول فقيد الحركة الوطنية البحرينية والعربية عبد الرحمن النعيمي رحمه الله، تراءت أمامي مجموعة من الصور المتداخلة يمكن تصنيف الأهم بينها وفق الفئات التالية:

1.      موجة عارمة لا متناهية من الفرح، فها هم رفاق النعيمي يصرون على أن يكون بيننا فكرا، رغم رحيله عنا جسدا. وكأنهم بذلك يؤكدون على استمرارية النضال من أجل القضايا التي دفع النعيمي حياته، دون تردد، رخيصة ثمنا لها. أعتقد أن ما أفرحني، وأثلج صدر النعيمي، هو حرص "وعد" على تجاوز نفسها، وتوجيه الدعوة لمن ليسوا من بين صفوف أعضائها. ويعكس ذلك خطوة جريئة تسجل للجمعية، التي من المتوقع أن تسمع في المداخلات بشأن النعيمي ما لا تتفق معه فكرا، او توافق عليه تحليلا.

2.      موجة هي الأخرى عارمة وتتزاحم بتنافس شديد مع الأولى، بل كانت لا تكف عن محاولات إزاحتها كي تأخذ مكانها رافعة علامة استفهام تبدو وكأنما هي تتماهى مع الأولى، لكنها لا تكف عن السعي المستميت للحلول مكانها يتقدمها صوت مرتفع ونبرة متحدية متسائلة: ماذا لو كان النعيمي اليوم ما يزال يعيش بيننا، ترى هل سيجد الواقع السياسي البحريني نفسه مشلولا على النحو الذي نراه عليه اليوم، أم ستنتشله من مياهه الراكدة أصابع النعيمي المؤثرة، كي تترك بصماته واضحة جلية، بفضل الخبرة الغنية التي يختزنها، والوضوح الذهني الذي يتمتع به؟

تجاذبني مدخلان لبناء هذه المداخلة المتواضعة بحق فقيدنا الراحل. أولهما: يلح على القيام بقراءة مستفيضة نقدية، لكنها فاحصة ومتأنية لفكر النعيمي من خلال كتاباته، وهي ثرية في محتواها، وغزيرة في كمها. وهو مدخل سيثلج صدر النعيمي حيا، وسيرضيه شهيدا مستريحا في مأواه الأخير. أما الثاني، فهو استحضار النعيمي من خلال استذكار مواقفه، وسرد مناقبه.

لكنني وجدت نفسي، دون قرار مسبق، وفي عفوية، ربما يكون النعيمي أكثر من يدركها، ولعله ينشدها، أنساق وراء رغبة عارمة تجتهد في وضع سيناريو افتراضي ينطلق من كون النعيمي بيننا، مستخدمة في ذلك تكهنات تقترب من الاسقاطات الذاتية التي تستمد قوتها ومصداقيتها من احتكاكي المباشر مع الفقيد، فتمدني بمعرفة، أدعي انها كافية، لفهم شخصيته. يحكمني في كل ذلك نقطة لا بد من ابرازها، والتأكيد عليها وهي أن الفقيد، كان يكره التبجيل، وينبذ التصنيم، مراعيا في السياق ذاته، تشبث النعيمي بالموضوعية خاصة عندما نضع أنفسنا تحت مجهر المعالجة والنقد. تحضرني هنا كلمات مقاطع لا يكف عن ترديدها مثل: القادة التاريخيون، يستمدون حضورهم، ويكرسون خلودهم من خلال الحقائق التي يخلقونها على أرض الواقع، وليس عن طريق صفحات المدح والإطراء التي "يطرزها" الآخرون لتدوين مآثرهم، دون التقليل من أهمية هذه الأخيرة، وربما ضرورتها في مراحل معينة، عندما تنهش فئة من المؤرخين المرتزقة جثث الشهداء بتزوير وقائع سيرهم.

لو كان النعيمي بيننا، فسنجده، حسب معرفتي به في مواقف سابقة مشابهة سيشق طريق العمل السياسي للوصول إلى أهداف محددة من خلال الخطوات التالية، أو أخرى قريبة منها، لكنها تتناغم معها:

1.      سيتجاوز النعيمي، وهو ابن الحركة القومية العربية، وفي سياق محاولاته لقراءة الواقع السياسي، الحدود الوطنية الضيقة، كي يحلق في سماء الأوضاع الإقليمية الأكثر رحابة. فالنعيمي، بطبيعته، لا يستطيع أن يفكر بشكل قطري، ويرفض التحليل بعيدا عن الدائرة القومية الواسعة. هذه النظرة القومية المترامية الأطراف تمده حتما، وبشكل موضوعي، برؤية شاملة تمكنه من مشاهدة الصورة السياسية في أبعادها الثلاثية: القطري المحلي، والإقليمي العربي، والدولي على نحو أوضح شكلا، وأعمق مدخلا، ويختلف عن تلك الصورة المسطحة المشوهة المنغرسة في تربة وطنية ضيقة، وهو ما تشكو منه، تلك النظرات ذات المنطلقات الوطنية الضيقة التي تفرض نفسها على العديد من القوى السياسية البحرينية النشطة اليوم. من الطبيعي أن تحمل تلك النظرة القومية المتكاملة صاحبها نحو فهم أفضل للمشروعات العالمية التي ترسمها القوى الدولية للمنطقة، فبينما تجر النظرة الوطنية بالمعنى الجغرافي للكلمة من يأخذ بها نحو دوائر متآكلة، غاية في الصغر، تعمي نظر صاحبها، وتجرده من القراءة الشاملة للوضع المحلي بعد رفضها – أي تلك النظرة الوطنية – الإطار الإقليمي، تزود النظرة القومية الأخرى من يحملها بمجموعة من الصور المتكاملة التي تجعل قراراته أكثر اقترابا من الصواب الذي تبحث عنه كلتاهما. 

2.      سيلجأ عبد الرحمن إلى البراغماتية الخلاقة، التي عهدناها في سلوكه، المتحررة من قيود مراحل سابقة، دون التفريط في قيمها ومفاهيمها، والمتعاطية بديناميكية فائقة مع العناصر المستجدة التي أفرزتها تطورات المرحلة الراهنة. هذا لا يعني اطلاقا، كما قد يبدو للبعض من الوهلة الأولى، أن أبا أمل سيكون بمثابة الريشة في مهب العاصفة تتقاذفها الأمواج المتلاطمة دون أن يكون لها القدرة الذاتية على التحكم في اتجاه حركتها، وتقرير مسارها. البراغماتية الخلاقة التي يتحلى بها النعيمي هي تلك التي يتمتع صاحبها بدرجة عالية من الرشاقة الفكرية التي تبيح له الحركة الواعية في الاتجاه الذي يختاره، ومن ثم يضمن، بناء على قراءة سليمة للأوضاع القائمة، أنها إن لم تنجح في ايصاله إلى الهدف الذي يسعى لتحقيقه، فهي وحدها القادرة على أن تجعل المسافة التي تفصله عنه أقصر من أية مسافة أخرى.

3.      سيقوم أبو أمل بمراجعة جماعية لمتطلبات المرحلة التي أفرزتها تداعيات ما يربو على سنتين من الصراعات الساخنة الدامية التي عرفتها البحرين خلال الفترة الماضية من تاريخها السياسي، من أجل وضع البرامج السليمة لها وصياغة الشعارات المناسبة التي تضمن وصولها إلى أوسع دائرة جماهيرية توفر مقومات النجاح لها -ولابد هنا من التشديد على تعبير (جماعية) لنبذه الفردية- وتنطلق من خلفيات علمية، بعيدة عن قيود الماضي، ومتمردة على شعارات المراحل السابقة. هذه المراجعة الجماعية، سوف يتحاشى النعيمي، حصرها في "وعد"، بل سيتجاوز حتى حدود الجمعيات الخمس أو الست المتحالفة "وعد" معها، كي يصل إلى فريق عمل يضم شخصيات كفؤة، يدرك هو، أكثر من سواه، المؤهلات التي بحوزة كل فرد من أفرادها، والخبرة الغنية التي يختزنها كل واحد منهم. هذا لا يعني مطلقا، ولمعرفتي بسلوك النعيمي السياسي، تهميش "وعد"، أو تجاوز تحالفاتها، بقدر ما هو توسيع نطاق المشاركة التي بوسع "وعد" ان تتحرك في فلكها، والزج بقوى مستقلة غير منظمة في معركة لا يمكن نجاحها متى ما حصرت في نطاق أطر حزبية من الطبيعي أن تكون ضيقة ومقيدة. هذه المزاوجة بين "الأطر الحزبية المتماسكة"، و"الدوائر الوطنية الفضفاضة"، هي أكثر ما يحتاجه الحراك السياسي الذي يجتاح الشارع البحريني اليوم. 

4.      سوف يحرص عبد الرحمن على تشخيص الحالة الممتدة من نقطة انطلاق المرحلة السياسية المسيرة للصراعات المحتدمة اليوم، منذ نهاية العام 2010، وحتى مطلع العام 2013، في إطار قراءة علمية. مثل هذه القراءة لن تقف عند حدود التقويمات العامة، رغم أهميتها وضرورتها، لكنها ستتوغل، دون أن تضيع في التفاصيل الصغيرة، في قلب الأحداث، وتتمعن بروية متناهية في تداعياتها على المستوى الوطني العام، وانعكاساتها على الصعيد التنظيمي لجمعية "وعد" الخاص. لن تخشى هذه القراءة من البحث عن الأخطاء من أجل معالجتها والحرص على عدم تكرار ارتكابها، وتشخيص المكاسب من أجل تعزيزها وترسيخ قنواتها. هذه القراءة العلمية هي الأخرى سيخرج النعيمي من جعبته أيضا أدوات المزاوجة الخلاقة بين الوطني العام، والحزبي الخاص، وهي وحدها التي بوسعها أن تتيح لقيادات من مستوى النعيمي وفريقه ومن بينهم رفاقه بطبيعة الحال، الوصول إلى تلك الحالة الراقية من العمل الحزبي التي لا تخشى تلمس الأخطاء من أجل معالجتها، ولا ينتابها الغرور عند اكتشاف المكاسب من أجل تعزيزها. تجري هذه العملية الغاية في التعقيد في إطار برنامج عمل وطني متكامل يقلص الأخطاء، ويروج لما هو سليم.

5.      لن يغفل النعيمي، الحامل على كاهله تجربة حزبية غنية، الجانب التنظيمي، ومن ثم فسوف نجده، وهو في خضم انشغالاته الوطنية العريضة المتشعبة المنهكة التي تفرضها عليه ظروف المرحلة والتحالفات التي نسجتها "وعد"، مع القوى الأخرى، يحرص على مسألتين أساسيتين غير قابلتين للمساومة لديه:

a.       وضع الأطر التنظيمية الواضحة المعالم للجبهة الوطنية العريضة، التي تحفظ استقلالية التنظيمات المختلفة المنضوية تحت لوائها أولا، وتحترم حقوق الأفراد المنتسبين لعضويتها ثانيا، وتشكل الحاضنة للسياسية لبرنامج الحد الأدنى الوطني القادر على استقطاب أوسع قطاع شعبي ثالثا وليس أخيرا. هنا لا بد من توفر قادة من مستوى النعيمي قادرين على تحريك المستويات الثلاثة المتدرجة في ولاءاتها السياسية، وانضباطاتها التنظيمية: الجبهوي، والحزبي، والفردي، برشاقة فائقة تحافظ على تناغمها، وتحول دون بروز أي شرخ في بنية تحالفاتها.

b.       استقلالية "وعد" وضمان عدم ذوبانها في أي إطار تنظيمي تحالفي، مهما بلغت تلك التحالفات من عمق استراتيجي. فهو يدرك، بحكم خبرته النضالية، أن "الذوبان" في الآخر، وخاصة عندما يكون ذلك "الذوبان" غير واع، أول مسمار تدقه أيادي أعضاء "وعد" في نعش تنظيمهم. هذا لا يحرم "وعد" من نسج التحالفات التكتيكية والاستراتيجية التي تنشدها، بل وتفرضها ظروف المرحلة، لكنه، وبالقدر ذاته، لن يساوم على تلك الاستقلالية، ولن يفرط فيها.

c.       سيتحاشى النعيمي الوقوع في فخ التصنيفات المنطلقة من نرجسية ذاتية متعالية، لا تحقق سوى تقسيم صفوف الشعب، وتهميش نسبة لا يستهان بها من فئاته التي يمكن أن تنضوي تحت لواء الجبهة الوطنية العريضة التي لم يكف النعيمي حتى بعد عودته من المنافي عن الحلم بها، والتي تحول موضوعيا – أي مفاهيم تلك الجبهة – حرمان أي من فئات المجتمع المؤهلة للعمل في صفوف الجبهة الوطنية العريضة من المشاركة في العمل السياسي تحت مظلة تلك الجبهة. فوسم الآخرين، ظلما وبهتانا، بالمفرطين في حقوق الوطن والمواطن لا يقود إلا إلى شق الصفوف، واهدار الطاقات، وليس هناك أكثر من الفئات المزايدة مهارة في اتقان فنون شق الصفوف وتفريق الكلمة. وسوف يتصدى النعيمي لمشروعات القوى الانتهازية التي تصحبها في أذيالها تلك القوى المزايدة، حيث لا ينتعش أي منهما سوى في مياه البيئات الراكدة، التي تقسم الشعب إلى جزر متناثرة، تتطاحن فيما بينها، فتتنامى تعارضاتها الثانوية كي ترقى إلى مصاف التناقضات الرئيسة، وهو أسوأ الأخطار المتربصة بالقوى السياسية التي تنشد التغيير، وأشدها فتكا بها، وتمزيقا لصفوفها.

d.       تحاشي الدخول في معارك سياسية غير متكافئة تكون نتائجها الوخيمة معروفة سلفا، استجابة لنزعات طفولات سياسية ترضي الذات لكنها تنهك القوى، وتستنزف الطاقات. والعمل، عوضا عن ذلك في إطار برنامج عمل وطني يقوم على المراحل، ويعتمد على الإنجازات التكتيكية الصغيرة المتراكمة التي لا تستغني عنها البرامج الاستراتيجية الطموحة. هنا من الطبيعي أن تبرز مهارات النعيمي الذي لا يخشى الاعتراف بالهزيمة والتعامل الناضج معها، ولا يفرط في مكاسب النصر، دون ان تدير رأسه نشوتها.

هذه المناقب التي سردناها لا تضع أبو أمل في خانة القديسين المنزهين عن الخطأ، فمن الطبيعي والمنطقي أن يرتكب قائد سياسي بمستوى فقيدنا الراحل عبد الرحمن النعيمي خطأ هنا وآخر هناك، لكن القصد من وراء سرد ما أشرنا إليه هو القاء المزيد من الأضواء على سيرة قائد، تقمصنا شخصيته، وحاولنا استقراء رؤيته فيما لو كان اليوم بيننا.

هذه إشارة واعية لمناقب شهيدنا، أكثر منها تقويما علميا متكاملا لفكره وسيرته، فمثل هذا الأخير بحاجة إلى مدخل آخر، تعمدت، كما ذكرت في بداية هذا المداخلة، عدم الأخذ به.

بقيت مسألة في غاية الأهمية، وهي أن هذا "الاستحضار" النظري ينطلق أساس من فرضية أن في صفوف "وعد" اليوم أكثر من "نعيمي"، وإذا كانت الظروف لم تسمح لهم بأن يتقدموا الصفوف، فمثل هذا اليوم ليس ببعيد.

وفي الختام، فليست هذه الورقة المختصرة سوى اجتهاد، لا يطمح لنيل لأكثر من ثواب واحد فقط.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro