English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

ورقة عباس مرشد في الحلقة النقاشية حول مواقف وافكار القائد المناضل عبدالرحمن النعيمي
القسم : الأخبار

| |
2013-09-14 12:02:02




 

تحولات النخب السياسية البحرينية

قراءة في تحولات عبد الرحمن النعيمي السياسية

 

 

 

أولا: في مفهوم النخبة والتحولات السياسية

مفهوم النخبة السياسية

مفهوم التحول

انتاج النخب السياسية في السياسة البحرينية

نموذج صعود النخب والتحولات السياسية

ثانيا: التحولات الكبرى عند عبد الرحمن النعيمي

التحول من القومية للماركسية الليننية.

التحول للمسار الديمقراطي الليبرالي.

ثالثا: اختبار نموذج التحولات السياسية

ملحق (1) التحول من القومية للماركسية "الحركة الثورية الشعبية في عمان والخليج العربي"

ملحق (2) حركة القوميين العرب في البحرين

 

 

 

 

 

 

رغم حدوث العديد من التحولات الفكرية لدى اغلب النخب السياسية المعارضة وسيولة تلك التحولات لدى العديد منهم، إلا أن دينامية التحول والعوامل المؤثرة فيه لا تزال تخضع في الكثير منها للانطباع والتحليل الشخصي دون أن توجد علاقات شبه مؤكدة بين تلك التحولات وعواملها. إذ ما الذي يدفع بالنخب والقيادات السياسية للانتقال من حيز سياسي ما إلى حيز آخر؟ ولماذا يكون التحول سلسا لدى البعض ومعقدا لدى البعض الآخر؟ وكيف يؤثر هذا التحول في القيادات على المستوى القاعدي او الجماهيري في التنظيمات المهيكلة إداريا، وعلى رؤية الجماعة السياسية بشكل عام؟ ثم ما هي العلاقة بين التحول الفردي والتحول الجماعي داخل الجماعات السياسية المؤدلجة سياسيا وفكريا؟

أهمية هذه الأسئلة لا تكمن في مستوى المعرفة المطلقة والمتصلة بما يعرف بديناميات الجماعات فحسب، فإضافة لذلك ثمة مستويات تتصل بعمليات الاتصال السياسي وبناء الثقة والتراكم التاريخي ودور ذلك كله في عملية التغيير الاجتماعي الاوسع من الجماعة السياسية. وبالتالي فإن هناك علاقة ما تربط بين نمطية التحولات السياسية لدى القيادات السياسية وبين طرق تكوين الرأسمال الاجتماعي والسياسي. الدراسات التي سعت للتقرب من ظاهرة التحولات الفكرية رغم أهميتها في رصد البيئة السياسية والتحولات الاجتماعية إلا أنها وقفت عند هذا الحد لتخرج في أغلبها بأحكام قيمة تدين النخب السياسية المعارضة وتحملهم مسئولية بقاء الاوضاع السياسية كما هي كما لا تتحرج عن إدانة التنظيمات الحزبية التي أسستها تلك النخب وقاموا بإدارتها طوال عقود متتالية.

تحاول هذه الورقة المختصرة دراسة التحولات السياسية لدى المناضل الراحل عبد الرحمن النعيمي وعلاقة ذلك بالاستمرارية والبقاء لدى النخب الحاكمة. ففي الوقت الذي يمكن العثور فيه على تحولات متعددة في رؤية وتفكير وانتماء النعيمي فيما يخص عملية التغيير الاجتماعي نجد هناك استمرارية وثبات في الرؤية والمواقف لدى النخبة الحاكمة وهي الخصم العنيد لعبد الرحمن النعيمي. بما يشير إلى وجود علاقة – غير مؤكدة – بين طبيعة التحولات السياسية لدى قطاع القيادات السياسية المعارضة وبين طبيعة الأنظمة السياسية التي تعمل القيادات المعارضة في فضاءها. فكلما كانت بيئة النظام السياسي مغلقة ومستبدة لدرجة فرض الصمت إزاء سلوكياتها ومواقفها، كلما كانت القيادات السياسية المعارضة أكثر قابلية لإجراء المراجعات النقدية والاتجاه نحو التحول السياسي.

معنى ذلك أن قدرة النظام على التحكم الدقيق في الاستيعاب والتكييف مع التهديدات الموجهة إليه، تدفع بالقيادات السياسية المعارضة للانخراط في عملية التحول السياسي بهدف الحصول على مساحة مشروعة لها ضمن النظام السياسي إلا أن النظام يصادرها ويمنع من الاستفادة منها في عملية التغيير الاجتماعي. وهذا يشير إلى تداعيات عالية الأهمية في فهم التحولات السياسية لدى النخب السياسية المعارضة من نواح عديدة من بينها مقدار المرونة والصلابة وعلاقة ذلك بالاستبداد والإقصاء من جهة وإلى ضرورة توفر معايير سياسية خاصة لتقييم تلك التحولات وهل هي تحولات شخصية تؤدي أغراض ومنافع خاصة أم إنها تحولات في طول عملية التغيير من جهة ثانية.

في هذا السياق تبدو أسئلة هذه الورقة أكثر تحديدا وهي هل كانت هناك تحولات سياسية في حياة عبد الرحمن النعيمي؟ وما هي تلك التحولات إن وجدت؟ وما هي الظروف التي حدثت فيها؟ والسؤال الأهم هو ما هي وظيفة تلك التحولات في عملية التغيير الاجتماعي وبناء الرأسمال الاجتماعي والسياسي لقوى المعارضة في البحرين؟

الاجابة على مثل هذه الاسئلة وغيرها قد لا توفر  خارطة معرفية تامة فعملية التحول الفكري والسياسي عملية معقدة للغاية والظروف التي تجرى فيها لا تزال غير خاضعة للمناقشة في ظل سرية القرارات والمناقشات من جهة وإرتهان كثير منها للتاريخ الشفوي, إلا إنها تسعى لأن يعاد كتابة تاريخ اللحظة الراهنة من خلال دراسة اللحظات التاريخية المفصلية والمعبر عنها بالتحولات السياسية والفكرية.

 


أولا: في مفهوم النخبة والتحولات السياسية

 

سؤال صحيفة الوسط : يتردد أنه لم يتغير شيء في جمعية العمل الوطني الديمقراطي. تغيرت الواجهة، ولكن سيظل الزعيم التاريخي لتيار الجبهة الشعبية عبدالرحمن النعيمي مسيطرا على تلابيب الأمور، وربما يكون إبراهيم شريف حذرا في اظهار التمرد على أبيه الروحي؟

أبراهيم شريف: الأحزاب السياسية لا تتغير سياساتها بتغير الأفراد بالضرورة، هناك استمرارية لعملنا السياسي، وعبدالرحمن النعيمي رجل له وضع متميز في الجمعية، لأنه مناضل سياسي منذ 45 عاما، والناس لديها ثقة فيه، إضافة إلى استقامته ونزاهته. من الصعب جدا الاستغناء عن النعيمي، وحتى مع وجوده اليوم خارج مجلس الإدارة فإننا حريصون على استخدام قدراته في تقوية نضالنا السياسي، فهو تقاعد من مجلس الإدارة ولكنه لم يتقاعد من العمل السياسي، ولديه الكثير ليقدمه، ما حدث هو انتقال الرئاسة من شخص لآخر.( شريف: لست طوني بلير وسأحافظ على ما هو قائم في "العمل" صحيفة الوسط البحرينية - العدد 1046 - الإثنين 18 يوليو 2005م)

 

مفهوم النخبة السياسية

قد لا يكون هناك جدال واسع حول مفهوم النخبة السياسية رغم وجود اختلافات أكاديمية في تجهيز تعريف لها، فقد اكتسب مفهوم النخبة أو الصفوة أهمية خاصة في الدراسات السياسية، و صار مفهومها محوريا لا يمكن الحديث عن بناء القوة و التحكم السياسي أو إصدار القرارات السياسية بدونه، ويشير مفهوم النخبة إلى الأقلية داخل أي تجمع اجتماعي مثل المجتمع و الدولة و الحزب السياسي، أو على جماعة تمارس نفوذا متفوقا على المجتمع تسمى الصفوة الحاكمة أو الصفوة السياسية أو غيرها من التسميات كالطبقة الحاكمة أو الهيئة الحاكمة. ويمكن القول أن المعايير التي يمكن تصنيف النخب السياسية الحاكمة و النخب الأخرى التي حيالها  تتعدد، ففي السياق البحثي الخاص و تبعا لمعيار توجهها التنموي العام، يتم التمييز بين النخب التقليدية و تلك الإصلاحية التحديثية و تلك الثورية التعبوية، و تبعا لمعيار الأيديولوجية السياسية أو الحزب السياسي الذي تنتمي إليه النخبة يتم التمييز بين نخب سياسية قومية ،و أخرى ليبرالية، و ثالثة إسلامية و رابعة ماركسية، و تبعا لمصدر التجنيد يمكن التمييز بين نخب مدنية و أخرى عسكرية و ثالثة تشمل مزيجا بينهما . أما إذا أخذنا بمعيار الطبقية الاجتماعية فنجد كبار    الملاك و المستثمرين و البرجوازية الرأسمالية، و نخب من الطبقة الوسطى و العمالية.[1]

فالنخبة كمصطلح هو دلالة لفظية تشير لمدلول اجتماعي أساسا يقوم على معيار امتلاك قوة التأثير  والنفوذ على مجموعة من الفئات،وهذا ما أكد عليه ماكس فيبر من أن السلطة أو النفوذ أو القوة على التأثير تختزل في ثلاثة مصادر رئيسية هي النمط التقليدي، النمط الكارازمي، واخيرا النمط القانوني. فجميع هذه الأنماط تنتج نخبا خاصة بها.

مفهوم التحول

خلافا لمفهوم النخبة فإن مفهوم التحول هو اكثر تعقيدا وغموضا بسبب عدم وجود معايير واضحة تعطي دلالات محددة للتحول فهل أن التحول هو الانتقال أو التغيير او هو الاستبدال الجزئي أو الكلي أو شيء آخر، أو هو كل ذلك ولكن بلحاظ الدرجة والوضوح، وفي الواقع فإن التحول هو مفهوم جدلي بتعبير ريموند وليامز مضافا إليه قدر كبير من النسبية.ويقوم نموذج وليامز على ثلاثة عناصر: عنصر يفرض وجوده على الحقل أو المجال الذي يعمل فيه ويكون مهيمنا عليه، وهو ما يسميه وليامز «المهيمن»، وهذا العنصر يتعرض للمنافسة من عنصرين آخرين، فهناك النسق الذي يطرح نفسه بديلا عن النسق المهيمن وهو ما يسميه وليامز «النسق المنبثق أو الطارئ»، وهو الذي يطرأ على النسق المهيمن، وقد يهيمن عليه وقد ينتج أنساقا أخرى، والنسق الآخر الذي يطرح نفسه كمنافس للنسق المهيمن هو «النسق المتبقي»، ويعني أنه حينما يهيمن النسق الطارئ على النسق المهيمن ويذهب ذلك المهيمن لابد وأن يترك ترسّبات متبقية فيتحول إلى نسق ثالث، وهكذا... وبهذا المعنى ينبغي أن نفهم جدلية الثابت والمتحول.

أيا كان الخلاف في مفهوم التحول فهو يشير لوجود تغيير فاعل ومؤثر في مستوى رسم السياسيات والاستراتيجيات الخاصة بالنخبة السياسية ويؤدي هذا التغير لبروز رؤى واستراتيجيات وسياسات جديدة. ويمكن هنا تشخيص ثلاث مجالات يمكن أن يحدث فيها التحول وهي:

  • مجال الرؤية الكلية أو النمط العام كالتحول من تيار سياسي إلى تيار سياسي آخر مختلف.
  • مجال الاستراتيجية الموضوعة لانجاز الاهداف كالتحول من استراتيجية الكفاح المسلح لاستراتيجة العمل المدني
  • مجال المواقف المرتبطة بتنفيذ الاستراتيجيات والاهداف كالتحالفات والآراء السياسية المصوبة نحو قضايا سياسية أو اجتماعية محددة مثل الانتخابات أو المشاركة في الحكومة أو غيرها من القضايا والمواقف.
  • انتاج النخب السياسية في السياسة البحرينية

    لحد ما فإن مصطلح النخبة السياسية يعتبر من مختصات الحداثة السياسية وهو مرتبط أساسا بمؤسسات سياسية مسئولة عن صناعة وتأسيس أقلية مؤثرة في صناعة القرار وتوزيع القوة والثروة. لا يعني ما تقدم عدم وجود مصادر أخرى لانتاج النخب السياسية،حيث تلعب المورثات التقليدية بجانب مؤسسات التحديث السياسي بحكم التركيبة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع ،دورا بارزا في المجتعمات الهجينة او تلك التي لم يستحكم التحديث السياسي في مفاصلها. وفي الشأن البحرين أشار الخوري إلى أن القضاة الشيعة كانوا يمثلون شعبيا وأن مصادر القوة عندهم تم تحييدها[2] بعد أن ضمت الحكومة سلك القضاء لسلطتها الإدارية وحولت القضاة من قادة شعبيين لموظفين إداريين.  رغم خصوبة وحيوية المجتمع البحريني ودخول الحداثة السياسية فيها مبكرا، إلا ان عملية إفراز النخب السياسية ظلت محدودة تنتج من قبل بنيتين ( النخب الرسمية/ النخب الوطنية) عملتا بشكل منفصل على تكوين نخب سياسية مختلفة التوجهات والأطر وبالتالي مختلفة في طرق تكوينها وطرق تجديدها. ومنافذ تحولاتها السياسية.

     

    البنية الأولى، تمثلها الاسرة الحاكمة التي تحالفت مع أطراف عديدة ومتنوعة من أجل ضمان بقاءها مستمرة في الحكم، وبحكم ثقافة الاسرة الحاكمة لقبيلية والتقليدية فقد ظلت تنتج نخبا خاصة من أفرادها لتولي مناصب رفيعة في الدولة وتتنج نخبا محلية لتدعيم مواقف نظام الحكم. وفي الواقع فإن السمة الغالبة على أفراد هذه النخب تكمن في فقدانهم الاستقلالية ليس على مستوى التأثير أو القرار فقط كما يوضح خلف[3]، وإنما في بقاءها ضمن النخب أيضا إذ مع صدور قرار الإفاء أو الاستغناء تفقد هذه النخبة موقعها ومكانتها السياسية ما لم تبحث لها عن أطر تحتويها أو تنظم عملها السياسي من موقع مختلف كما في حالة علي فخرو الذي تم الاستغناء عنه في فترة تصادم القرارات لكنه بقي ضمن النخبة السياسية بانتماءه الحزبي السابق أو  تجديد انتماءه السياسي القومي من الخارج.

    البنية الثانية،التي كانت مسئولة عن انتاج النخب السياسية فقد كانت - ولا تزال – هي الحركة الوطنية فقد انبثقت من رحم 'الخاصة' كمجموعة  استمرت في فرض نفسها وقد تجلى ذلك  في تبوأ عناصرها مكانة متميزة. داخل الجماعات والتنظيمات السياسية المتنوعة. تتميز النخب السياسية النابعة من الحركات الوطنية بتكوينها الأكاديمي واحترافها السياسي في سنوات مبكرة بالإضافة إلى دخول ملامح جديدة في دائرتها تنتمي على منحدرات اجتماعية متواضعة و لو بشكل محدود جدا . وخلافا لسمات النخب الرسمية فإن النخب الوطنية تمتلك لحد كبير مجالا من الاستقلالية والحرية في التحول مع الحفاظ على المكانة أو يوازيها من قوة التاثير كما يتجلى الاختلاف الاهم في التكوين المدني لعناصر هذه النخبة حيث أن الغالب على نطاق عمل النخبة الوطنية هو  مجال المدنية بتعبيراتها المختلفة أي الحيز الجغرافي ( المنامة، المحرق) أو في المؤسسات المدنية التي تتيح قدر ما من الفضاء العام وتسهم في تكوين المجال العمومي مثل المقاهي والنوادي والمدارس والجامعات الأمر الذي يجعلها امام مساءلة مستمرة من قبل الناس العاديين

    مبدئيا يمكن اعتبار النخبة السياسية المؤسسة وطنيا الوريث الأنسب لفئة الأعيان التي سادت قبل ظهور التنظيمات السياسية الحديثة، وفي الوقت الذي تحاول هذه النخبة قطع ما يصلها بالأعيان، فإن السلطة الرسمية تحاول جاهدة لأن تعيد تلك الفئة للوجود وان تمنحها مزيدا من الفاعلية والمكانة وتوظيفها كمنافس طبيعي للنخبة السياسية الوطنية. وهذا يجعل النخبة السياسية تعيش تحت هاجس تفوق النظام وقدرته على تنحية النخبة السياسية لصالح فئة الأعيان الجدد. وفي سبيل تحقيق نوع من التوازن للسلطة الرسمية داخل الحقل السياسي ، فإن السلطوية تتجه إلى إضعاف النخب السياسية، تارة عن طريق العنف والملاحقة وفرض الحصار الأمني والتضييق على عملها أو عبر تشكيل واجهات سياسية أو جمعيات مدنية تنافس الأحزاب على مستوى تدبير الشؤون المحلية، وتارة بالعمل على خلق ظروف تؤدي إلى انشقاق هذه الأحزاب، وأخرى باحتوائها وإدماجها عبر تمكين أعضائها من مناصب هامة أو عبر ممارسة التهميش والإقصاء، وبخاصة في مواجهة النخب الحزبية التي يصعب تطويعها بالشكل الذي يحول دون بلورة مشاريعها واقتراحاتها.

    في المقابل فإن عملية انتاج النخب السياسية البحرينية، تحدث في مناخ يفتقد للتنافسية السياسية مقابل ترسيخ السلطوية، التي تتميز عادة بقدرة هائلة على احتواء أو إقصاء المشاريع المضادة ومن بينها مشروع النخب السياسية التي كانت ولا تزال تعمل في جو سياسي  قوامه الحذر وعدم الثقة بين مختلف الفرقاء السياسيين وسيادة ثقافة المعارضة وتزايد أدوار البيروقراطية ضمن المناصب العليا للدولة، فقد شهدت بعض التحول تبعا للمتغيرات السياسية التي شهدتها البحرين بالشكل الذي سمح بحدوث نوع من التجديد والتبدل في الأدوار.   فسلطوية النظام السياسي في البحرين لا تسمح بظهور نخب سياسية بيعدة عن سيطرتها وإدارتها أو عن رؤيتها في هندسة المجال العمومي للدولة وخصوصا في المجال السياسي. فالسلطة تفضل بناء نخبة سياسية ذات معايير محددة تتمثل بـتطوير فئة الأعيان والوجهاء أو ما يسميهم عبدالهادي خلف بالوسطاء الذين يفتقدون للمبادرة كما يفتقدون للاستقلالية[4] إذ يمكن الاستغناء عنهم في أي وقت. ومع ما يملكه مفهوم الوسطاء من نجاعة تفسيرية إلا أنه لا يلامس الحالة الواقعية بكل تفاصيلها أولا وأن مفهوم الوساطة هو أقرب للوظيفة منه إلى البنية ثانيا، لكنه أي مفهوم الوسطاء يشير لاستراتيجية خاصة في تعامل النظام السياسي مع النخب المجتمعية وتفضيل توظيفها سياسيا في بعض الأحيان، فالوجيه أو العين فهو شخص يتوفر أساسا على قاعدة سوسيواقتصادية، ويتحكم في مجال جغرافي ما، وتكون له القدرة أيضا على بناء شبكة علاقات نافذة. ومعنى ذلك أن النخبة السياسية تواجه سلطوية مطبقة وتواجه منافسة اجتماعية في الوقت نفسه بما يجعل من مسألة تطورها واستمرارها مسالة في غاية التعقيد.

    لهذا فإن النخبة السياسية المعارضة، تأتي على أنقاض بنية الأعيان التقليدين و كمؤشر بداية  انطلاق مسلسل الإحتكار السياسي و الثقافي  من طرف فاعلين ينتمون لبنيتين مختلفتين لكنهما يعملان ضمن مجال واحد وتحت ظروف اجتماعية متماثلة، وبالتالي فنحن أمام ثلاث مجالات متفاعلة فيما بينها تفلاعلات متداخلة رغم انفصالها البنيوي. وهذا يعني أن مجال التحولات يصبح أوسع واشد إلحاحا على النخب السياسية خصوصا النخب السياسية المعارضة لكونها منفعلة بمحيطها الاجتماعي أكثر من النخبة الرسمية، وذلك لكون الانتماء إليها يتمتع بسيولة أكبر ولا يخضع لمعايير  مؤسسية صارمة كما هو نظام القبيلة وتحالفاتها. إن هذا الوضع سمح بتوظيف قنوات و ميكانيزمات حديثة كالاحتجاج والعرائض والمشاريع الإصلاحية والبيانات، بالإضافة إلى أنماط حديثة للإنتاج السياسي تمثلت في البنى الحزبية، لأن تنتج ناشطين ميدانيين يتم تجنيدهم حزبيا ومن ثم تصبح فرصهم اوسع لان يتحولوا لنخب سياسية . على أن هذه البنى والسلوكات الحديثة لا تختزل/تحتكر السلوك السياسي للنخبة بحكم أن المجتمع كان تقليديا و شفويا. كما أنها لم تكن ستاتيكية بل دينامية يستدعي رصدها أخذ سياقها وديناميتها التي تتمثل لأسسها الإجتماعية و لمنطق تبادل الضربات سواء أثناء بروز بوادر الفعل السياسي .

    نموذج صعود النخب والتحولات السياسية

    ولكن ألا يعني هذا أن عملية انتاج النخب السياسية وتحولاتها هي عملية مفتوحة وغير قابلة للضبط العلمي، إذ ان الاكتفاء بتوصيف أوضاع النخب السياسية لا يقدم رؤية وتفسيرا أو إرشادا لأثر التحولات السياسية على عملية التغيير الاجتماعي. لهذا فإن الانتقال من مستوى الوصف لمستوى متقدم يقوم على التفسير وتقديم أطر أوسع يعتبر مهما وجديرا بالمناقشة، لكونه يقدم إجابات أولية على أسئلة عديدة مثل لماذا يحدث التحول وكيف تنعكس آثاره على المجتمع المحيط؟ وكيف تصعد النخب السياسية وكيف تبتعد عن النخبة؟

    وفقا لتوماس كون فان التحول من أي نموذج معرفي لنموذج آخر يتطلب أن يكون النموذج الجديد يمتلك تفسيرات أكثر اقناعا من تفسيرات النموذج السائد للمعضلات العالقة وغير المحلولة، إلا ان التفسيرات الجديدة لا تكفي لأن يحدث تحول ما إذ تتطلب العملية موافقة أعضاء ما يسميهم كون بالمجمع العلمي[5] فلكل جماعة علمية مرجعية خاصة يطلق عليها بالمجمع الخاص بتحديد المعايير الخاصة، وأن التحول يحدث عادة بعد مصادقة أعضاء المجمع على التفسيرات الجديدة للقضايا الإشكالية العالقة أو المستجدة. وإذا كانت نظرية كون تمتلك تحديدا واضحا في المجال العلمي الوضعي، فهي أقل تحديدا في المجال السياسي والاجتماعي نظرا لسعة وتعددية المجمع الذي يركن إليه كون في تفسير التحولات لذا فإن القليل من الحذر من شأنه أن يساعدنا على نقل مفهوم البرادغيم من مجاله العلمي لمجاله الاجتماعي والسياسي.

    تمثل الايدولوجيات والرؤى السياسية، التفسيرات المقدمة لحل معضلة التنظيم السياسي للمجتمع، في حين أن أعضاء المجمع العلمي، يمثلون بالمجال العمومي القادر على مناقشة تلك الرؤى والاطروحات. ومن هنا تتنافس التنظيمات والنخب السياسية على تقديم تفسيرات خاصة للمشكلات السياسية العالقة. المجال العمومي الذي نحن بصدد تحديده في مسألة تحولات النخب السياسية ليس شكلا نموذجيا واحد بل يتحدد بناء على المعطيات الواقعية وبحسب احتلاف الأنظمة السياسية. فالأنظمة القامعة والمستبدة ومثلها التنظيمات السياسية المركزية وشديدة الإنغلاق تتخذ موقفا مناهضا للمجال العمومي وتفرض بدلا عنه هو المجال الأحادي في حين أن الأنظمة الديمقراطية والتنظيمات المفتوحة حتى وإن لم تشجع على تنمية المجال العمومي فهي لا تناهضه، أو لا تدخل في عداء خاص معه.

    يقوم مفهوم النموذج السياسي على أن المؤسسة السياسية القائمة تناظر النموذج الإرشادي السائد في مجال العمل العلمي في مواجهتها المستمرة للمشاكل التي هي من مستوى الألغاز، ولكن هذه المشاكل من هذا المستوى لا تشكل عائقا للعملية السياسية ولا إخفاقا للنموذج السياسي السائد، ولكنها مشاكل نامية من صميم مفهوم العمل السياسي المتشكل من شبكة من الأنشطة الإنسانية المعقدة، وان هذه المشاكل التي هي من نوع الألغاز هي امتحان مستمر ومتواصل لقدرة النموذج السياسي على تخطي مشاكله التي لا ينفك من مواجهتها، وأن الحلول الموضوعة من المؤسسة السياسية لمثل هذا النوع من المشاكل ودرجة عقلانية وفاعلية هذه الحلول هي مقياس ومؤشر لمدى خصوبة هذا النموذج السياسي وقدرته على التكيف مع ما يستجد من مشاكل هي من لب مفهوم الحياة الاجتماعية التي ينتمي إليها العمل السياسي ونموذجه السائد، فلا تشرق شمس على يوم جديد إلا ومشاكله معه وقد تكون حلول الأمس هي مشاكل اليوم.

     فبعد انهيار الخلافة الاسلامية  نشأت القومية العربية في أحضان هذا الانهيار وازدادت عنفوانا مع بداية الاحتلال الصهيوني لفلسطين العربية ، وأمام هذا الصعود تلاشت فكرة الخلافة الإسلامية مستعيضة عنها بفكرة الدولة العربية الكبرى ولم يعد بالإمكان مناقشة الفكرة الدينية المنهارة وسط صعود قوى لفكرة القومية والعربية . وبعد عقود من ظهور القومية العربية صار من الممكن تجاوز التفسير الأيديولوجي القائم على ربط فكرة القومية بالتكوين الداخلي أو ما كان يسمي بالشعور العربي الذي لم تكتشفه القومية ولم تبتدعه إذ هو شعور حاضر في كل الفترات التاريخية . فكان صعود فكرة القومية والتنظيمات المرتبطة بها من تيارات سياسية وفكرية  يرجع إلى تناسب التجريبية السياسية مع طبيعة ومزاج الفرد العربي فكلما كانت التنظيمات السياسية قادرة على ابتكار وتجريب مفاهيم جديدة كلما التفت من حولها الجماهير وهذا ما يفسر انهيار وانتكاسة التيارات الجماهيرية عندما تقف على المفاهيم الأولى وتعجز عن تجريب مفاهيم جديدة.

     


    ثانيا: التحولات الكبرى عند عبد الرحمن النعيمي

     

    " ...بطبيعة الحال في داخل البحرين كان التوجه في الغالب اقرب إلى اليسار مع وجود عناصر غير مهتمة بهذه التوجهات. عقدنا مؤتمرا في بيروت في العام 1967 وكان التوجه هو: كيف نوحد قوانا على صعيد الخليج؟ وكان لدينا موقف مرتبط بقيادة الكويت وكان لدينا شعور نحوها بأنها ليست القيادة القادرة على تبني الماركسية اللينينية او الكفاح المسلح وخصوصا بعد اندلاع الثورة في العام 1965 وعلاقتنا الوثيقة بهم.فالمؤتمر الذي عقد في بيروت كان بمثابة تقويم للقيادة الحزبية وخرجنا بضرورة تشكيل قيادة جديدة كان هناك أشخاص من السعودية ومن الخليج. وكان هناك توجه بضرورة الارتباط بثورة اليمن التي حققت في تلك الفترة الانتصار واستطاعت أن تسيطر على السلطة السياسية في عدن.في العام 1967 بدأ ينمو عدد كبير من التنظيمات اليسارية في البحرين و التي كانت بحكم القمع منفصلة عن بعضها بعضا وبحكم صغر البلد كان من السهولة أن يدخل في حوارات مع بعضه بعضا.باقتراح من قيادة عمان تم عقد مؤتمر استثنائي في دبي في 23يوليو 1968 لوجود حاجة ماسة بحكم تداعيات الوضع في عمان. فعقدنا المؤتمر في دبي وحضره عدد كبير من القياديين في الخليج، كنت وقتها عضو مكتب سياسي وكان واضحا أن هناك عددا قليلا ممن يدرك وضع التحولات الأيديولوجية.

    كانت هناك عدة عوامل مشجعة للانغماس كثيرا في العمل السياسي مثل انتصار ثورة اليمن ووجود ثورة "ظفار" وتوجيه سياسة العمل المسلح الى عمان الداخل وكذلك توجهات الثورة الفيتنامية والفكر الماركسي اللينيني السائد آنذاك، ووسط تعبئة مكثفة ضد البرجوازية الصغيرة. مما نتج أيضا عن مؤتمر دبي، تبنينا الماركسية اللينينية بشكل صريح كقيادة للحركة وانحيازنا العلني لها واتخاذ قرار بتجميد قيادة الكويت بحكم انها قيادة انحازت لليمين ، وهذا ما خلق حالا من الإرباك الشديد للحركة القومية لان القاعدة العامة غير مهيأة لتبني مثل هذا الموقف”  حديث الذكريات المليئة بالشجن .. وبقايا مشاهد .. عبد الرحمن النعيمي يتحدث إلى الوسط عن إرهاصات التحول" صحيفة الوسط تاريخ  2003 - 3 - 14 "

     

    تعتبر شخصية عبد الرحمن النعيمي نموذجا معياريا لما عليه النخب الوطنية، من حيث تكوينها ومواقفها وتحولاتها. فقد استطاع ومنذ سنوات مبكرة من عمره من الانضمام للحركة الوطنية ومباشرة العمل السياسي وفق قواعدها. وخلال الفترة الطويلة التي قضاها النعيمي في العمل السياسي تراكمت لديه خبرات سياسية واسعة ومتنوعة ما بين خبرة بالمجتمع المحلي وخبرة بالمجتمع العربي. ونظرا لخصوبة التجربة السياسية وطولها الزمني، وخلال هذه المرحلة الطويلة انتج النعيمي مجموعة هائلة من الأثار الكتابية والاثار السياسية التي حكمت المشهد السياسي البحريني فقد كان من القلائل الذين جمعوا بين القلم والممارسة العملية. وسنحاول هنا استعراض التحولات الفكرية والسياسية التي مر بها النعيمي طوال أربعة عقود مختلفة الظروف تعددت تحولات النعيمي خلال هذه الفترة ما بين الانتماء لحركة القوميين العرب ثم الماركسية الليننية (اليسار القومي) وأخير الديمقراطية الليبرالية. وإذا ما كانت التحولات الاولى متفق عليها إلا أن التحول الأخير ناحية الديمقراطية الليبرالية يبقى محل جدل خصوصا وأن النعيمي لا يأتي على هذا التحول بشكل صريح في ما تمكن من كتابته على شكل مذكرات شخصية نشرت قبل مرضه ووفاته رحمه الله.

    وسنعرض هنا لثلاثة تحولات رئيسية مر بها عبد الرحمن النعيمي للخلوص منها بنتائج تدعم النموذج المعرفي المقترح في تحولات النخب السياسية المعارضة في البحرين.

    التحول من القومية للماركسية اللينينية.

    في بدايات الستينات وتحديدا في 1961 عندما التحق عبد الرحمن النعيمي بالجامعة الامريكية في بيروت إنضم لحركة القومين العرب من خلال إحدى الحلقات الطلابية وعمل في صفوف حركة القوميين العرب التي كان لها فرع في البحرين وتقاد من خلال مجموعة أشخاص قلائل الذين اسسوا أول خلية لهم في سنة 1959[6]. رغم ذلك فإن حجم الالتفاف الشعبي لحركة القوميين العرب كان هائلا ليس كأفراد منظمين ولكن تحت عنوان المد السياسي أو التيار العام المؤيد لجمال عبد الناصر . لا توجد لحد الآن معلومات كافية تشرح أو تؤرخ الدور الذي مارسه عبد الرحمن النعيمي ضمن حركة القومين العرب خصوصا في البحرين بل إن تاريخ حركة القوميين العرب في البحرين لم يدون لحد الآن ويصعب كثيرا رسم صورة مكتملة لخلية البحرين آنذاك. ولم يكن هناك برنامج خاص بالحركة في البحرين، ويمكننا اعتبار توجهات المركز والقيادة الفرعية في الكويت والتي تم التعبير عنها في مجلتي الحرية اللبنانية والطليعة الكويتية ونشرة صوت الشعب التي كانت تصدر سرا في البحرين بمثابة منابر سياسية لمواقفها. ألقت الخلافات التي عصفت بحركة القوميين العرب بظلالها على فرع البحرين، في العام 1964 عندما تبنى بعض الطلبة البحرينيين الدراسيين في الجامعة الأمريكية الماركسية اللينينية ووضعوا برنامجا فكريا يرتكز على دراسة مؤلفات ماركس - انجلز - لينين - ستالين - ماوتسي تونغ - الثورة الفيتنامية[7]. رغم أنّ هذه الفئة، لم تحاول الظهور كفريق منشق على قيادات حركة القوميين العرب آنذاك، فقد استمر النعيمي منخرطا في صفوف تنظيم حركة القوميين العرب ككادر فاعل يعمل على تجنيد الأفراد ضمن صفوف الحركة وقد عمل على تنظيم العديد من الشخصيات أثناء فترة عمله المؤقت في قطر عام 1963 وعبر هذا الجهد التنظيمي دخل النعيمي ضمن قيادة خلية قطر  وعمره لم يتجاوز 19 سنة فقد كانت حركة القوميين العرب تحبذ تجنيد فئة الشباب وتكوينهم سياسيا وعقائديا وتمنحهم فرص تولي مسئوليات قيادية وتنظيمية مباشرة وهو ما يؤدي وبشكل سريع لأن يصبح الفرد المنطوي تحت عباءتها أحد أعضاء النخبة السياسية بصورة سريعة خصوصا في ظل هيمنة الأمية والمستوى الاقتصادي المنخفض للمجتمعات العربية آنذاك. فإلى جانب التكوين الأكاديمي والتثقيف العام الذي يمنح الفرد آنذاك مكانة اجتماعية متميزة فإن الانخراط والانضمام للحركة السياسية يضيف لمكانته مكانة جديدة مستوحاة من مكانة النخبة السياسية العربية. فحركة القوميين العرب كانت فوق وطنية وعابرة للحدود العربية بحكم رؤيتها وعقيدتها الايدلوجية القائمة على أساس الوحدة العربية الشاملة.

    قد لا نحتاج هنا لسرد التفاصيل التاريخية التي أدت لأن يتحول عبد الرحمن النعيمي من فكرة القومية إلى فكرة الماركسية اللينينية والمخاضات التي برزت بعد عقد كل من مؤتمر حمرين ومؤتر دبي، بقدر ما نحتاج إلى فهم كيف يمكن أن يحدث التحول داخل النخب السياسية المعارضة. فالقدر المتفق عليه أن دعوات التحول برزت  أساسا بعد 1967 ويتحدث النعيمي في مذكراته عن هذا المفصل " بعد هزيمة يونيو 1967 سرت موجة من الاطروحات اليسارية وسط الحركة القومية، مفادها ان سبب الهزيمة يعود الى قيادة البرجوازية الصغيرة للثورة الوطنية الديمقراطية العربية، وان النصر سيتحقق اذا تحولت الحركات القومية الثورية الى حركات ماركسية لينينية، تعتبر نفسها طليعة الطبقة العاملة، وبالتالي ستكون الطبقة العاملة طليعة العملية الثورية ومعها التحاف الفلاحي،" بالطبع لم تكن موجة هذه الاطروحات جديدة بالنسبة لعبد الرحمن النعيمي حيث تحدث عن بدايات ظهور التيار اليساري ضد الاتجاه اليميني في الحركة منذ 1963 وانتشار الأدبيات الماركسية داخل صفوف أفراد حركة القوميين حيث يقول في مذكراته المنشورة واصفا ضراروة التحول الذي يمكن ان يرافق النخب السياسية "حدة الصراع السياسي في تلك الفترة والبريق الهائل للتجربة الاشتراكية، سواء الصينية أو الروسية أو الكوبية أو غيرها من الثورات التي قادتها الأحزاب الشيوعية إضافة إلى الاخفاقات المتزايدة للحركة الناصرية والقومية عموما، والانفتاح الفكري على الماركسية، حيث كانت الكتب الأساسية (المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية، والاشتراكية العلمية والاشتراكية الخيالية والبيان الشيوعي والصراعات الطبقية في فرنسا وانتي دوهرنج وكتابات لينين، وخصوصا ما العمل وخطتا الاشتراكية الديمقراطية وموضوعات نيسان، إضافة إلى مؤلفات ماوتسي تونغ التي بدأت تغزو تجمعات الطلبة من خلال دار ابن سينا في المنطقة الشرقية من بيروت، وكان العطش الفكري شديدا للغاية بحيث يصعب نزول كتاب يستحق الذكر في السوق لا تتناوله الحلقات الفكرية في الجامعة الأميركية في تلك الفترة... واذكر أنني اعتكفت عدة أيام بعد استكمال الامتحانات لقراءة الكتب التي لم يتسن لي قراءتها في فترة الاختبارات"

    التحول ناحية اليسار  الماركسي ظل تحولا فكريا عالقا في شكل ترجيحات بين الفرقاء والنخبة القيادية المنقسمة على نفسها ولم يجد هذا التحول الفكري متنفسا له رغم عقد المؤتمر الاستثنائي للحركة في 1963، إلا أن هزيمة 1967 شكلت المنعطف الحاد الذي كان بمثابة تعسر وعجز الحركة على مواصلة تقديم إجاباتها على معضلات النموذج السياسي وألغاز الاسئلة السياسية. من المهم الإشارة هنا إلى بعد مخفي عادة أو مسكوت عنه فيما يخص النخبة السياسية البحرينية وهو بعد التبعية الفكرية فالتحول من القومية إلى الماركسية كان بمثابة ترجيح طرف نخبوي على طرف آخر ولم يكن وليد البحث الذاتي والتأمل الخاص بالنخبة البحرينية، مثل هذا الاستقاء بالآخرين سنجد له تطبيقا في تنظيمات عديدة مثل تنظيم حزب البعث وكيف تحولت نخبه السياسيه لصالح المتنافسين الكبار داخل حزب البعث. لقد اعتبر الكثيرون النكسة العربية عام (1967م)، إلى جانب كونها هزيمة عسكرية، هزيمة فكرية وعلمية، زعزعت الثقة في كثير من القيم التي عاش الإنسان العربي، يتمثلها ويسعى إلى تحقيقها، حيث أصيب الكثير من منظري الثورة والفكر التقدمي الحداثي والشعارات القومية "بنكسة على صعيد الوعي أعمق وأدمى من النكسة الحربية التي أصابت الجيش المصري عام (1967م). لقد انفجرت في وعيهم كل المخاوف التي كانت تشوش عليهم حلمهم الثوري، والتي دأبوا على كبتها من قبل بالهروب إلى الأمام بتضخيم المنجزات والأحلام معا الأمر الذي حتم إنضاج فكرة التصفية النهائية لحركة القوميين العرب واستبدالها بتنظيم ثوري ذا رؤية ماركسية[8].

    ويبدو هنا الدور التنظيمي الخاصة بانتاج النخبة السياسية من خلال الجهود الفردية في بناء خلايا وتنظيمات قد تكون جديدة وتحت أطر  سياسية مختلفة عن الإطار العام وهذا حدث في مسار عبد الرحمن النعيمي في بداية 1967 حيث فضل العديد من العاملين ضمن حركة القوميين والتنظيمات الاخرى البرود السياسي بعد خروجهم من تجربة الاعتقال وكان تشخيص النعيمي لكثير منهم " بأنهم لا يريدون العمل الحزبي، وأنّ من الافضل الابتعاد عنهم وتشكيل قيادة جديدة من العناصر التي كانت في بيروت بالدرجة الأساسية بالإضافة الى بعض العناصر التي أمكن ضمها الى الحركة، ثم التركيز على الوضع العمالي في المواقع كافة التي نوجد فيها، سواء في المحطة او دائرة الزراعة او بابكو او المصارف او على الصعيد السكني، بحسب مواقع العناصر القيادية.. وأن يكون برنامج التثقيف الحزبي يستند على الأدبيات الماركسية ويعمق الوعي الطبقي والحزبي لدى المرتبطين بالحركة في البحرين"[9]. وبالتالي فنحن أمام وضعية انتاج نخب سياسية بطريقة فردية قبال انتاج النخب عبر التنظيم السياسي أو الحركة الوطنية. ويعكس هذا الشاهد التاريخي مستوى داخلي للتحولات داخل النخب السياسية ضمن النموذج العام وهو مستوى التحول الاستراتيجي او التكتيكي. كما علينا أن نلاحظ هنا أن هذه التشكيلية التي عمل على تأسيسها النعيمي ستكون نواة النخبة السياسية الجديدة وصاحبة النموذج الجديد أو المنافس للنموذج القومي السائد.

    فقد بدأ النموذج القومي عاجزا من مواجهة مشاكل انبثقت من تصوره الخاص به عن المعالجات السياسية لمشكل الشرعية والانظمة السياسية. وفي ظل هذا الوضع الذي يختزل كل أشكال الكآبة الفكرية والسياسية، المتساوقة مع الرغبة الملحة في البحث عن الأسباب الحقيقية التي تقف وراء هذه الهزيمة، برزت إلى الوجود العديد من الكتابات المؤسسة لخطاب الهوية؛ جديدة في أسلوبها ومضمونها، تحاول أن تتماشى مع الحالة التاريخية الجديدة التي أصبحت عليها الأمة العربية خاصة؛ وهي في مجموعها كتابات نقدية بالأساس، تحاول تلمس الطريق الصحيح من جديد؛ وظف خلالها التراث بشكل مَرَضي، بحثاً عن الممكن من أصول الهوية التي ضاعت وسط زحمة الاختيارات الإيديولوجية والسياسية والثقافية. عند هذه اللحظة التاريخية انقسم المجتمع السياسي إلى أحزاب وكتل سياسية، وكل حزب يطرح رأيه بقوه لإيجاد مخرج للأزمة، وأحد هذه الكتل تسعى بشكل حثيث لإبقاء النظام السابق، الأمر الذي دفع الحركة القومية إلى مرحلة الاستقطاب السياسي، بين النماذج المتنافسة السياسية المتنازعة على قيادة المجتمع، يقول النعيمي عن ذلك " في المؤتمر الاستثنائي الذي عقدته الحركة في يوليو 1968، اتخذ المؤتمرون عدة قرارات من بينها بناء التنظيم على اساس وحدة المنطقة من ظفار الى الكويت، وتبني النظرية الماركسية اللينينية كمنهج فكري، واعتماد الكفاح المسلح كوسيلة اساسية لتغيير الانظمة الحاكمة في المنطقة[/B]، ولم يجد القرار حول تبني الماركسية الصدى الايجابي وسط الغالبية الساحقة من ابناء الامارات (او ساحل عمان، كما كان يطلق عليه في تلك الفترة)، من الشخصيات القومية التي ارتبطت بحركة القوميين العرب لايمانهم بأن معركتهم تتركز في الحفاظ على عروبة المنطقة، بالاضافة الى الولاء العميق للخط الناصري"  فغالبا ما يفشل الحسم النهائي عن طريق الحل السياسي بين الكتل المتنافسة سياسيا فيما بينها عن طريق حلّ توفيقي، فلا يمكن أن يحسم الأمر بواسطة ممارسة ذات طبيعة توافقيه إذ يتم التوصل إلى النموذج الإرشادي الجديد من بين مجموعة النماذج المتنافسة، فيؤخذ من كل نموذج جزءا منه. وأخيرا لتكتمل الصورة النهائية لا بد من أن تلجأ الكتل السياسية المتنافسة إلى وسيلة الإقناع الكمي في جمهور المجتمع السياسي، بما يسمح ببروز نخبة سياسية جديدة بجانب النخب السياسية القائمة. بفعل هذه الإشكاليات العالقة تراجع النموذج القومي للنموذج الصاعد وهو النموذج الماركسي اللينيني القائم على مفاهيم الثورة والكفاح المسلح والخلايا التنظيمية العنقودية وغيرها من الترسانة التي دارت حول مفهوم مركزي سيكون سببا لنهايته أيضا وهو مفهوم الثورة.

    كان مؤتمر  يوليو 1968  الاستثنائي المنعقد في دبي، واحدا من أهم المؤتمرات في حركة القوميين العرب – فرع الخليج - حيث أقر المؤتمر إشهار تنظيم جديد على أنقاض التنظيم القديم  مبني على أساس وحدة المنطقة" وفق الطريقة البسماركية" من ظفار إلى الكويت. تبني  التنظيم الجديد" الماركسية اللينينية والعنف الثوري"  واعتماد الكفاح المسلح كوسيلة أساسية لتغيير الأنظمة الحاكمة في المنطقة[10] وأقر المكتب السياسي الذي انتخب من قبل المؤتمر الاستثنائي تسمية التنظيم الجديد باسم "الحركة الثورية الشعبية في عمان والخليج العربي" بدلا من التسمية السابقة "حركة القوميين العرب"[11]. لقد فضلت العناصر اليسارية في حركة القوميين، أن تنسج تلك الحرب وفق مفهوم " الميدان " بهدف إخضاع الحركة إلى قوانين الصراع الطبقي والأيديولوجي، صراع بين أفكار وممارسات ماركسية بورليتارية جديدة، وبين أفكار وممارسات برجوازية صغيرة سائدة، وهوما لم يتوافق مع بعض العناصر العروبية والموالية للتيار الناصري، حيث فضلت تلك العناصر الانسحاب من الحركة. وقد حسم البيان الصادر عن اللجنة التنفيذية في شباط 1969 هذا الأمر معربا عن نيته، في تصفية حركة القوميين كجسم طبقي وأيديولوجي داخل صفوفها.

    وفي الواقع فإن تحول النعيمي من حركة القوميين العرب إلى تبني الماركسية اللينينية تحت عباءة " الحركة الثورية الشعبية في عمان والخليج العربي" قد مر بفترة طويلة نسبيا من القناعة الفكرية والاحتماء بالنموذج الجديد في المناقشة والدراسة مع مجموعة الرفاق ابتدأت منذ 1963 تقريبا وتعززت هذه القناعات بعد انتفاضة مارس 1965 حيث أخذ عبد الرحمن النعيمي منذ 1966 يمارس جهدا استثنائيا في لملمة القوميين العرب في البحرين وضخ الحياة في عملها السياسي ولعل هذا الدور المباشر ساهم بطريقة ما في تنحية القيادات الاولى لحركة القوميين العرب من واجهة المشهد السياسي العلني والتسليم بأن عبد الرحمن النعيمي هو مؤسس التيار القومي في البحرين.

    وفي الفترة المتمدة ما بين (1967-1969 ) تحول عبد الرحمن النعيمي من عضو في التنظيم لعضو نخبة خاصة تقود نموذجا سياسيا. استند هذا التحول أساسا لدراسة النماذج والتجارب الثورية العالمية وبالتالي فإن التحول كان عبارة عن محاكاة تنفيذية لواقع أثمر نجاحات في مناطق مختلفة من العالم وبحكم الارتباط الايدلوجي لم يكن مفر من دراسة تجارب أخرى سوى تلك المتعلقة بالترسمية الفكرية السائدة وهي الماركسية اللينية. ما يمكن الإضافة إليه هنا أن قرار التحول يبدو أنه كان قرارا جماعيا وليس قرارا فرديا وهو ما يؤكد أن التحولات الفكرية لدى النخبة تحدث لاسباب تنظيمة تقود في النهاية لتحولات سياسية قد تكون جذرية كما في حالة انتقال حركة القوميين العرب للماركسية اللينينية. وهو الوحدة المناطقية على طريقة بسمارك وبالتالي فإن الخبرات التنظيمية والخبرات السياسية يجب ان تتوجه إلى هذا المسار إلا ان النعيمي وبعد ثلاثين عاما من تلك التجربة لا يتردد في أن يصف بعض القرارات والاتجاهات بأنها كانت اتجاهات وخيارات سياسية متطرفة . ولا يخفي النعيمي وهو يكتب عن تلك التاريخية ما يستدركه بعد ثلاثين عاما عن هذا التحول إذ يصف التحول بأنه "  اسقاط ذاتي للتجربة الصينية والتجربة في الهند الصينية عموماً" " ففي الجنوب اعلنت جبهة تحرير ظفار في مؤتمرها الثاني الذي عقد في سبتمبر 1968، تغيير تسميتها الى (الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل)، وتبني الاشتراكية العلمية، مما يعني انها اتخذت مواقف متطرفة سياسياً وفكرياً، انعكس ايجاباً عليها في فترة قصيرة، لكنها لم تتمكن من معالجة الآثار السلبية لمثل هذه التحولات التي عبرت عن طفولة يسارية حادة، عاشتها كل الحركة الثورية الشعبية في تلك الفترة"

    التحول للمسار الديمقراطي الليبرالي.

    رغم ما يحتويه التحول السابق من دلالات تبدو كافية لتفسير وفهم عملية انتاج وصعود النخب السياسية إلا أن الفترة التي حدث فيها لا تعطينا تأكيدا على صحة النتائج ومدى تطابقها مع الواقع السياسي من جهة وهي لا تمنحنا فرصة الخروج بتصور عام للنخبة السياسية من جهة أخرى. لذا فإن دراسة تحول النعيمي من الماركسية اللينينية إلى الديمقراطية الليبرالية أو ما تطلق عليه هذه النخبة بتعويم الايديولوجيا يساعدنا كثيرا في عملية الفهم والتحليل. فهذا التحول جاء بعد مسار طويل من التحولات الداخلية على مستوى الاستراتيجيات ومستوى التكتيك كما إنه جاء بعد نضج كبير للتجربة الحزبية والسياسية وسط متغيرات اوسع وأشد تباينا من متغيرات التحول الاول.

    الامر الجوهري في هذا التحول أنه جاء بشكل أفقي مع النموذج السائد وليس بشكل طولي كما في حالة التحول الاول. فقد كان قرار التحول من القومية للماركسية قرارا فكريا بالدرجة الاولى انضجته بعض الظروف السياسية والاجتماعية وفي الوقت نفسه جاء هذا التحول في مستوى امتداد الفكر القومي وبشكل طولي إذ كانت الماركسية اللينينية وسيلة لتحقيق الوحدة القومية التي عجز النموذج القومي السائد عن تحقيقها. ولا نجد مانعا هنا من وصف الكثير من التحولات أنها جاءت مطابقة لتحولات الايديولوجيا نفسها وليس من منطلق المصالح العامة التي قد تفرض في أحيان كثيرة إجراء تحولات وتغييرات في المواقف. المفارقة التي تثير وجوه الحزن ان الايدلوجيات الاوربية التي شاعت في العالم العربي كانت وليدة ظروفها الخاصة ونتيجة لحراك اجتماعي وسياسي متخم بالأفكار والتجارب لذا صاحبت كل تلك التغيرات فلسفات كبرى وأيدلوجيات تحاول مواكبة الواقع وتفسيره او تغيره [12] في حين أن الايدلوجيات العربية ظلت مخلصة ومؤمنة كإيمان العابد المتنسك بالفكر الايدلوجي دون مراعاة للواقع التي تعمل من خلاله.

    تضنمت الفترة ما بين 1968-1986 الكثير من المراجعات النقدية على مستوى الاستراتيجيات ضمن الإطار الماركسي الثوري المقدم كبديل جديد للنموذج القومي لكنها لم تشهد تحولا سياسيا إلا بعد عام 1990، حيث أعلن عن نموذج جديد آخر  يقوم على فكرة تعويم الايديولوجيا وانتهاج استراتيجية التكييف والموائمة لتحقيق أهداف جديدة هي الأخرى.

    فقد تم عبر هذا التحول الانتقال بالجسم التنظيمي من استراتيجيات الثورة والمقاومة والكفاح المسلح إلى استراتيجيات العمل المدني والمطالبة بالديمقراطية التداولية مع بقاء الأنظمة والأسر الحاكمة. فبعد انهيار الاتحاد السوفياتي 1990 انسحبت أعراض ذلك الانهيار وتداعياته على الجبهة الشعبية في البحرين، ومال خطابها إلى النهج الإصلاحي بدلا من الطرح الثوري الداعي إلى التغيير الجذري، وأصبح الحديث عن إسقاط الأنظمة في المنطقة ضربا من الجنون، حيث بدأت الحاجة ماسة إلى تطوير الوضع الداخلي فقط بتعبير عبد الرحمن النعيمي[13].

    كانت هذه الانعطافة مماثلة في آثارها، نتائج قرار الاستقلال التنظيمي سنة 1974 إذ باشرت الجبهة الشعبية في نهاية العام 1991 بطرح مسألة تعويم الايدولوجيا في صفوفها والعمل على إجراء مناقشات واسعة حولها وتم إيقاف نشرة الشرارة واستبدالها بنشرة داخلية للحوار سميت " الديمقراطي" تعبيرا عن التوجه الجديد للجبهة الشعبية. وقد اتخذت كافة العناصر المرتبطة بتنظيم الجبهة الشعبية (في الداخل والخارج) قراراً بالعمل على تشكيل تجمع وطني ديمقراطي ومغادرة الصيغة القديمة التي عبرت عنها الجبهة الشعبية في البحرين، وعملت على بلورة برنامج لهذا التجمع وان يتم الإعلان عن مؤسسيه داخل البحرين.  توصلت تلك القيادات إلى فكرة التجمع الوطني الديمقراطي، ليعمل على توحيد التيار الديمقراطي (الجبهة الشعبية وجبهة التحرير) تحت عنوان حرق السفن القديمة لكونها لم تعد صالحة للاستخدام في الوقت الحالي، وتمخضت الاجتماعات التي عقدت في بيروت بصدور قرارات تنظيمية حاسمة منها، إعداد وثيقة التجمع الوطني الديمقراطي لتكون بمثابة برنامج سياسي للتيار الموحد مستقبلا، وأن تصدر كافة القرارات الحزبية من قبل كوادر الجبهة في الداخل، في المقابل تبقى قيادات الجبهة الشعبية في الخارج كقيادة إعلامية وعلاقات خارجية[14].

    من وجهة نظر تحليلية فإن التحول من الماركسية للديمقراطية الليبرالية جاء استجابة لنوعين من الـتأثيرات هما:

    النوع الاول وهو عبارة عن تأثيرات النموذج المعرفي واختلالاته الداخلية وبالتالي عجزه عن حل الإشكاليات المتصلة بالتنظيم السياسي والمجال العمومي للمجتمع السياسي. فمهوم الثورة الذي كان العنوان الأبرز لمجمل خطاب النخبة السياسية آنذاك اعتمد كلية على منحى واحد وهو القطيعة والتغيير الجذري للأوضاع وتأسيس نسق جديد وقد تخلى عن كل جذوره مع الماضي[15] في حين كان بالإمكان فتح مفهوم الثورة معرفيا على خارج الأيديولوجيا التنظيمية ودمجها مع المجتمع وتغيراته بما يتح للثورة أن تأخذ بعدا إيجابيا ومستمرا. وقد عملت النخبة السياسية على تقديم هذا المفهوم الأحادي للثورة عمليا قبل أن ينجز واقعيا، لدرجة أن تطبيقات مفهوم الثورة في منطقة ظفار كان كارثيا[16] رغم الإنطباع العام بمحتواه التغييري. بعبارة أدق عملت أغلب  النخب السياسية على ممارسة الثورة قبل انجازها.

    لم يكن بمقدور الحلقات الماركسية ومن ثم التنظيمات السياسية الملتزمة بالفكر الماركسي، التاثير بالسكان المحليين من خلال قواعد ونظريات الجدلية التاريخية وحدها اذ انها لم تكن متوفرة فيهم اضافة الى تدني الثقافة والوعي العام نسبيا لذا كانت عملية التجنيد بحاجة لعوامل المجتمع التقليدية كالقرابة والثقة وتوظيفها بحدود غير قليلة فكان هناك نوع من التشبيك ما بين الادعاء العلمي الماركسي وما يحمله من قيم التقدم والعصرنة ونبذ الخرافات والتقليد وما بين عناصر الايمان التقليدي وقوته في تحقيق مراتب متقدمة من العطاء. لذا فان الكثير من المنظمين كانوا يفهمون طابع العلاقة الاستغلالية ويحركهم الواقع المتازم وانكسار الافق المنقذ. بدوره كان عبد الرحمن النعيمي شديد الانتقاد لمرحلة التوجيه الثوري، بل يتجاوز النقد لمستوى أعمق وهو السطحية حيث يكتب " يمكن القول إن الحرب الباردة كانت تدور رحاها في منطقة النفط، ولا يدري الكثيرون ممن كانوا يحملون السلاح إن كانوا صانعي أحداث أم كانوا أدوات في يد القوى الكبرى المتصارعة، سواء الاتحاد السوفيتي أو الصين من جهة أو القوى الإمبريالية وبالتحديد البريطانيين والأميركان من الجهة الأخرى.[17] هذا الوضع اللإداري كان نتيجة طبيعة للخطر الكامن في " الانعطاف الفكري والسياسي الذي حصل في مؤتمر حمرين العام 1968 " حيث لم يفلح هذا التحول في تجنيب الثورة نتائج المخاطرة العسكرية وما ينتج عنها من استراتيجيات عسكرية وسياسية حيث استطاع نظام الحكم في عمان أن يجذب العناصر الصديقة للجبهة بسبب بعض الشعارات والتسميات الفضفاضة في ظل انهماك الجبهة في عملية التلقين الماركسي والذهاب في مسار تحويل الفكر العلمي لعقيدة إيمانية  تعتمد على السطحيات " وربما يكون مفاجئا أن نميل إلى أن الانتشار السريع والواسع لشخصية المناضل الأممي جيفارا كان واحدا من تداعيات " الصراع الصيني السوفيتي في مناطق الصراع، فقد تدفق الكتاب الأحمر مع السلاح الصيني إلى الثورة، وأعجب المناضلون العمانيون في ظفار بالتجربة الماوية في تطويق الأرياف من المدن، بالإضافة إلى صور الرئيس الصيني. بينما لم تجد الدراسات الجادة لوضعية المنطقة طريقها إلى قيادة الثورة او إلى المناضلين.

    ولا يخفي عبد الرحمن النعيمي جوانب هذا الخلل في الكثير من المحطات التي دونها في مذكراته وسنورد موقعين لتدليل على هذا التحليل:

    المورد الاول العلاقة مع البراوجوزية الصغيرة

    فعشية تشكيل المكتب السياسي في 1969 قرر المكتب قطع العلاقات مع فئة التجار المموليين للسلاح تحت عنوان أن هذه الفئة برجوازية ولا تمتلك روح الثورة. ولما تبين أن العلاقة مع هؤلاء أدت لنتائج خطيرة ضربت عمق الكفاح المسلح كان من الضروري التراجع عن ذاك القرار وإعادة اللحمة مع البرجوازية الصغيرة وانتهاج استراتيجية المصلحة الأمنية للثورة. وفي الواقع فإن هذا الخلل وكما يعبر النعيمي " كان سائدا ومنتشرا بصورة أنتجت عملية إقصاء ليس فقط وسط الوطنيين والديمقراطيين، بل وسط التيار الماركسي نفسه، فلمَ لا يؤمن حرفيا بما نقول... وما نراه وما نرسمه من خطط... فقد يكون مندسا... ثورة مضادة... يشكل خطرا على القيادة... ولا بد من إبعاده... ومراقبته... وتصفيته إن لزم الأمر... فالثورة تقوى بتطهير نفسها... والحزب يقوى بتطهير نفسه... إلى آخره من مقولات ماركسية أو لينينية قيلت في لحظات معينة لكنها لا يمكن أن تكون صائبة باستمرار... إلا إذا وضعت في سياق ظروف مشابهة للظروف التي تحدث عنها صاحبها.

    المورد الثاني التمدد الثوري المبهم

    من المتعارف عليه في التنظيمات السياسية أن التسمية المتخذة للتنظيم تحاول أن تعكس أكبر قدر ممكن من الاستراتيجية والرؤية الفكرية لأفراد التنظيم والنخبة السياسية، لذا كانت التسميات التي ظهر بها النموذج الماركسي متعددة بكثرة تعدد الفطر وكان من الملاحظ فيها وبشكل ربما يكون مقصودا إظهار الأهداف الغائية للنخبة لا الاهداف الممكن تحقيقها فعلى سبيل المثال ظهرت هذه التسميات في فترة محدودة جدا (جبهة تحرير ظفار 1965-1968.. وجبهة تحرير الخليج العربي المحتل 1968-1971.. والجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي 1971- 1974) فالرسالة المرسلة تركز على الشعب الذي هو التنظيم والجغرافيا التي هي منطقة الخليج العربي برمته. واقع الخلل كان يمكن من وجهة نظر النعيمي في التعويم المبهم لقدرة التنظيم على الفعل فعملية التحرير الفعلي كانت منحصرة في إقليم ظفار وهي حدود القدرة العسكرية المتاحة آنذاك ومد هذه القدرة لسائر المناطق كان يعني الدخول في مواجهات مع أنظمة وجماعات ونخب غير مؤيدة لهذا الامتداد الوهمي وقد ظهرت نتائج هذا الامتداد الوهي في الكويت وساحل الإمارات.

    النوع الثاني وهو عبارة عن التاثيرات الناتجة من المحيط العام من تغييرات جذرية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية.

    فخلال العشر السنوات اللاحقة على التحول السياسي الجذري للنموذج الماركسي اللينيني طرأت تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية أفضت إلى تحولات على مستوى النخب السياسية الوطنية. فعلى سبيل المثال أدى زيادة الطلب على التعليم الجامعي لزيادة عدد الأفراد المنظمين سياسيا خصوصا بعد نحاج عبد الرحمن النعيمي في تأسيس اتحاد طلبة البحرين سنة 1972 والاستفادة منه كخزان احتياطي لضخ الأعداد المطلوبة للعمل السياسي بهدف زيادة منسوب التثقيف السياسي للمجتمع. كما أدت التغييرات الاقتصادية وارتفاع مستوى الدخل الوطني لتوسيع نطاق الطبقة الوسطى والفئات الجديدة في مجال العمل. وكانت هذه التغييرات تعني جوهريا تنوع التفضيلات والخيارات السياسية للأفراد وتنوع المجال الثقافي الناتج عن مجال العمل. وبالمثل كانت التغييرات السياسية العميقة التي تمثلت في حصول البحرين على استقلالها والترتبيات الأمنية التي سمحت برفع الحماية البريطانية لصالح التواجد الامريكي في المنطقة بهدف احتواء التمدد الصيني والسوفياتي. وما تسببت فيه هذه التحولات من طرح قضايا سياسية مستجدة كالدستور والمشاركة البرلمانية والتحالفات السياسية مع الأطياف المختلفة.

    إن تأثير التحولات الإجتماعية على النخبة السياسية،يمكن ملاحظته بصورة واضحة على مستوى التمثلات السياسية للنخبة، لوحظ تقاطب لا ينفي التعدد بين من استمر في تمثل  السياسة كمقاومة وصراع مقابل من أصبح يتمثلها بنوع من الواقعية و البرغماتية في أفق إصلاحي كتدبير للندرة في إطار تكيف خط المساومة مع التحولات السوسيو-سياسية. إن هذا التحول سينعكس على خطاب  النخبة السياسية بظهور قاموس سياسي جديد، دخل الفرقاء بخصوصه في صراع حول المعنى. مما أفضى إلى  إنتاج مصطلحات و مفردات كالتراضي والتوافق والتناوب التي تعكس على مستوى سجلات الممارسة، في سياق التحولات الإيديولوجية وما أفرزت من أزمة مرجعية وهوية لأجزاء واسعة من النخبة السياسية مما انعكس على كيفية دخول وتدبير التناوب في أجندة الفاعلين  كتعبير عن ملامح سلوك استراتيجي من منظور ظرفي تتعدد تأويلاته بتعدد وضعيات هذه النخبة نفسها واستراتيجياتها. وبعبارة أدق كان النموذج الماركسي غير قادر على استيعاب تلك الكمية الهائلة من المتغيرات والتحولات وبالتالي عجز عن تقديم إجابات مقنعة وعملية للأوضاع الجديدة رغم قيامه بإجراء تحولات عديدة ومهمة على مستوى الاستراتيجيات والتكتيكات إلا ان المهام الجديدة كانت تتطلب تحولا على مستوى الرؤية الكلية للنموذج.

    بدمج هذه التركيبة المتباينة من المتغيرات والتحولات السياسية والاجتماعية، يمكن القول بأنها أدت إلى تحفيز وإنضاج التحول ناحية نموذج جديد افترض فيه القدرة على تلبية الحاجات السياسية للأفراد والجماعات وفي الوقت نفسه يلبي متطلبات المجال الإقليمي الضاغط. مع ذلك فإن القبول بهذا القدر من التحليل يعني القبول ببراجماتية تمارسها النخب السياسية دون الخضوع لمتطلبات التحول ضمن النموذج المعرفي. من هنا فإن ممارسة قدر أكبر من التحليل من شأنه أن يطيح هذا الانطباع ويعيد التحولات لسياقها الذي نحن فيه.

    من وجهة نظر مبدئية يمكن قبول قانون الندرة كإطار حكم تفاعلات تحولات النخب السياسية في هذه المرحلة، فقد أفضت التغييرات الاجتماعية كما مر معنا إلى زيادة الطلب على التنظيم السياسي في وقت تراجعت قدرات التنظيم على الإستجابة في سياق تناقص قدراتها التوزيعية في شكل عروض نخبوية بفعل توالي الضربات الأمنية والملاحقات التي فرضها قانون أمن الدولة بشكل يصح معه تأييد مقولة استنزاف الكوادر المنظمة من قبل الأجهزة الأمنية. من نتائج هذا الوضع أن تصبح النخب السياسية في وضعية تسمح لها باحتكار الثقافة والخبرة وانتاج ما يمكن تسميته بثقافة الكبار، وبالتالي خضوع سوق النخبة السياسية لقاعدة تضخم الطلب و قلة العرض. ودخول قيم النذرة والعقلنة إلى الحقل السياسي مما جعل تمثل و تدبير الشان لعام  كتدبير النذرة كإستجابة و تكيف  مع التحولات و الإكراهات الخارجية والداخلية[18].

    ومن المؤكد أن العجز عن بناء استراتيجية وطنية شاملة ، تحتوي أهداف الثورة ، وتستوعب المتغيرات الإقليمية والدولية العاصفة ، بما في ذلك التهديدات الاستراتيجية ، التي تصوب نفسها نحو الداخل الوطني ، لم يعرقل فقط بناء نخبة سياسية واجتماعية وثقافية جديدة ، تصطف في إطار هذه الاستراتيجية ، ولكنه أدى مباشرة إلى رفع حظوظ استراتيجية التكيف ، محصنة في مكانها وموقعها ، التي صعدت بقوة دفع الثورة ، إلى سطح الحياة العامة. فهناك خلف التحول الفكري قوة منظمة تدفع استراتيجية التكيف التي قامت أساساً على قاعدة من المواءمة بين ما تفرضه المتغيرات الاقليمية والدولية وبين ضرورات الأمن القومي في إتجاه الإطاحة بضرورات الأمن القومي ، وإقتلاع مفهومه من جذوره.

    إن النتجة الطبيعية لذا الوضع هو تمزق النموذج السياسي الذي هدد استمراره قدرات الدولة على مراقبته وتعطيله. وهدد أيضا عبر تأثيرات قانون الندرة وتمركز السلطة لدى نخبة محددة ثابتة في ظل سيولة واستمرارية التغيير في القطاع القاعدي أو الجماهيري. أما الوجه الآخر لتأثير هذه التحولات على النخبة السياسية هو تفاقم أزمتها. مما أفضى الى تناقص قدرة النموذج على التعاضد مع المجتمع وابتعاده عنه ومن تم عدم قدراتها على تعبئته والتعبير عن مطالب أصبحت تحملها نخبة نابعة من المجتمع كالنخبة الاسلامية والنخبة الإحتجاجية الجديدة.


    ثالثا: اختبار نموذج التحولات السياسية

    كان هدف هذه الدراسة هو تقديم إجابات مبدئية لأسئلة بحثية مؤرقة من قبيل هل شهدت النحبة السياسية البحرينية تحولات سياسية جديرة بالاهتمام ؟ وعلى أي مستوى حدثت تلك التحولات؟ ثم ما هي الظروف التي تحدث فيها تحولات جذرية للنخب السياسية ؟ والسؤال الأهم هو ما هي وظيفة تلك التحولات في عملية التغيير الاجتماعي وبناء الرأسمال الاجتماعي والسياسي لقوى المعارضة في البحرين؟

    قبل تقديم شبه إجابات أولية أجد من المفيد مراجعة نص النعيمي التالي رغم طوله مراجعة نقدية توضح مدى علاقة الرأسمال الاجتماعي والرأسمال الرمزي بالتحولات السياسية لدى النخبة السياسية ومن بينهم عبد الرحمن النعيمي. ففي حديث النعيمي مع صحيفة الوسط في 2003 يقول النعيمي عن مخاضات النصف الثاني من سبيعنات القرن المنصرم" 1974 إذ عقدنا مؤتمرا لمناقشة كل التوجه السياسي. كان السؤال الأساسي المطروح هو: هل من المصلحة او الحكمة ان تستمر الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي، من ظفار وحتى الكويت مع وجود خصوصية لكل هذه المناطق؟. وبالتالي كانت هناك حاجة ماسة بعد الغزو الإيراني مع وجود التركيز على عمل الجبهة، أيضا من المستجدات التي طرحت هي أن الخليج لم يعد كما كان بعد العام 1971 وحصول دوله على الاستقلال عن بريطانيا. ... من الصعب جدا استمرار الصيغة الموحدة للحركة ضمن ظروف سياسية مختلفة. فمن البديهي ضرورة وجود صيغ تتلاءم مع الأوضاع المختلفة في كل بلد على حدة فتمركز عملنا في البحرين وعمان مع وجود عناصر قليلة ومؤيدة. فتقديرنا وجود مناصرين اكثر من مشاركين.  من هذه الاخفاقات، إخفاق العمل المسلح في داخل عمان العام 1970 ومحاولة استعادة العمل المسلح في 1972 مع وجود ترتيبات جديدة بالنسبة إلى السلطنة.

     شعور بالتراجع على صعيد العمل العسكري وعلى صعيد هجوم السلطة السياسية في عمان ومن ثم البدء في الاستعانة بفرق أجنبية وعربية من الخارج، إذ تم جلب فرقة عسكرية بريطانية ومن ثم أردنية وثم إيرانية مقابل إمكانات متواضعة من قبل الجبهة. وفي ظفار لا توجد كثافة سكانية ولا إمكانات عسكرية متقدمة على رغم وجود طبيعة ملائمة لحرب العصابات وهناك أناس لديهم الاستعداد للقتال ووجود كادر سياسي يريد أن يحقق طموحات مماثلة لما تحقق في اليمن من دون أن يدرك التحولات الهائلة والتي أهمها النفط إذ بدت الأنظمة مسلحة نفطيا وتستقطب المزيد من الطبقات الاجتماعية التي كانت مرتبطة بالعمل السياسي في وقت ما.  وفي عمان نفسها كان هناك من هو غير مرتبط مع الجبهة بل مع السلطة وكذلك منهم من ابتعد عن العمل السياسي لاعتبارات قبلية بالإضافة إلى فقدان بعض الامتيازات نتيجة العمل السياسي ورفض البعض التحولات التي طرأت على الجبهة.

    كل هذه العوامل أوجبت التركيز على عمان وان يكون توجهنا سياسيا نحوها. لنقل كانت هناك رومانسية سياسية تقول طالما اليمن استطاع أن يوحد 24 سلطنة ومستعمرة بإمكاننا أن نوحد إمارات الخليج وعمان وبالتالي نقيم دولة ديمقراطية، لكن الوضع في الخليج كان اكثر تعقيدا من اليمن إلى جانب الشعور البريطاني بان اليمن ليس الموقع الاستراتيجي وبالتالي سيعاني الحكم من عدة إشكالات لكن الوضع بالنسبة إلى الخليج مختلف تماما.

     في تقديري، كان العام 1974 محطة تحول كبيرة واتخذنا فيه قرار الاستقلال التنظيمي فيما يتعلق بفروع الجبهة الشعبية وبفروع الحركة الثورية، لقد كان لدينا تقدير بأن الحزب هو من يقود الثورة وبالتالي الحركة الثورية لها حزب ماركسي لينيني يقود الثورة المسلحة، والجبهة إطار واسع لكن أمام تجفيف الماء من حول الحزب أصبحت الجبهة هي الحزب، هذا الوضع هو الذي ساد وقتها في عمان.

     

    بالنظر للمسارات التي تشكلت عليه النخبة السياسية البحرينية بعد أكثر من ثلاثين عام فقد تشكلت هذه النخبة بفعل تطورها إلى نخبة سياسية مركبة تتضمن مستويات متفاوتة تعكس تراتيبة سياسية ومجتمعية، وبالتالي لم تعد النخبة السياسية موحدة في مصدر قوتها ونفوذها فهناك مجموعة نخب ضمن النخبة الواحدة. ويتفق هذا المسار التطوري مع تمييز بوتومور بين ثلاث درجات من النخبة: الأولى النخبة، وهي الجماعات الوظيفية والمهنية التي تحظى بمكانة عالية في المجتمع، والثانية: الطبقة السياسية والتي تضم كافة الجماعات التي تمارس القوة والنفوذ السياسي وتنشغل بشكل مباشر بالصراعات من أجل الزعامة السياسية، والثالثة: النخبة السياسية، وهي جماعة أقل حجما داخل الطبقة السياسية، تستوعب الأفراد الذين يمارسون بالفعل القوة السياسية في المجتمع[19]

    فالنخبة السياسية البحرينية تنتج من خلال التنظيم السياسي وتصدر قوتها بحسب مكانتها داخل التنظيم الهرمي،وكلما كانت الشخصية معنية بالحلقة الضيقة في التنظيم كلما زاد حظوظها في الانتماء للنخبة السياسية، لذا فإن النخبة السياسية البحرينية تشير للمكانة الهرمية في صنع القرارات والمعادلات السياسية.وهذا يفند ما ذهبت إليه بعض الآراء من أن النخب السياسية في منطقة الخليج التي يرى البعض أنها"في مرحلة عبور البرزخ الوعر من القبيلة إلى الدولة" لا تكاد تخرج عن إطار أطروحات ابن خلدون حول مفهوم العصبية سواء عصبية النسب أو عصبية الانتساب.[20] تؤكد المعطيات الموجودة حاليا على أن عملية انتاج النخب السياسية في البحرين ليست عملية تراكمية بقدر ما تحمل في طياتها نزوعا واضحا نحو التطور والاستمرارية، فتحولات النظام السياسي والتحولات الإيديولوجية التي طالت النخبة السياسية، يمكن أن ينظر إليها من حيث هي نتاج تفاعل وصراع بين قوى اجتماعية/سياسية مختلفة، مثلما يتعين أن ينظر إليها بنفس الوقت كنتاج لتحولات بنيوية تعكس أصداء وتوجهات التحولات العالمية الكبرى منذ سقوط جدار برلين والمعسكر الشيوعي، وهي كلها تحولات طالت لا فقط تصنيفات، وانتظامات النخبة المثقفة، بل طالت أيضا وربما أساسا تصوراتها وأدوارها.

    إذن كيف توظف النخبة السياسية تحولاتها في عملية بناء الرأسمال السياسي والاجتماعي وكيف تنعكس تلك التحولات على مسار عملية التغيير الاجتماعي؟

    لتقديم تصورات أولية فمن المهم الإشارة للتحولات السياسية التي أحدثتها تلك النخب السياسية في فترة النصف قرن الماضية، واعتبارها معطيات وصفية موضوعية يمكن أن تساعدنا على فهم تطور العلاقات السياسية والإيديولوجية والثقافية في العقود الأخيرة. فقد مثلت التجريبية السياسية نقطة القوة التي وقفت خلف صعود النخب القومية التي أبدت قدرة فائقة على تجريب مفاهيم سياسية جديدة كالدولة والسيادة والوطنية والشرعية، فهذه المفاهيم وفرت للحركة القومية دفعات هائلة توافقت مع المزاج العام للمجتمع العربي الأمر الذي لف الناس من حولها. وبالفعل كانت حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية قد أخذت الأوضاع العربية نحو منعطف جديد، ونقلت مطالب المجتمعات والنخب من إشكالية الإصلاح إلى إشكالية الثورة – في امتداد صعود التيارين القومي واليساري وقيام أنظمة حكم تستند إلى منطلقات الفكرتين القومية والاشتراكية . إلا أن عجز الحركة القومية عن تحقيق أهدافها وفقدانها للقوة الاقناعية أملت عليها تخفيض السقف السياسي و الانعطاف نحو خيار النضال الديمقراطي كواحدً من أثمن النتائج النظرية والمكتسبات السياسية التي نجمت عن تلك المراجعة التي أطلقتها هزيمة 1967 وبالتالي سمحت هذه الظرفية بدخول لاعب جديد وقوى هو تيار اليسار الثوري أو اليسار الجديد و رؤيته القائمة على الكفاح المسلح كما سمحت أيضا للتيار الاسلامي أن يزاحم التيار اليساري على دفة القيادة الجماهيرية.

    وفي الجانب البحريني نجد أن التطبيق لفكرة النموذج يساعد كثيرا في فهم التحولات السياسية التي حدثت ويقاربها من منظور موضوعي يبتعد عن الشخصنة والذاتية المفرطة. ففي السبعينات كانت الجبهة الشعبية وجبهة التحرير أكبر تيارين سياسيين في البحرين، إذ كانا يسيطران على الشارع السني بنسبة 100 في المئة، ويقتسمان الشارع الشيعي مع الكتلة الدينية. وتغير الوضع في البحرين وفي عموم العالم العربي خلال السبعينات والثمانينات والتسعينات، إذ حدث نمو كبير للتيار الإسلامي، وحدث في الوقت ذاته ضغط كبير ضد الحركة اليسارية، وتم ضربها مع الحركة القومية ضربة قاصمة. إن الحركة الإسلامية لديها مواقع قوة كبيرة لتنمية كوادرها، والحركة اليسارية كان موقعها الأساسي في الحركة الطلابية، وهذا الموقع تم تجفيف منابعه في السبعينات من خلال تقليل البعثات من جانب، ومن خلال اعتقال الطلاب وسحب الجوازات، ففي تلك الفترة ضرب التيار اليساري ونما التيار الديني الذي يحوز مواقع للتنظيم ليست موجودة الآن لدى التيار اليساري. هذه الفترة منذ السبعينات إلى 2001 أحدثت فجوة، وكانت هناك المشكلة هي أن الكادر المؤهل لقيادة التنظيم هو في الاربعينات من العمر، والناس لا يمكن تنظيمها بشكل عام إلا في فترة المراهقة إلى سن الشباب، بحيث أصبح صعبا على التنظيم تجنيد أفراد جدد بسبب فقدان التواصل، مع الجيل الشاب.[21]

    بطبيعة الحال تواجه مسألة التحولات المعرفية داخل النخب السياسية صعوبات وتحديات متداخلة أقواها ما افضل تسمتيه بشرعية الإرث التاريخي وهي حالة تشير إلى بناء منظومة التفضيلات والقيم السياسية والاجتماعية على المنجز التاريخي الأول، وهذه الحالة تعتبر مسئولة لحد كبير عن كثير من الظواهر الاجتماعية والسياسية مثل ظاهرة ثقافة الشيخ وثقافة الخروج الفتنة،كما لا يخفى دورها في تثبيت الأنساق السياسية القديمة وصعوبة التخلي عنها أو عن نخبتها. وإذا ما تجاوزنا هذا الأمر فإن الإشكالية التي ترافق مسار تتبع حالة النخبة السياسية البحرينية هي من ينتج من؟ أي هل تنتج المؤسسات السياسية نخبة سياسية قابلة للاستمرارية والتجديد أم أن النخبة هي التي تضظلع عادة بهندسة مؤسسات سياسية خاصة تضمن لها مزيداً من البقاء في واجهة المشهد السياسي والاستثمار في مكانة النخبة الاجتماعية والسياسية، بما يحيلها لمشروع تجديد فئة الأعيان والوجهاء.

    خلافا لما يعتقد في أهداف البحث العلمي من تحديد صارم في تصنيف المشاهد السياسية أو الاجتماعية، فإن عملية التتبع الخاصة تؤكد انفتاح المجال السياسي والاجتماعي لكافة التصنيفات ما دامت وجهة النظر الخاصة بالتحول تنطلق من اعتبار التحول خيار وتفضيل عام ينتج عن نمط ثقافي مفتوح وغير قابل للإغلاق. وهذا ما تؤكد عليه العديد من الدراسات الخاصة بالثقافة السياسية فأقصى ما يمكن الاعتماد عليه أن النمط الثقافي يولي أهمية خاصة لبعض الخيارات والتفضيلات التي ينظر إليها على أنها أكثر اتساقا وتناغماً مع النمط الثقافي العام ولكن دون أن يعتبرها تفضيلات وخيارات حتمية.

    يقربنا ذلك من أهمية فهم النمط المضاد للنخبة السياسية الوطنية أولا وهو نمط السلطوية الخاص بالنخب السياسية إذ يقوم هذا النمط في انتاج النخب على مفهوم الزعامات والاعيان. الزعامات المحلية بأنها قيادات ورئاسات ذات طابع محلي متجذرة ضمن مجالها الترابي ويمتد تأثيرها ويتنوع بين سلط علمية ودينية وتجارية. وبالتالي النظر إلى العلاقة على أنها نموذج للزبائنية المحلية يحيل لعلاقة المركز بالهامش، وذلك لأن  شروط انبثاق الزعامات المحلية تتمثل في الشرط المجالي وشرط طبيعة السلطة المركزية وبنيات المجتمع المحلي. فالثابت في علاقة السلطة بالأعيان والوجهاء، هو رغبتهم في الحصول على اعتراف من قبل السلطة بنفوذهم متمظهر أساسا في ظهائر التوقير والاحترام حتى تعقد الالتزامات والولاءات. بمعنى أن شروط إنتاج الوجاهة الاجتماعية لا تتحدد فقط بما يحوزه الأعيان والوجهاء من خيرات رمزية ومادية، ولكن بما يناله أيضا من اعترافات داخلية وخارجية. إلا ان ظهور النخب السياسي المستقلة والتوترات السياسية المستمرة تحد من الاستثمار الكلي والناجح لهذه العلاقة دون أن يلغي ذلك إمكانية الالتجاء إليها لحل بعض التوترات والتداعيات الناتجة عنها، بحكم البنى التقليدية للمجتمع واستمرارية الآليات التقليدية في انتاج معنى السلطة وتوزيعه على الأفراد. وتمحور الصراع السياسي حول حيازة السلطة يدل على درجة سلطوية المجتمع أي على ضخامة كمية السلطة المتوزعة في ثنايا الجسم الاجتماعي، وإلى كون السلطة تقليديا في مجتمعنا هي البوابة الكبرى إلى الوجاهة الاجتماعية والتميز والأمن والثروة والنفوذ. ومن ثمة هيمنة النخبة السياسية على المجتمع وهيمنة العنصر السياسي، وبخاصة العنصر السياسي السلطوي على مختلف مكونات البنية الاجتماعية.[22]


    ملحق (1) التحول من القومية للماركسية "الحركة الثورية الشعبية في عمان والخليج العربي"

     

    كان التركيز الفكري السياسي بشأن الوحدة العربية وكانت التجربة الألمانية والإيطالية مثار الاهتمام الكبير، وبالتالي كانت دراسة التجربتين ضرورية لاقناع العضو بأن رسالتنا التوحيدية ليست مستحيلة وأن هناك تجاربا يمكن الاستفادة منها. وكانت الحركة تركز على الانضباط وعلى الطاعة العمياء للتعليمات الصادرة من القيادة (نفذ ثم ناقش)، ولا شك أن ذلك كان بتأثير الحركات القومية المتعصبة من النازية إلى الفاشية أو يمكن القول بأنها تعبير عن إيمان القائمين بالحركة بضرورة خلق تنظيم مركزي قتالي فدائي يمكنه القيام بالعمليات الفدائية التي قد توكل إليه.

    بدأ الشرخ الفكري لدى الحركة بالتوجهات الاشتراكية الناصرية عندما صدرت مراسيم التأميم الواسعة العام 1960، ويبدو أنها مست الكثير من العناصر القومية في سورية التي كانت ترى ضرورة تأجيل الصراع الاجتماعي إلى ما بعد تحقيق الأهداف السياسية وبالتحديد المعركة مع إسرائيل وحيث كانت الجامعة الأميركية ساحة صراع بين كل التيارات الفكرية والسياسية، فقد تسللت الأفكار الاشتراكية إلى صفوف حركة أرادت تحصين نفسها ليست فقط من أفكار الشيوعيين وإنما من افكار البعث الاشتراكية النابعة من التيارات الاشتراكية الفرنسية والبريطانية بالدرجة الأساسية التي تأثر به المرحومان، مؤسسا الحزب: ميشيل عفلق وصلاح البيطار (سان سيمون وبرنارد شو) وقد بدأت مجلة الحرية تطرح التساؤلات الكبيرة بعد الانفصال (سبتمبر/أيلول1961)، وكانت مقالات محسن إبراهيم في الديمقراطية والتنظيم الثوري، بالاضافة إلى مقالات محمد كشلي تثير المزيد من العواصف وسط قيادات وقواعد أعضاء الحركة في الجامعة الأميركية، إضافة إلى النقاشات الصاخبة التي تدور وسط طلبة حزب البعث والانشقاقات اليسارية... ثم جاء الانقلاب العسكري في العراق (فبراير/ شباط 1963) ليطيح بحكم عبدالكريم قاسم، وليرتكب الحرس القومي مجازر ضد الشيوعيين، ثم جاء انقلاب مارس/ آذار 1963 في سورية ليعيد على بساط البحث مسألة الوحدة بين الأقطار العربية الثلاثة، والدخول في حوارات ثلاثية كانت نتائجها ميثاق الوحدة في أبريل/ نيسان، لكن هذا الميثاق لم ير النور، فقد اشتعلت الخلافات الناصرية البعثية لتطيح بالتحالف الهش في سورية، لتدخل سورية مرحلة من الصراعات الحادة بين اليمين واليسار في حزب البعث نفسه، في الوقت ذاته الذي كانت حركة القوميين العرب قد فشلت أن تكون لها قدرة على تحقيق أي نجاح يذكر في الساحة السورية العراقية، تفتح آفاقا أكبر ضد الاستعمار البريطاني في عدن، بتأسيس الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل، ليتوجه طلبة الجزيرة بالدرجة الأساسية لذلك المحور الذي سيؤثر على مجرى الصراع ضد الاستعمار البريطاني في مجمل الوضع الخليجي.

    بدأت الكتابات الماركسية تأخذ طريقها إلى الخلايا والرابطة (القيادة الحزبية لتنظيم الحركة في الجامعة الأميركية) وسط صراع تزايد العام 1963 حيث انعقد المؤتمر الاستثنائي لحركة القوميين العرب لتقرير مسألة الالتزام الأيديولوجي، وكنا نتابع ذلك الصراع من خلال ارتباطنا مع الجناح اليساري (وليد قزيحه، محمد كشلي، محسن إبراهيم، نايف حواتمه) ليتوصل الجميع إلى حل وسط، مفاده تعليق المؤتمر وتأجيل كل الخلافات الفكرية، التي قد تعصف بالحركة وتمزقها، وبالتالي بقي اليسار واليمين مع بعضه البعض، مع تزايد سيطرة اليسار على المزيد من المواقع، وكنا معنيون بذلك في الجامعة، حيث انحازت العناصر الأساسية في قيادة الجامعة، وشكلنا رابطة من عدد من الفلسطينيين واليمنيين والبحرينيين ممن حسموا خياراتهم الآيديولوجية مع الماركسية اللينينية وضد يمين الحركة، وضد المواقف السياسية للحركة الشيوعية في المسألة القومية وفلسطين مفتشين عما يمكن أن يسند موقفنا في الأدبيات الماركسية واللينينية معتبرين أن هناك تسللا للعناصر اليهودية في قيادة الأممية الشيوعية المعنية بالمنطقة العربية... ثم تطور الصراع مع الأحزاب الشيوعية بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي وبروز المواقف الصينية التي شدت الكثير من التيارات اليسارية التي انشقت عن الحركات القومية ورافضة للانخراط في الأحزاب الشيوعية على أساس الموقف من الكيان الصهيوني والموقف من الوحدة العربية.

    قد تشكل التحولات الفكرية أعقد وأصعب التحولات لدى الإنسان، لكن حدة الصراع السياسي في تلك الفترة والبريق الهائل للتجربة الاشتراكية، سواء الصينية أو الروسية أو الكوبية أو غيرها من الثورات التي قادتها الأحزاب الشيوعية إضافة إلى الاخفاقات المتزايدة للحركة الناصرية والقومية عموما، والانفتاح الفكري على الماركسية، حيث كانت الكتب الأساسية (المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية، والاشتراكية العلمية والاشتراكية الخيالية والبيان الشيوعي والصراعات الطبقية في فرنسا وانتي دوهرنج وكتابات لينين، وخصوصا ما العمل وخطتا الاشتراكية الديمقراطية وموضوعات نيسان، إضافة إلى مؤلفات ماوتسي تونغ التي بدأت تغزو تجمعات الطلبة من خلال دار ابن سينا في المنطقة الشرقية من بيروت، وكان العطش الفكري شديدا للغاية بحيث يصعب نزول كتاب يستحق الذكر في السوق لا تتناوله الحلقات الفكرية في الجامعة الأميركية في تلك الفترة... واذكر أنني اعتكفت عدة أيام بعد استكمال الامتحانات لقراءة الكتب التي لم يتسن لي قراءتها في فترة الاختبارات" جزء من مذكرات عبد الرحمن النعيمي"

     

    جرى الاعلان عن تأسيس الحركة الثورية الشعبية في عمان والخليج العربي في المؤتمر الاستثنائي الثاني لفرع حركة القوميين العرب في الخليج والذي انعقد في دبي في نهاية يوليو 1968 وتمثلت فيه ساحات الكويت والبحرين والإمارات وعمان وقطر. ويمكن القول أن هناك تبايناً بين الساحة الكويتية وساحات الخليج الأخرى, فحيث كان تنظيم الحركة في الكويت يملك قيادة تاريخية على رأسها د. أحمد الخطيب, وترسخ على أساس قومي وخصوصاً في ساحة مهددة بالخطر الإيراني والاحتلال البريطاني, وفي مجتمع مرفه وحيث قاعدة التنظيم اساساً من الطبقة الوسطى, وحتى العمال الكويتيين في التنظيم هم طبقة وسطى مقارنة بالعمال العرب. لذا فقد كان التيار اليساري مقتصراً على بضعة مثقفين من الطلبة الجامعيين أساساً وبعض العمال أما جسم التنظيم الأساسي فظل مع الاتجاه القومي. أما بالنسبة لأقاليم الخليج الأخرى فإن بنية التنظيم كانت أقرب إلى البرجوازية الصغيرة والعمال في أوضاع أكثر صدامية وقمع, ولم تسمح هذه الأوضاع بوجود قيادة تاريخية ذات استمرارية بفعل الضربات المتتالية, لذى فقد كان هناك استعدادأكبر لدى قواعد التنظيم لتبني الخط اليساري, بتأثير الكوادر الطلابية الجامعية المتخرجة من الجامعات العربية, حيث كان التيار اليساري مزدهراً.

     بعد حرب يونيو 1967, تداعت قيادات مناطق الخليج وعمان والمملكة العربية العقد مؤتمر في بيروت تحت اشراف عناصر من الامانة العامة لحركة القوميين العرب (عبدالرحمن كمال, احمد حميدان) وبالتنسيق مع التيار اليساري الذي كان يقوده محسن ابراهيم ونايف حواتمه وذلك في نهاية ديسمبر 1967 وحضرته قيادات من مختلف مناطق الجزيرة العربية, وضم ممثل عن الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني الذي كان لتوه قد حصل على الاستقلال (عبدالله الأشطل), ويشهد صراعاً حاداً آنذاك بين التيارين (قحطان الشعبي/عبدالفتاح اسماعيل).  يشير التقرير الصادر عن ذلك الاجتماع الى انه "تم تخصيص جلسة الافتتاح لمناقشة عامة حول الخليج والجزيرة العربية أعرب فيها كل مندوب عن رايه. اثناء المناقشات كشف المندوبون عن تزايد عدم رضاهم عن الطريقة الاوترقراطية التي تسير بها الكويت شؤون الحركة. واتهم أحد المندوبين قيادة فرع الكويت بفرض مرشيحيها للقيادة على بعض المناطق دون موافقة الأعضاء المعنيين. وقد اشتكى المندوب العماني من كون "القيادة في الكويت بخلفيتها الاجتماعية البرجوازية هي مسؤولة عن منطقة ثورية كامنة"

     وقد حصل خلاف في الرأي بين المندوب الكويتي في المؤتمر وبين رفاقه الباقين, عندما تحول النقاش لمعالجة استراتيجية الحركة في منطقة الخليج, فيما شكك الأول في جدوى استراتيجية النضال المسلح المقترحة, أصر الآخرون على أنه " يجب ان نستمد استراتيجيتنا من اعتبار ان النضال في الخليج هو نضال واحد, وأنه في الأساس نضال للتحرر الوطني ضد الوجود العسكري والسياسي للامبريالية البريطانية المتحالفة مع, والمتخفية وراء انظمة الشيوخ الورقية وجميع قوى الاستغلال الطبقي والثورة المضادة. ومن هنا حتمية المواجهة المسلحة لإلحاق الهزيمة بالإمبريالية وقواها المحلية". وقد تبنى معظم المندوبين الرأي القائل بأنه في حين ينبغي على الحركة في الخليج اتخاذ الخطوات لتحقيق الاستراتيجية, فإن الظروف السياسية في عمان هي أكثر ملائمة تماماً لتنفيذها خاصة وأن الثورة قد بدأت في المنطقة المجاورة لظفار"

    شخص المؤتمر الازمة التي تعيشها الحركة في تلك المنطقة, على النحو التالي:

    1)   عدم وجود قيادات محلية قادرة على ادارة الصراع ضد الاستعمار البريطاني او الانظمة الحاكمة..

    2)   عدم قدرة قيادة الكويت على قيادة مجموع العمل التنظيمي والنضالي

    3)   تنامي الوضع الذي تقوده الجبهة القومية في اليمن الجنوبي وانعكاساته على تنظيم الحركة في عموم المنطقة, وحاجة الجبهة القومية الى تفعيل دور الحركة لمواجهة التحديات التي قد تواجه اليمن الجنوبي.

    4)   حاجة مركز الحركة الى معرفة مواقف القيادات في تلك المنطقة من الصراع الكبير الدائر آنذاك بين اليمين الممثل في القيادة التاريخية للحركة وبين التيار اليساري المتنامي في عموم الحركة, وكذالك الحال بالنسبة للجبهة القومية حيث كان ممثلها في المؤتمر منحازاً الى اليسار.

    وبالرغم من اهمية النقاشات التي دارت في المؤتمر الاول, الا ان أهميته تكمن في القرارات التنظيمية التي خرج بها وأهمها:

  • اعتبار المنطقة موحدة, مع الاخذ بعين الاعتبار خصوصيات وضع المملكة السعودية من جهة وبقية المناطق من جهة ثانية. مما فرض تشكيل لجنتين مركزيتين ومكتبين سياسيين, اعطى لكل منهما صلاحيات حضور اجتماعات الطرف الآخر.
  • اعطى صلاحيات لكل منهما بالتصرف حسب ما يراه مناسباً في مسألة العلاقات التنظيمية الداخلية, بالاضافة الى حل الاشكاليات التي يواجهها مع القيادة التاريخية التي تمثلتها الكويت.
  • ابدى اهتماماً خاصاً لوضعية مناطق الخليج, حيث تم تشكيل لجنة مركزية من عضوين من كل منطقة, تجتمع دورياً كل ستة اشهر, اضافة الى تشكيل مكتب سياسي يحضره ممثل واحد من كل منطقة( الكويت, البحرين, قطر, ساحل عمان, مع خصوصية الوضع في عمان الداخل وعمان حيث كان بالامكان حضور أكثر من شخص), يجتمع دورياً كل شهرين.
  •  خلال الفترة الممتدة من ديسمبر 1967 حتى يوليو 1968, اتخذت اللجنة التنفيذية لحركة القوميين العرب قرارها التاريخي (نظراً لسيطرة اليسار عليها) بحل الحركة واعطاء صلاحيات لقيادات المناطق باتخاذ ما تراه من ترتيبات تنظيمية وتسميات. مما دفع العناصر القيادية الخليجية الى الدفع باتجاه عقد مؤتمر استثنائي. وخلال تلك الفترة جرت صراعات حادة بين التيارين في الساحة الفلسطينية انعكست على أوضاع بعض المناطق الخليجية وخاصة قطر, حيث كانت هناك عناصر قيادية للجبهة الشعبية(ابو أحمد يونس , جورج دلل) تسهم بفعالية في قيادة فرع قطر, بالاضافة الى دورها الخليجي حيث كانت ساحة قطر مسؤولة عن اصدار النشرة الحزبية التثقيفية الداخلية.  وخلال تلك الفترة كان الصراع المركزي محتدماً وينعكس خليجياً, وكان واضحاً ان العناصر العمانية والبحرينية تلعب الدور الأساسي في تحويل دفة التنظيم بالاتجاه اليساري (زاهر المياحي, احمد حميدان, عبدالرحمن النعيمي).من هنا فعندما عقد المؤتمر الاستثنائي لتنظيم الحركة في الخليج, في يوليو 1968, فقد كان هناك اتجاهان متضاربان, الاتجاه الذي مثله مندوب الكويت والاتجاه الذي مثله مندوبو البحرين وعمان, بينما تأرجحت مواقف المندوب القطري في الكثير من القضايا نظراً لتدني الوعي الايدولوجي في تلك المنطقة.

     وجاء في التقرير الصادر عن المؤتمر ما يلي:

     "في الفترة ما بين 19 ـــــ 21 يوليو (تموز) 1968 وبناء على دعوة طلب انعقاد مؤتمر قطري استثنائي من منطقة عمان لمناقشة الاوضاع الراهنة في منطقة الخليج واستعراض سير العمل منذ انعقاد المؤتمر الاول في بيروت وما تقرر من التزام استراتيجي وايديولوجي موحد بكافة الساحات.. انعقد المؤتمر بحضور مندوبين عن الكويت والبحرين وقطر وعمان.. وقد عرض مندوب عمان جدولاً لأعمال سير المؤتمر الاستثنائي على الشكل التالي:

     وقفة عند المنطلقات الايديولوجية والاستراتيجية

     استعراض تجربة المكتب السياسي والموقف تجاه الشكل القيادي الجديد

     الخطوط التنظيمية التي ستحكم العمل طيلة الفترة القادمة.

     مناقشة مشروع النظام الداخلي للحزب

     جلسة للترتيبات العملية.

     وقد كان هناك تحفظات من وفد الكويت بهوية هذا الاجتماع وهل يعتبر اجتماعاً للمكتب السياسي او مؤتمر استثنائي, وبعد تبادل الآراء وافق المندوبون بالاجماع على اعتباره مؤتمراً.

     واستعرض التقرير المناقشات التي دارت وموقف المندوبين من المسألة النظرية (الماركسية اللينينية) ومسألة الكفاح المسلح, حيث كان الخلاف على اشده مع مندوب الكويت, والى حد ما مع مندوب قطر .. كما ناقش بقية البنود على جدول الاعمال وانتخب المؤتمر سبعة أعضاء للمكتب السياسي من بين ثمانية عشرة عضواً حضروا الاجتماع, وبالنسبة للتسمية حيث جاء في التقرير في باب متفرقات:

    " طرح أحد الأعضاء ضرورة تغيير اسم التنظيم في المنطقة حتى نستطيع الاتصال بالدول الاشتراكية والاحزاب الاخرى وحتى تتضح هويتنا للجميع. وقد أبدى أحد الأخوة عدم أهمية تغيير الاسم في هذه المرحلة وضرورة تجسيد هذه المفاهيم في مجموع الجهاز وتعميق الخط الايديولوجي بالدرجة الاولى, وفي الانتقال الفعلي الى مواقع ثورية جديدة, وفي حال اتصالنا بالدول الاشتراكية فمن الممكن توضيح هويتنا من خلال ميثاق عمل يحدد خطناالايديولوجي والاستراتيجي. وقد وافق الاخوة على وجهة النظر الأخيرة حتى تتاح الفرصة لمجموع أعضاء التنظيم مناقشتها في المستقبل".

    ويبدو ان المكتب السياسي, بعد ذلك,وجد حاجة الى الاعلان عن اسم جديد, فاتخذ قراراً بذلك, وفي مطلع العام 1969, اصدر المكتب السياسي بياناً سياسياً هاماً, اعلن عن التسمية الجديدة (الحركة الثورية الشعبية في عمان والخليج العربي) نشرته مجلة الحرية البيروتية التي كانت لسان الحال التيار اليساري للحركة, جاء فيه:

     "ان حركتنا باعتبارها احدى الفصائل الوطنية في منطقة الخليج وعمان لتقف وقفة نقدية صارمة تجاه أوضاعها الذاتية ومسيرتها السابقة.. وقفة نقدية ذاتية مفتوحة أمام الجماهير اذ لاحاجة للحركات الثورية الى القرارات السرية المغلقة والصراعات التي لا ترتبط بالصراع الدائر على أرض الواقع في مجابهة القوى الاستعمارية والطبقية المستغلة.. ولذا فان التناقض الكبير الذي كانت تعيش في ظله هذه الفصيلة الوطنية التي نحن منها والتطورات التلاحقة التي جرت في صفوفها والتي حسمته وقفتنا الأخيرة, وخاصة مؤتمرنا الاخير, وما رافقه من قرارات ثورية وترتيبات عملية وتنظيمية ونضالية جعلت من فصيلتنا مطالبة حتى ضمن حركة القوميين العرب أن تحسم في الكثير من المواقف, وأن تحدد هويتها في الكثير من ارتباطاتها وعلاقاتها السابقة بهذه الحركة, ضمن التناقضات التي تحتوي.

    أيدلوجية الجبهة الشعبية لتحرير ظفار والخليج العربي :

    مقررات مؤتمر حمرين  سبتمبر 1968م

    بعد مؤتمر حمرين وعلى الصعيد الأستراتيجي تؤكد الثورة على الإلتزام بالعنف الثوري بهدف دحر الأمبريالية والرجعية والبورجوازية والإقطاعية ونلاحظ إن الثورة تعمل على صياغة الخطاب الثوري وفق خطاب منبثق من المفاهيم الماركسية واللينينية وهو خطاب موجه إلى مجتمع لايعكس واقع المجتمع في ظفار ويبدو لي إنه نافع لان تتعامل به قيادات الثورة وليس بينها وبين الـمجتمع ..

    أدان المؤتمر بشدة :

     إتحاد إمارات الخليج العربي الـمزيف ولكن الأهم من وجهة نظري الإدانة التي وردت في الوثيقة وهي إدانة إمامة عمان وتـقول الـوثيقة واصفة الإمامة (وكافة القوى السياسية التقليدية التي تتاجر بقضية الجماهير وتتاجر بالشعارات الثورية الزائفة ) وترى الـجبهة أو الثورة إن فشل ثورة الإمامة " لأنها جزء من النظام القبلي الطبقي " وتقول منى جعبوب " إن الثورة ترى إن ثورة الإمامة هي ثورة إقطاعية ويربطون هزيمة الإمامة بوجود قيادات قبلية " إلا إن الأباضية كما يرى الكثير من المفكرين ومنهم منى جعبوب " أول حزب جمهوري في الأسلام .."

    كانت هناك هوة كبيرة بين توجه الثورة الـظفارية وبين ثوابت الـمجتمع العماني في ظـفار , فخطاب الثورة قاصر من حيث المنهج والبرامج والأطروحات وبعيداً كل البعد عن معطيات الـواقع رغم إصرار خطابات الثورة على إن الإيدلوجية " الماركسية - اللينينية ) هو الـخير كله وما عداه الشر كلـه . وتقول الباحثة منى جعبوب : (وكمعظم القبائل سكان الريف الظفاري يعتبرون الزراعة شيئاً غير محبب ) ومع ذلك عملت الـجبهة على جعل شباب القبائل يقومون بعدد من الأعمال اليدوية مثل الـزراعة : أيضاً حاولت الثورة إلغاء النظام الإجتماعي القبلي وعملت على اللعب على مفهوم " الرق " وأستخدمته واحداً من الأهداف الرئيسية في الثورة وربما تهدف من وراءه إلى كسب إبناء هذه الطبقة من المجتمع حيث في ظل وجود الثورة بإمكان " العبد " يتزوج بفـتاة من بنات القبائل ..وتذكر منى جعبوب (إن الطلبة كانوا يكتفون بذكر الأسم الأول والثاني والثالث بدون ذكر أسم القبيلة . ومن أخطر القرارات في تاريخ الـجبهة القرار السري الذي تم إقراره في عام 1971م في مؤتمر رخيوت القاضي بإنشاء حزب ثوري (ماركسي - لينيني ) داخل الجبهة وضعت له شروط وإلتزامات في عضـويته وهي : لابد من الـوصول إلى مستوى معين من الثقافة السياسية. لقد كانت غاية الثوار في ظفار تلقين إبناء ظفار مادة( الكتاب الأحـمر) لماو تسي تونغ ومختارات لينين والـمادية التاريخية والمادية الجدلية لستالين. وطبعاً زرع هذه الأفكار في أبناء ظفار يفترض إجادة القرأة والكتابة وبالتالي هذا ليس متوفراً إلا عند فئة قليلة جداً.


    ملحق (2) حركة القوميين العرب في البحرين

    تأسيس الحركة في البحرين

     في عام 1959 تأسس فرع حركة القوميين العرب في البحرين على يد مجموعة من الطلبة البحرينيين الذين تلقوا تعليمهم العالي في مناطق المد القومي، كالقاهرة وبيروت، وكان من أبرزهم أحمد حميدان وعبد الرحمن كمال، أما الروافد الأساسية التي شكلت هذا التنظيم فهي:

    1)   طلبة البحرين الجامعيون في الخارج خصوصا في لبنان، مصر، سوريا والعراق حيث تم تنظيم هؤلاء في صفوف حركة القوميين العرب هناك وأسهموا في قيام التنظيم برجوعهم الى البحرين.

    2)   المدرسون العرب في البحرين خصوصا الفلسطينيون الذين كانوا أساسا منظمين في الحركة أو متأثرين بالطروحات القومية والناصرية

    3)   المتنورين من البرجوازية الصغيرة والعمال أو أفراد من البرجوازية الوسطى في تفاعلهم مع المجموعتين المذكورتين.

    4)    تأثير جمال عبدالناصر وأجهزة الاعلام على الجماهير العربية، والعلاقة الوثيقة بين الحركة والقيادة الناصرية.

     وشخصت الحركة البحرين كبلد عربي مستعمر من الانكليز مما يتطلب النضال لتحريره، كما أن الادعاءات الايرانية لتبعية البحرين قد طرحت قضية أولتها الحركة أهمية بالتأكيد على عروبة البحرين والتعبئة القومية في صفوفها الى حد الشوفينية ضد الايرانيين المتواجدين في البحرين، ولم يكن هناك برنامج خاص بالحركة في البحرين، ويمكننا اعتبار توجهات المركز والقيادة الفرعية في الكويت والتي تم التعبير عنها في مجلتي الحرية اللبنانية والطليعة الكويتية ونشرة صوت الشعب التي كانت تصدر سرا في البحرين بمثابة منابر سياسية لمواقفها.

     محاور العمل الوطني للحركة :

    v   انهاء الاستعمار البريطاني للبحرين وتصفية القواعد البريطانية وتحقيق الاستقلال.

    v   النضال من أجل الحريات العامة في مرحلة تميزت بالقمع الشديد.

    v   النضالات الفئوية والمطلبية خصوصا بالنسبة للعمال والطلبة.

    v   المطالبة بإرجاع المنفيين من قيادة الهيئة واطلاق سراح المعتقلين منها في أحداث 1956.

    v   التضامن مع حركات النضال العربية الأخرى كالثورة العمانية في عمان وثورة 14 يوليو( تموز) في العراق والدفاع عن الجمهورية في الشطر الشمالي من اليمن وثورة الشعب اليمني في الجنوب بقيادة الجبهة القومية والتشهير بالمخططات الاستعمارية مثل حلف بغداد.

     وحققت الحركة انتشارا واسعا وتمكنت من تأسيس الاتحاد الوطني لطلبة البحرين والاتحاد الوطني لعمال البحرين. إلا أن أعضاء التنظيم تعرضوا للاعتقال عام 1963 – 1964.

     انتفاضة 5 مارس

     مثلت الفترة ما بين نوفمبر 1956 الى 5 مارس 1965 مرحلة اختبار للحركة القومية التي كانت تبني تنظيماتها السرية وتعيد ترتيب صفوفها وتختبر أشكالا جديدة من النضال والتنظيم .  ومن ناحية أخرى، فان القمع الشديد الذي ساد تلك المرحلة لم ينتزع عوامل الصراع لكونها موجودة في عمق التناقضات الوطنية والطبقية في المجتمع . كما أن تزايد الوجود العسكري البريطاني واستخدامه لضرب التحركات الشعبية في الوطن العربي (اليمن، عمان.. الخ) قد أسهم في تعميق الحقد ضد الاستعمار البريطاني، هذا في الوقت الذي كانت فيه البلدان العربية تشهد موجة تحررية عارمة ضد الاستعمار القديم ومشاريع الأحلاف الاستعمارية الجديدة متزامنة مع الصعود العام لحركة التحرر الوطني العالمية التي شكلت الثورة الكوبية أبرز مناطقها.

     هذه العوامل وغيرها تفاعلت في تشكيل أرضية للانفجار، انتفاضة مارس 1965. وكانت الأسباب المباشرة للانتفاضة أتت من الصراع ضد الاحتكار الأول في البحرين، شركة نفط البحرين المحدودة (بابكو) التي تعتبر دولة داخل دولة وتجسد شراسة الاحتكارات الأجنبية واستغلالها واستهتارها بالمصالح الوطنية وبحقوق المواطنين.

     ففي بداية مارس 1965 أقدمت «بابكو» على الصرف الجماعي للعمال المحليين حيث وجهت إنذارات بإنهاء الخدمة لـ 400 مستخدم محلي، وقد تجمع العمال والمستخدمون المسرحون أمام دائرة العمل والعمال مطالبين بإرجاعهم الى أعمالهم الا أنه لم يستجب لمطالبهم . وفي 5 مارس 1965 قرر طلبة المدرسة الثانوية التظاهر احتجاجا على أعمال التسريح هذه، وقد تصدت السلطة لهذه التظاهرة مما أدى الى اندفاع الطلاب الى الشوارع ثانية ليستأنفوا تظاهرهم. هذا الحادث فجر الغضب المتراكم لدى الجماهير من مختلف القطاعات واندلعت التظاهرات تلقائيا في المنامة والمحرق حتى قبل أن تلتقط منظمات المعارضة أنفاسها وتقرر خطواتها.

     وبتاريخ 15 مارس 1965 أصدرت القوى السياسية والمنظمات الجماهيرية (الحركة العربية الواحدة، جبهة التحرير الوطني، اتحاد عمال البحرين، اتحاد الطلبة البحريني، الشباب القومي البحريني، حركة القوميين العرب) بيانا تضمن المطالب التالية:

    1)   ـتشكيل لجنة للقيام بالنظر في شؤون العمال.

    2)   السماح للعمال البحرينيين بتشكيل نقابات تخصهم.

    3)   ايقاف الفصل وإرجاع العمال البحرينيين الى أعمالهم.

    4)   تشكيل لجنة يشترك فيها العمال والطلاب للتحقيق في إطلاق النار على التظاهرات.

    5)   رفع حالة الطوارئ فورا وإطلاق حرية الصحافة والكلام والتظاهر.

    6)   فصل الموظفين البريطانيين والأجانب في جهاز الشرطة وتصفية جهاز القمع والتجسس (المباحث).

    7)   إطلاق سراح جميع المعتقلين في الحال ووقف الملاحقات والمطاردات.

     استمرت الانتفاضة قرابة شهر حيث تجاوزت مختلف أشكال النضال مثل التظاهر والاضراب الشامل وكتابة الشعارات على الجدران، وتطورت الى مستوى العصيان المدني وحرق باصات الشركة، وأغلقت الأحياء الداخلية في المنامة والمحرق وبعض القرى في وجه سلطات الأمن كما استخدم السلاح في التصدى لقوى القمع، كما تم إحراق العديد من المؤسسات البريطانية.

    خلاف جبهة التحرير والقوميين

     ويمكن القول إن التنظيمين الأساسيين في هذه الانتفاضة هما حركة القوميين العرب وجبهة التحرير الوطني البحرينية، رغم الدور الكبير الذي لعبه البعثيون في حركة الاحتجاجات في مختلف المناطق المتواجدين فيها، دون اصدار بيان محدد عن دوره ، ومن المؤسف ان الخلاف سرعان ما دب بين جبهة التحرير والقوميين، حيث اصرت الاولى ان تكون تسمية الجبهة بجبهة القوى التقدمية، في حين اصرت الثانية على أن تكون التسمية جبهة القوى القومية، باعتبارها مسكونة بالهاجس القومي امام ادعاءات ايران في البحرين في تلك الفترة، اضافة الى انها التسمية النضالية التي اتخذها ثوار الجنوب اليمني (الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل) الذين فجروا ثورة الرابع عشر من اكتوبر من جبال ردفان في اليمن الجنوبي 1963، حيث احتلت حركة القوميين العرب العمود الفقري في هذه الجبهة، حتى تحقق النصر على الاستعمار البريطاني في الثلاثين من نوفمبر 1967، باستقلال الجنوب اليمني واقامة جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، بل ان الامر تعدى مسألة الخلاف على تسمية الجبهة ليصل إلى يوم الانتفاضة وهل كان يوم 5 مارس او يوماً آخر، حيث اعتمدت الجبهة الشعبية وانصارها لاحقاً هذا اليوم تسمية لجريدتها المركزية، في الوقت الذي رأى فيه انصار جبهة التحرير ان الانتفاضة لم تكن في ذلك اليوم، وان بداية تسجيل الحركة الاحتجاجية هو الثامن من مارس او بعده.

     وخلال هذه الفترة أسست حركة القوميين العرب جبهة القوى القومية التي أعلنت عن مطالب محددة أبرزها:

    1)   إنشاء مجلس تأسيسي تتمثل فيه جميع الفئات الوطنية.

    2)   الدخول في مفاوضات مع الحكومة البريطانية على أساس منح الاستقلال والغاء القواعد العسكرية.

    3)   اطلاق سراح المعتقلين واعادة المبعدين السياسيين واعادة جميع العمال المسرحين الى أعمالهم.

     ولكن، مرة أخرى كما حدث مع الهيئة، أتاح اختلال ميزان القوى مع السلطة وافتقاد انتفاضة مارس لخلفية تؤمن لها الدعم، الفرصة للسلطة في أن تقمع الانتفاضة بعد أن أنهك المواطنون نتيجة الاضراب الطويل وحصار الأحياء وافتقاد الأغذية واعتقال المئات من قيادات وكوادر الانتفاضة.

     بعد فشل انتفاضة مارس 1965 عانت حركة القوميين العرب من الانقسامات التنظيمية بين قيادات الداخل والخارج مما أدى الى ظهور عدد من التنظيمات الصغيرة مثل منظمة القوى التقدمية وجبهة تحرير الخليج وغيرها من التنظيمات.

     

    ملحق (3)

    أهم الاحداث والقرارات التنظيمية التي مر بها النعيمي ما بين 1965- 1975

    السنة

    الحدث

    الملاحظات

    1963

    مؤتمر حركة القوميين العرب في بيروت

     

    1964

    اجتماع حركة القوميين العرب

    اتخاذ قرار تدشين الكفاح المسلح في ظفار

    1956 ( مايو)

    المؤتمر التأسيسي لجبهة تحرير ظفار

    ائتلاف مكون من حركة القوميين العرب/ جمعية طفار الخيرية/ الجنود الظفاريين

    1967

    بداية العلاقة مع الصين الشعبية

    تحفط العديد من اعضاء جبهة ظفار على هذه العلاقة وزاد من حدة الانقسام بين لجنة الارتباط( الكويت) وقيادة الداخل( ظفار)

    1967

    مؤتمر بيروت الاستثنائي لحركة القوميين العرب

     

    1968

    مؤتمر دبي الاستثنائي لحركة القوميين العرب اقليم الخليج

     

    1968

    عقد مؤتمر حمرين وإعلان الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج المحتل

    تبنى المؤتمر الاشتراكية العلمية، تبني الكفاح المسلح وتشكيل جيش التحرير الشعبي والمليشيا الشعبية والمحاكم العسكرية للجبهة.

    1970

    الإعلان عن الجبهة الديمقراطية لتحرير عمان والخليج العربي في شمال عمان

    ائتلاف ضم الحركة الثورية الشعبية في عمان والخليج العربي، الطلائع الثورية لطلبة عمان في الخليج العربي، منظمة الجنود الوطنيين في عمان.

    1970

    انشقاق في الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج المحتل

    أصدرت الجبهة بيانا بعد ثلاثة شهور أي في يناير 1971، بعد عقد مؤتمر المصالحة في دريات.

    1971

    مؤتمر الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي المحتل (3) رخيوت

    اقرار برنامج العمل الوطني، النظام الداخلي، البيان السياسي، والالتزام بالماركسية اللينينية.

    ديمسبر 1971

    الإعلان عن توحيد كل من الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية في مؤتمر أهليش والإعلان عن ولادة الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي

    ركز المؤتمر على اتحاد الجبهتين وعلى مسالة استقلال دول الخليج وطرح برنامج العمل. وإعادة التخيطيط العسكري عبر طرح مفهوم الثورة الشعبية ونقل الثورة من الارياف للمدن والانتماء للديمقراطية العالمية

    1972

    هزيمة الجبهة الشعبية ( الموحدة) في معركة مرباط وفشل محاولة اغتيال قابوس وانكشاف حلقات التنظيم في الامارات والبحرين

     

    1974

    انتهاء العلاقة مع الصين ودخول الاتحاد السيوفياتي لملأ الفراغ

     

    1974

    عقد مؤتمر الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي

    إعلان الانفصال التنظيمي وتبني القطرية وتشكيل الجبهة الشعبية لتحرير عمان والجبهة الشعبية في البحرين.

     

    مراجع ومصادر

     فلاح عبد الله المديرس: الحركات والجماعات السياسية في البحرين (1938 ـ 2002)، بيروت، دار الكنوز الأدبية، 2004.

     خلدون حسن النقيب: المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية من منظور مختلف، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1987.

     هاني الهندي وعبد الاله النصراوي (محرران): حركة القوميين العرب نشأتها وتطورها عبر وثائقها (1951 – 1968)، الكتاب الأول، ج 1، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، 2001.

     حسين موسى: البحرين النضال الوطني والديمقراطي (1921 – 1981)، الحقيقة برس، 1987.

     عبد الرحمن النعيمي : الاصلاح الاقتصادي والذكرى الأربعون لانتفاضة مارس، 5 مارس 2005،

     

     

     

    حلقة نقاشية حول أفكار وكتابات ومواقف القائد المناضل عبدالرحمن النعيمي (رحمه الله)                                 السبت 14 سبتمبر 2013 – مقر جمعية وعد (أم الحصم)

             

    مقدم الورقة: عباس المرشد

    عنوان الورقة: تحولات النخب السياسية البحرينية

    قراءة في تحولات عبد الرحمن النعيمي السياسية


    [1]  حول مفهوم النخبة والسجال الاكاديمي والتطبيقي له انظر، محمود محمد الناكوع: أزمة النخبة في الوطن العربي، الطبعة الأولى 1989، ص 15و انظر أيضا،علي هلال الدين، ونيفين مسعد، النظم السياسية العربية :قضايا الاستمرار و التغيير (بيروت 2000)، مركز دراسات الوحدة العربية، ص،ص،69،71. عبد الله تركماني، تعاظم الدور الإقليمي لتركيا(مقوماته و أبعاده و مظاهره و حدوده) ،ط1، دار نقوش عربية، (تونس)،2010،ص 249-250

     

    [2]  فؤاد اسحاق الخواري، القبيلة والسلطة في البحرين، ترجمة، مهد الانماء العربي، بيروت، 1983

    [3]  انظر عبد الهادي خلف، بناء الدولة في البحرين المهمة غير المنجزة، ترجمة ، دار الكنوز الادبية، 2004.

    [4]  مفهوم الوسطاء استخدم من قبل نزيه الايوبي في دراسته عن دور الدولة في المجمتعات العربية وقد خلص عبد الهادي خلف لتوظيفه ايضا في بحثه عن عملية بناء الدولة في البحرين، كما لا يخفى توظيف خلدون النقيب له بصور غير مباشرة في بناء نموذج الديمقراطية والقبيلة. لمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع إلى :

    عبد الهادي خلف، بناء الدولة في البحرين المهمة غير المنجزة، دار الكنوز الادبية، بيروت، 2004.

    خلدون حسن النقيب: القبيلة والديمقراطية، دار الساقي، بيروت 1996.

     

    [5]  توما كون، بنية الثورات العلمية، سلسلة المعرفة، المجلس الاعلى للثقافة والفنون بدولة الكويت. كرس كون الكتاب لمفهوم الثورات العلمية، إلا أن «كُون» عالج التوازي والتماثل ما بين الثورتين العلمية والسياسية في هذا الكتاب وتحديدا في الفصل ال9 منه، إن «كون» لم يطرح موضوع التوازي بين الثورات العلمية والثورات السياسية بسطحية التناول التاريخي، ولكن ذهب إلى أعماق الموضوع، وهو ما جعل من نموذجه جديرا بالمناقشة

    [6] - محمد جمال باروت، حركة القوميين العرب، المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، دمشق: 1997، ص 355.

    [7] - فلاح المديرس، الحركات والجماعات السياسية في البحرين 1938- 2002، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 2004، ص47.

    [8] -  انظر: مذكرات عبد الرحمن النعيمي المنشورة في الشبكة العنكبوتية،http://www.alnoaimi.org/calendar.asp

    [9] مذكرات عبد الرحمن النعيمي، م،س

    [10]مذكرات عبدالرحمن النعيمي، م. س.

    [11] -  فلاح المديرس، م. س.، ص 48.

    [12] عبدالله جناحي: الايديولوجيا والهوية في التنظيمات السياسية ، مقالة منشورة في "نشرة الديمقراطي" الصادرة عن جمعة العمل الوطني الديمقراطي،العدد الرابع.

     

    [13] - "أربعة من أقطاب المعارضة البحرينية يتحدثون" مجلة المشاهد السياسي،  السنة الثالثة،العدد 83 أكتوبر1997  نقلا عن:  فلاح المديرس، الحركات والجماعات السياسية في البحرين ، ص 64

    [14]- الأسماء التي تم اقتراحها هي : عبدالرحمن النعيمي وعبدالنبي العكري ومحمد المرباطي. بعد انجاز مسودة "وثيقة التجمع" من قبل كوادر الشعبية تم تشكيل فرق للتفاوض مع عناصر من جبهة التحرير حيث سافر البعض للخارج لعرض الوثيقة على قيادات جبهة التحرير في الخارج وبدأ فريق آخر بتفاوض مع بعض العناصر في الداخل.

    [15]  يجب أن نلاحظ أن هذه الكلمة«Revolution» ذاتها محمّلة بمعنيين مختلفين في ذهن الناطق باللغة الإنجليزية، فهذه الكلمة ذاتها بتركيبتها الإملائية واللفظية قد تطور معناها من الدورة إلى الثورة، وليس الحال كما هو في اللغة العربية، على سبيل المثال، فإن وجدنا «revolution» في الكتب العلمية البحتة وخصوصا الفيزيائية منها نترجمها «دورة»، وان وجدناها في الأدبيات السياسية أو الاجتماعية نترجمها "ثورة" فلا مشكلة في اللغة العربية لأنها تمتلك مصطلحين مختلفين تماما في اللفظ وفي المعنى ولم يتطور هذا المصطلح من معنى إلى آخر . فالثورة في المصطلح الاوربي تحمل بعدا استمراريا تعاقبا لكونه مصطلح منحوت من العلوم الوضعية وبالتحديد من علم الفلك ف«Revolution» تعني العودة مرة أخرى، وأن تسير في تعاقب موجي كما هي الحال في تعاقب فصول السنة أو كما المد والجزر في موجات البحر، من هذا المعنى، أن كلمة «Revolution» قد اتخذت في العلوم البحتة معنى الاتساق التام في التغير، إذ يكون فيها نهاية التغير بمثابة بداية لنسق التغير مرة أخرى وهو المعنى المتأصل في الذهن من دوران الكواكب المتعاقب في مداراتها ، لكننا حينما نترك معنى المصطلح في العلوم البحتة ونتحول إلى معنى المصطلح ذاته في حياة العلوم نجد الأمر مختلفا كليا، وسنجد أن هذا المصطلح سيفقد مزاجه العلمي ويتحول إلى مزاج الثورة السياسية ويترحل بهدوء إلى أدبيات العلوم السياسية، يفضي معناه إلى القطع في الاستمرارية ، والثورة العلمية هي فكرة تعبر بحدة عن شق عميق بين ذلك الماضي القديم المألوف وهذا الجديد المختلف.

    [16]  حول تجربة ظفار انظر مي محجوب    وانظر ايضا فواز الطرابسي

    [17] مذكرات عبد الرحمن النعيمي" فترة السبعينيات والهجمات العسكرية والسياسية لترتيب أوضاع الخليج"

    [18] محمــد كولفرنــي : إشكالية تداول النخب السياسية المغربية التحولات الإجتماعية و النخبة السياسية بالمغرب محاولة لنقد أطروحة الجمود

    [19]  نصر محمد عارف: نظرية النخبة ودراسة النظم السياسية العربية ( الإمكانات والإشكالات) المؤتمر الثالث للباحثين الشباب بعنوان النخبة السياسية للباحثين الشباب، 1996

    [20] نصر عارف، م ،س

    [21]  مع ابراهيم شريف مقابلة صحيفة صحيفة الوسط البحرينية - العدد 1046 - الإثنين 18 يوليو 2005م

    [22] محمد سبيلا: النخبة السياسية والنخبة الثقافية في المغرب المعاصر،في ندوة «النخبة والسياسة والسلطة» التي نظمها «منتدى أصيلة» 2008.

     

     

     

    حلقة نقاشية حول أفكار وكتابات ومواقف القائد المناضل عبدالرحمن النعيمي (رحمه الله)                                

    السبت 14 سبتمبر 2013 – مقر جمعية وعد (أم الحصم)

           

    مقدم الورقة: عباس المرشد

    عنوان الورقة: تحولات النخب السياسية البحرينية

    قراءة في تحولات عبد الرحمن النعيمي السياسية

     

     
     
     
     
     
     

    جميع الحقوق محفوظه © 2017
    لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

    Website Intro