English

 الكاتب:

د. انيسة فخرو

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

كلمة الدكتورة أنيسة فخرو في الحلقة النقاشية حول مواقف وأفكار القائد المناضل عبدالرحمن النعيمي
القسم : الأخبار

| |
د. انيسة فخرو 2013-09-14 10:58:51




 

 

  

أبو خالد.. أبو أمل.. أبو ذر القرمطي.. أبو الجميع

يعجز المرء عن وصف هذه الشخصية الفريدة المتميزة.

 

سعيد سيف.. عبدالرحمن النعيمي.. القامة والمنارة والاستثناء.. شخصية عبقرية وطنية عروبية، أستطاع أن يصنع شبكة عربية من العلاقات المؤسسية مع كافة الفصائل العروبية والقومية، امتدادا من عمان واليمن وفلسطين ولبنان إلى مصر وتونس وصولا حتى المغرب والجزائر وإلى عشرات الدول العربية والأجنبية.

 

تأخذك عيناه الثاقبتان اللتان تسبران أغوار عقلك وروحك.. وتسبقك إلى الحلم، مثلما تسبقه سمعته الثورية وأخلاقه الإنسانية العالية قبل أن تراه، وما إن تراه حتى تأسرك سماحة روحه والتسامي في أخلاقه، والنبالة في تصرفاته وسلوكه.

 

له رؤية ثاقبة لا تخطئ، تنبع من ذكاء فطري، وخبرة طويلة، ومشاركة فكرية ناتجة عن تقبل الآراء من الآخرين ومناقشتها وعدم التقليل من شان أية فكرة مطروحة حتى لو جاءت من طفل، يؤمن  باحترام الآخر، أي كان حتى لو كان عدوه، على الرغم من عدم وجود أعداء شخصيين له بل أعداء فكر وخصوم سياسة.

 

امتدت به سنوات المنفى من الستينات 1968 حتى بداية الألفين 2001، دخلتُ بيته بالمنفى في دمشق لأول مرة في منتصف السبعينيات.. ذلك البيت الذي ما إن تدخله حتى تشعر إنه بيتك.. تغمرك الجدران بالحب والاطمئنان والسكينة على الرغم من مخاطر العمل السياسي السري آنذاك، وتلك الزوجة الحنونة الهادئة الواثقة المعطاء بلا نهاية، تأسرك بهدوئها وبثبات عزيمتها.. تمر المحن عليها وأمام عينيها وكأن القدر عاجز عن ألمسّ بذرة من إيمانها، لا يمكن أن تتحدث عن سعيد سيف.. عن عبدالرحمن النعيمي.. إلا وتكون قرينته مريم النعيمي وسر صموده حاضرة أمام عينيك.. هذه المرأة الأم والرفيقة التي أعطت كل حياتها للوطن الذي يمثله عبدالرحمن النعيمي.

 

ذلك البيت الذي يشعرك بالكرم والمحبة، ويضمك بجناحيه بكل رأفة، ويقاسمك الرغيف، بل ويقّصر على نفسه من أجلك، يُقدم إليك أفضل ما لديه من ضيافة قبل أهله وأطفاله.

 

يعجز المرء عن ذكر صفات المناضل سعيد سيف وسماته ، لكن أهم ما كان يميزه، تلك المرونة اللامتناهية.. المرونة الفكرية والعقلية التي تسمح بالاختلاف مع الآخر، وتقبل الرأي الآخر بكل أريحية وشجاعة، هذه الشجاعة التي تجعله لا يتردد في الاعتراف بالخطأ ولا يساوم أو يهادن أو يتراجع عن الأمور المبدئية، ولا يمكن أن يحيد عن الحق والمثل النبيلة مهما كانت النتائج وخيمة.

 

كان يعتبر كل رفيق ورفيقة ابن وابنة له، لا يبخل على أي أحد بالمعرفة والعلم.

ومن أهم صفات المناضل عبدالرحمن النعيمي ذلك المزيج من التواضع المذهل مع الكبرياء الشامخ، هو خريج الجامعة الأمريكية تخصص الهندسة بامتياز، علم وذكاء، هو من عائلة معروفة حسبا ونسبا، هو يمتلك حب الناس واحترامهم، كان من الممكن أن يتبوأ أعلى المناصب ويكون من الأثرياء جدا، لو انه هادن أو استكان، لكنه رقم صعب لا يباع ولا يُشتري، لذلك فضّل الخيار الأصعب، فضل الوطن على نفسه وعلى كل هذا وذاك. بَذل الغالي والنفيس من أجله، وقدم الكثير من التضحيات من أجل البحرين وشعبها.

 

رجل حالم.. عاش من أجل تحقيق حلم العدالة الاجتماعية في وطنه البحرين، من أجل نهضة الوطن ورفعته، عاش الحلم حتى آخر لحظات حياته.. فحينما شاهد كيف تمتد جزر أمواج مخضرة جميلة في الأفق، قال: " من الممكن أن يكون كل حي وكل منطقة في البحرين كجزيرة أمواج". أراد البحرين كلها كجزر أمواج. فهل يمكن أن يتحقق الحلم؟

 

رجل شهم محب صادق.. يواجه الآخر كما يواجه نفسه.. لا رياء ولا تصغير ولا استهزاء. أذكر عندما رشحت في الانتخابات النيابية عام 2002 عن الدائرة السابعة في عراد، وكنت المرأة الوحيدة بين سبعة رجال من المرشحين والذين لدى كل واحد منهم منصب لا يقل عن رئاسة جمعية أهلية أو إدارة أعمال تجارية أو إمامة في مسجد، وحصلت على حوالي 900 صوت ونلت المرتبة الثالثة في الأصوات تقريبا بعد الشيخ عبدالرحمن عبدالسلام والأخ عثمان شريف، وكان عبدالرحمن النعيمي آنذاك قد رجع إلى الوطن قبل عام فقط من المنفى، وأصبح الأمين العام لجمعية العمل الديمقراطي ( وعد) التي قاطعت الانتخابات آنذاك، لم يعاتبني لترشيحي، بل هنأني قائلا: "أثّبتي جدارتك في الانتخابات، كما أثّبتي من خلال ترشيحك دور المرأة ومكانتها بين الناس والمجتمع".

 

وعندما قدّمتُ نفسي للترشيح في الانتخابات النيابية عام 2006 وكان موقف الجمعية آنذاك المشاركة في الانتخابات، وتم ترشيح الأخ سامي سيادي في الدائرة الانتخابية نفسها ممثلا عن الجمعية، طلب مني عبدالرحمن النعيمي رحمه الله شخصيا التنازل عن الترشيح من أجل فوز مرشح الجمعية واعداً إياي أن تقف الجمعية بجانبي لو أردت الترشح في الانتخابات عام 2010، فأجبته دون تردد: أنت تأمر يا أبا خالد، لم تطلب مني طوال معرفتي بك أي طلب، فكيف أرد لك هذا؟

 

كنت ومازلت أقيس الرجل بنظرته وسلوكه مع المرأة، وطوال معرفتي بالمناضل عبدالرحمن النعيمي التي دامت أكثر من ثلاثة عقود لم تعترني لحظة واحدة من خلال تعاملي الطويل مع هذا الإنسان الرائع والجميل أية نظرة دونية من جانبه، بل كل الاحترام والتقدير والمحبة، وكذلك بالنسبة لجميع النساء اللواتي عرفنه، نعم كانت المرأة بالنسبة إليه في مكانة مقدسة سامية، يعاملها كأخت وابنة وأم وزوجة ورفيقة.

 

رجل الرؤية والحكمة يضع أمام عينيه المقدمات التاريخية والجغرافية والاجتماعية والاقتصادية من أجل الوصول إلى التحليل السياسي الصائب لكل مرحلة ولكل وضع في أي بلد عربي أو أجنبي.

رجل أصيل ذو مواقف مبدئية، لا تفكك ولا تشتت ولا تناقض.. فمثلما وقف ضد ادعاءات إيران للمطالبة بالبحرين، ومع عروبة الجزر الإماراتية المحتلة من قبل إيران،  وقف أيضا مع عدم تحميل الشماعة الإيرانية أخطاء النظام.

 

عمل على وحدة العمل الوطني وتجميع القوى وتوحيد الجهود الوطنية وخاصة بين أخوة النضال التاريخي.. القوميين العرب، والجبهة الشعبية، وجبهة التحرير الوطني البحراني.

 

وقف في كل الظروف التي مرت عليه في حياته مواقف مبدئية لا حياد عنها.. ضد الفساد وضد الرشوة والسرقات، وفضح الأصابع السوداء التي تعمل على سرقة ونهب ثروات الشعب والوطن.

وقف طوال حياته ضد الشكليات والديمقراطيات المزيفة، وضد القمع والكذب والمماطلة، وفضح المخططات الرجعية المحلية والخطط الاستعمارية الأجنبية لزرع الفتنة الطائفية والشقاق بين طوائف الشعب الواحد.

شخصية وطنية يجمع على حبها كل الناس.. وكل الطوائف.. شخصية إنسانية غير طائفية تنظر إلى الوطن والناس بعين المواطنة الحقيقية.

 

شخصية محنكة سياسيا وفكريا وثقافيا.. أعطى بلا حدود، ودفع ضريبة كل ذلك العطاء من دمه وأعصابه، ودفع حياته ثمن لمواقفه الجريئة والشجاعة.

كم نفتقدك يا أبا خالد، وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.

 

نعم كم نحن بحاجة إليك وكم يحتاجك الوطن في مثل هذه الظروف العصيبة والقاسية التي يمر فيها.. كم نحتاج إلى مواقفك الرصينة وآرائك الصائبة، وإلى ثباتك على الحق وصلابتك على المبادئ الإنسانية النبيلة التي كنت ومازلت تمثلها.

 

هنيئا لك حب الناس، وهنيئا للبحرين إنها أنجبت ابنا بارا لها ولشعبها الكريم.

 

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro