English

 الكاتب:

عبدالله الحداد

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الاستبداد الشرقي
القسم : المقالات

| |
عبدالله الحداد 2013-05-13 00:53:13


الاستبداد الشرقي

1-

شغل موضوع الاستبداد عدة مفكرين، من بينهم عبدالرحمن الكواكبي الذي كتب كتابه الشهير" طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" فكان واضحا في اسبابه وركز كثيرا على عدة محاور اولها استغلال السلطات للدين ووعاض السلاطين لشرعنة جرائمه وعدم الخروج على السلطان، ثم علاقة الاستبداد بالمجد والفساد المالي والإدارة الاستبدادية وابراز بعض العقلاء في المراتب والمناصب ليذوقوا عسلية المجد فيصفوا مع السلطة الاستبدادية . وكما بين دور المال في تعزيز الاستبداد والسكوت عنه. ثم علاقته مع الأخلاق منتهيا الا انه لا يمكن أن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم واخيرا علاقة الاستبداد بالترقي. محاولا في بعض الفصول كيف تمكن الغرب من انتشال نفسه من الجهل ونهج العلم ليحاسب السلطات في الأجهزة المدنية التي تحكم السلطان ولا تسمح ببطشه على الاطلاق.

2-

كما أن مفكرين آخرين قبله استلفتهم نظام الاستبداد هذا فطرحوه في شذرات كتبهم وهموا بدراسته وشرح قانونه مثل ماركس وانجلز حينما تصديا له وسمياه "نظام الاستبداد الشرقي" من خلال النظرية الاشتراكية العلمية التي اشتهرا بها.

 ماركس وجد هذا النظام مختلف ومميز في سيرورته عن قوانين السيرورة التاريخية للمجتمع الأوربي. فالشرق مختلف كما وجده في الغرب، لكنه لم يكمل دراسته كما ينبغي في ماديته التاريخية التي التزم بها والتي وصفها بأنها البناء الفوقي للاقتصاد والثروة والانتاج. لقد هاله أن يكون الحاكم اقوى من الطبقات أو هكذا تبدى له، وتعجب من قدرة "السلطان او الخليفة أو الوالي"  الفائقة على قطع الأعناق دون رد فعل، وفي ذات الوقت تعجب من سحره العجيب لفئة المثقفين وجذبهم له بالرغم من استبداده بهم. لقد احب الشعراء والمثقفين ملازمة المستبد وتغزلهم فيه وجريهم لرضاه والمبالغة في الخوف من بطشه. وجده في هذه الدراسات الفرد المستبد المتقطرس الآمر الناهي في المجتمع وفي الدولة المترامية الأطراف. مجتمع قابل منصاع  مذلول عاجز عن رده.

فلماذا لم يخضع الاستبداد للقانون المادي القائل " كل فعل له رد فعل يساويه في القوة ويخالفه في الاتجاه" اليس كل فعل يحمل نقيضه وكل  كينونة تحمل في احشائها نفيها والقضاء عليها؟ أليس القانون المادي العلمي  للمادية التاريخية تقول ذلك، فكل شيئ ونقيضه أو نفيه يولدان معا ويتصارعان داخل تلك الشرنقة. لقد وجد أن الاحزاب المقاومة للاستبداد هي النقيض النافي له،  محاولة منها لاقامة العدل بالقسط لكنها في الشرق تتلوث بالاستبداد حتى تنقل أمراضه لأفراد الحزب فالأمة.

 هكذا قامت الحركات داخل الدولة الجاهلية حتى اختتمت بمجيء الاسلام وهكذا بدأت الصراعات داخل الدول والدويلات الاسلامية، فما جاءت الدولة الاسلامية العباسية الا على انقاض الدولة الأموية وما برزت الدول والدويلاتت الا نفيا لاستبداد قائم وإن اتخذت ايديولوجيات وعصبيات قومية تستقوي بها للحشد والتعبئة والتحريض. وهو الذي استخدمته كافة الحركات بلا استثناء وبغض النظر عن وصف المؤرخين الذين إذا ما استحسنوها سموها ثورة وإذا تعارضوا معها وكرهوها سموها شعوبية!

3-

كل كيان جنيني مقاوم استخدم الحزب كأهم أدواته لحسم الصراع، فالحزب هو الكينونة التي يتجمع فيها صفوف المعارضين والعصبة أو الجماعة مكافحة أو مستغلة استبداد الدولة وعدم مساواتها وعصرها لشعبها أو أمتها. لقد رأينا في ا"خوان الصفا" في الدولة العباسية واحدة من الحركات الحزبية السرية التي استخدمت الدعاية والتحريض لتسحق المستبد وتضع اسس دولتها ورأينا في القرامطة وحركة الزنج وثورة العبيد في اوربا كيف قاوموا الاستبداد، ولكن المحصلة أن كل مستبد منحل يجلس محله مستبد سائد وهكذا.  فالدول المستجدة تعيد الاستبداد بشكل جديد وضد ذات القوم والطبقات وفئات الشعبية الا من رحم ربي.

ولكل حزب إيديولوجية على اساسها يحلل مفهوم الظلم وأشكاله والمجتمع الذي يحلم به وداخل بوتقته يتآخى مع مناصريه، لكنه بعد أن يسيطر ينقلب على المجتمع وعلى رفاق دربه خوفا منهم أو لأنه ينفرد بالسلطة فيحاربوه. فالبشرية حين تنتفض إنما لهدف تحقيق العدالة والمساواة فإن فقدت اعادت انتفاضتها مرة أخرى. هكذا يتشكل التاريخ ويستمر.  وبالطبع كل حزب يحبط وينهزم يتمسك بالحنين والرفاق وعذابات المنافي ومواويل وغناء الأمل والأحلام التي تداولها حسرة أو محاولة لعودته لينشط نفسه من جديد لاجئا لأفضل العقول وأكثرها جرأة وأكثرهم فطنة وبديهية وسرعة. فيشد بعضه بعضا حتى يحقق ما عجز عنه في الكبوة الأولى أو الأخيرة.

مثلما لكل دولة قائمة أو بائدة معذبوها ودكتاتوريتها الذين تصورا أنهم دائمين مؤبدين ويعتقدون أن جيشهم لا يهزم وسجونهم مخيفة لا يجرأ أحدا على فعل ما يغضب الدول، وأن مخابراتها شرطتها ستحميهم، يفاجئون في النهاية أن عروشهم تنهار بأسرع ما توقعوا. لكن الدولة المستجدة تعيد تشكيل السجون وتهيئ كثيرين منها ليكونوا "عشماوييها الجدد" فيحدث الصراع من جديد.

لقد وجدت الحضارة الانسانية أن الديمقراطية هي افضل الأنظمة واكثرها استقرارا واكثر تقبلا لدى الشعوب. فالشعب رسم دوره وحدد ورقابته المستمرة ومحاسبته لممثليه اذا ما خانوا العهد والدفاع عن مصلحة وامواله. حتى عحز المستبدون من النهوض مرة أخرى في الدولة الديمقراطية الحقيقية.  

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro