English

 الكاتب:

عبدالنبي العكري

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

التصحر السياسي والتصحر الطبيعي
القسم : المقالات

| |
عبدالنبي العكري 2013-04-22 00:03:05




ترتبط الصحراء بالقحط وقسوة الحياة وشظف العيش، وندرة المياه وبالتالي ندرة الحياه الخضراء و التي هي متطلب أساسي لقيام الحضارة وفي قلبها المدن، والتي هي الحاضنة للعمران والرقيّ وللنظام السياسي المستقر بكافة تجلياته ومنه النظام السياسي الديمقراطي. لذلك لم تعرف الصحاري سواء في جزيرة العرب أو الصحراء الإفريقية الكبرى أو صحراء وسط آسيا أو صحراء الصين مثلاُ، بروز مجتمع مدني مستقر ولم تنتج بالطبع مجتمعاً سياسياً ديناميكاً،  والإسلام الذي ظهر في الجزيرة العربية على يد الرسول (ص) إنطلق من مدينتي  مكة والمدينة، وارتد عليه أعراب البادية بالمقابل فإن الحضارات الأولى قامت على ضفاف الأنهار من اليانجستي في الصين الى السند والكنج في الهند فالرافدين في العراق والنيل في مصر فالراين والدانوب في أوروبا و على ذلك ليس غريباً أن يشكل أول نظام ديمقراطي في المدن اليونانية قبل آلاف السنين، لتشع على أوروبا والعالم وتعرف اليونان بمهد الديمقراطية.

هناك مفارقة وهو أن النفط أكتشف في صحراء الجزيرة العربية والصحراء الكبرى الأفريقية (ليبيا والجزائر) وترتب عليه قيادة مدن مصطنعه أسماها الروائي الكبير عبدالرحمن منيف مدن الملح، وبالفعل فان قيامها وبقاؤها مرتبط بالنفط وأهلها يعيشون من  وراء عوائد النفط، لذلك معظم سكان مدن النفط خليط عجيب من المواطنين والأجانب، لا يشكلون مجتمعاً متجانسا بل هم متجاورون ومتعايشون وليسوا مندمجين.

وقد قيض لدول النفط العربية، أسر حاكمة ممتده، إستمدت قوتها وشرعيتها إستنادا للمبدأ المعروف، سيف المعز وذهبه. لذا وبغض النظر عن تعرجات الحياة السياسية فإنها متصحرة كتصحر البلاد، أي انها  قحط  وخالية من الحيوية والتنوع والإبداع، إن سكان المدن هذه أقرب إلى الرعايا منهم إلى المواطنين. وقد كرست الدولة الريعية النفطية روح الإتكالية على المكرمات والهبات على حساب الحقوق، والتعاضديات القبلية والمذهبية والمصلحية بديلاً للتحالفات السياسية والمجتمعية.

 

هذا لا يعني إستحاله إزدهار الحياة السياسية في دول ومدن الصحراء، فقد تغير الزمان، و انتشر التعليم والوعي  والمجتمعالسياسي و المدني فيها، لكنه يتطلب  تغييرا عميقا في  العقلية.

 

النخب الحاكمة، وتعاضديات المجتمع صعب جداً.

ولنأخد مثلاً من واقعنا البحريني، فعندما كانت البحرين بلد المليون نخلة، والخضرة على مدى النظر، وعيون الماء تتدفق والسواقي تنساب، والسواحل الرملية مفتوحة، كانت الناس أكثر سعادة رغم فقرهم. وكانوا أكثر تسامحاً وتحضراً وديمقراطية في علاقاتهم. صحيح  أن النظام إستبدادي لكنه غير متوحش في استبداديته مثل الآن، لأن في ذلك الوقت فقد كانت النخب الحاكمة أكثر إلصافاً بالشعب.

 

الأن وقد إحتلت غابات الإسمنت غابات النخيل، وجرى عمداً قطع المياة عن المزارع لتتحول إلى أراضي قفراء، وبدل النسيم العليل تلفحنا الرياح اللاهب,فقد أضحى الناس يكافحون الحر بالتكيف في كل مكان في البيت في السيارة في المسجد في النادي، وأضحوا أكثر انعزالا   في غرفهم المكيفة، وضعفت الروابط الاجتماعية وتعرزت الذاتيه والانانية، واضحى الناس أكثر ضيقاً في النقاش وتصلباً في التعامل مع بعضهم البعض ودخلنا مرحلة التصحر السياسي، حيث السلطة أكثر استبدادية، والمجتمع أقل تسامحاً، والاستقطاب على أشده  .

بالطبع فإن إعادة تأهيل الدولة والمجتمع للديمقراطية لا يتطلب تمدين الحياة السياسية بل يتطلب أيضاً إعادة تأهيل البنية لتعود البحرين خضراء .

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro