English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

كلمة الأمين العام إبراهيم شريف في المؤتمر العام السادس
القسم : الأخبار

| |
2012-10-18 21:52:43




الأخوة والأخوات رؤساء ومسئولي الجمعيات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني،،،

ضيوفَنا الأفاضل من دول مجلس التعاون الخليجي وعبر الحدود إلى أشقائِنا العرب

الرفاق والرفيقات أعضاء جمعية العمل الوطني الديمقراطي "وعد"

اسعدَ الله مساءَكم جميعا... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

السلامُ والرحمةُ على أرواحِ شهدائنا الذين استشهدوا من أجل أن نحيا ... وعلى أرواحِ المناضلينَ الذين ضحَّوا بأغلى ما عندهم من أجلِ أن نعيشَ في حريةٍ وكرامة..السلام على جرحانا وعلى معتقلينا وعلى الذين ضحَّوا من أجلِ وطن لايرجف فيه الأمل.

 

كان يفترض أن يقف أمامَكم قامةً باسقةً بحجمِ قامةِ الأمينِ العام رفيق دربي ودربكم إبراهيم شريف السيد الذي يخفق قلبه من وراء القضبان ليُسهِمَ في نجاحِ مؤتمرِكم. طلبت منه أن يكتبَ كلمةَ المكتبِ السياسيِّ بصفتِه أميناً عاماً لجمعيةِ وعد..وكعهدي به لم يتردد ولم يتوانى أو يتقاعس عن أداءِ الواجبِ الحزبيِّ والوطني...وهذه كلمته التي تزيدُنا شرفاً وتمسُّكاً بمبادئِنا.

 

أُحيّي ضيوفَنا الأفاضل في الجمعيات السياسية، وأشقائنا الضيوف من دولِ مجلسِ التعاون الخليجي...وأحيّي أشقاءَنا العربَ الذين رفضت السلطاتُ منحَهم تأشيراتِ دخولٍ لحضورِ هذا المؤتمر كما فعلت عندما منعت العشراتِ منهم في الذكرى الأولى لوفاةِ المناضلِ الأبِ الروحيِ لجمعيةِ وعد المرحوم المناضل عبدالرحمن النعيمي.

 

أحييكم وأحيي من خلالِكم كلَّ المواطنين الذين لم يتخلوا عن الأملِ منذ الرابعِ عشرَ من فبراير المجيد، ولم ينسحبوا من الساحاتِ والميادين، ولم يستسلموا للخوفِ من قبضةِ السلطةِ وبطشِها، ولم يقبلوا أن يستبدلوا بحريتِهم ذُلَّ المكرماتِ والوعودِ الكاذبة ... أحييكم في مؤتمرِ الحزبِ وأستميحكم أن أشاركَكُم بعضَ الآراءِ والأفكارِ للمساهمةِ في الحواراتِ التي ستدوُر بينكم في المؤتمر.

 

أولاً: فيما يتعلق بأحداثِ شهري فبراير ومارس 2011

1. بعد نجاحِ الثورة التونسيةِ واندلاعِ المصريةِ بادرنا في "وعد" بإجراء اتصالات لجمعِ كلمة الجمعياتِ السياسيةِ المعارضة التي لم يكن بعضُها على وئامٍ بسببِ الخلافات الناشئةِ عن انتخابات 2010 النيابية. وتمكنا من الاجتماعِ في "وعد" وعملِ أنشطةٍ مشتركةٍ احتفاءً بالثورتين التونسيةِ والمصريةِ وإصدارِ بيانٍ مشتركٍ بمناسبةِ مرورِ 10 سنوات على ميثاقِ العملِ الوطنيِ أكدنا فيه مطالِبَنا بإصلاحاتٍ دستوريةٍ جذريةٍ وحكومةٍ منتخبةٍ وبرلمانٍ كاملِ الصلاحيات.

 

2. بعد دراسةِ الوضعِ السياسيِ والفرصِ الجديدةِ التي أتاحها الحراكُ الثوريُّ في المنطقةِ العربيةِ قررت اللجنةُ المركزيةُ في اجتماعها بتاريخ 12 فبراير دعمَ الحراكِ الذي أطلقه "شباب 14 فبراير" والذي جاء في بيانٍ دعا إلى تحركاتٍ احتجاجيةٍ واسعةٍ في ذكرى الميثاق. وقد جاءت مطالبُ الحراكِ الشبابيِّ مشابهةً لمطالبِ الجمعياتِ السياسيةِ المستندةِ على مبدأِ المَلَكيةِ الدستوريةِ الديمقراطية. وبعد اندلاعِ الانتفاضةِ انتظمت اجتماعاتُ الجمعياتِ وأصبحت القراراتُ المهمةُ تُتَّخَذ كلَّ يومٍ فيما يشبهُ غرفةَ عملياتٍ مشتركة.

 

3. منذ اليومِ الأولِ كان التطبيقُ الفعليُّ لشعار "السلمية" أمضى أسلحةَ الانتفاضةِ وأكثرَها تأثيراً على الرأيِ العام، وقد التزمَ به الشبابُ حتى عندما كانوا يتلقونَ الرصاصَ ويُقتلُ رفاقُهم أمام عيونِهم. ولمدةِ شهرٍ كاملٍ ظل العنفُ محصوراً تقريباً في طرفٍ واحدٍ هو النظامُ بمؤسساتِه الأمنيةِ والعسكرية. ولم يتعرض الآسيويونَ والمقيمونَ والمواطنونَ من الفئاتِ غيرِ المشاركةِ في الاحتجاجاتِ لأي اعتداءٍ أو أذى إلى أن تم إطلاق يدِ البلطجيةِ والجماعاتِ المسلحةِ والملثمةِ التابعةِ لجهاتٍ أمنيةٍ وعسكريةٍ وغيرِها قبلَ أيامٍ من الحملةِ القمعيةِ الشاملة.

 

4. تحوّلت المطالبُ الإصلاحيةُ التي حملها البيانُ الأولُ المنشورُ على صفحةِ الـ Facebook  المسماة "ثورة 14 فبراير في البحرين" إلى مطالباتٍ بإسقاطِ النظامِ بعد استشهادِ عددٍ من المواطنين بين 14 و 18 فبراير، وتحوّلت مشاعرُ الغضبِ جرَّاءَ القتلِ العمدِ بدمٍ باردٍ إلى رغبة ٍعند كثيرٍ من المحتجين إلى قطيعةٍ نهائيةٍ مع نظامِ الأسرةِ الحاكمةِ منذ 230 عاماً. ومع مضي الوقتِ تبلورت لدى بعضِ قوى المعارضة فكرةُ إقامةِ نظامٍ جمهوريٍ بديل.

 

5. كانت القوى الشبابيةُ الثوريةُ ومعها قوى المعارضةِ المقاطعةِ للانتخاباتِ النيابيةِ أسرعَ إدراكاً من الجمعياتِ السياسيةِ المعارضةِ في اقتناصِ الفرصةِ التي أتاحها الربيعُ الثوريُ العربي، لكن الاندفاعَ الثوريَّ الذي كان مهماً لإطلاقِ الحراكِ في الوقتِ المناسبِ كان نفسُه عائقاً في حسابِ موازينِ القوى بشكلٍ واقعي. بالنسبة لنا ولأغلبِ الجمعياتِ المعارضةِ كان الوضعُ كالتالي: من ناحية كانت رياحُ التغييرِ العربيةِ والحماسِ الثوريِ للشبابِ وقطاعاتٍ واسعةٍ من المواطنين بالإضافة إلى الاهتمامِ والتعاطفِ الدوليِّ تصبُّ في صالِحِنا ... ومن ناحيةٍ أخرى كانت قدرةُ النظامِ على رصِّ صفوفِه وتوسيعِ قاعدتِه الشعبيةِ وسطَ طائفةٍ من المواطنين وتماسُك قواتِه العسكريةِ والأمنيةِ ووجودُ وفرةٍ ماليةٍ بسببِ أسعارِ النفطِ المرتفعةِ والدعمِ الخليجيِ تصبُّ جميعُها في صالِحِه. وكان رأيُنا أنَّ كفةَ النظامِ كانت مرجحةً إذا نشبت معركةٌ فاصلة. لذلك كان من الضروريِّ ألا تدفعَ تكتيكاتُ المعارضةِ الميدانيةِ إلى منحِ المبرراتِ للسلطةِ لتصفيةِ حسابٍ مع الانتفاضةِ بحُجةِ الحفاظِ على الأمنِ والسلمِ الاجتماعي. ولكن مع الأسف لم تشاركنا بعضُ قوى الحراكِ الثوريِّ هذا الرأيَ واعتقدت مُخطئَةً أن النظامَ يلفظُ أنفاسَه الأخيرة، ورأى البعضُ أن مشروعَ الجمعياتِ المعارضةِ ما هو إلا طوقُ نجاةٍ لنظامٍ يوشكُ على السقوط.

 

6. إن ما قيلَ أنَّ المعارضةَ فرَّطت في فرصةٍ تاريخيةٍ عرَضها وليُّ العهدِ في مبادرتِه لا يصمدُ للفحصِ الدقيق. فقد وصلت دعوةٌ من وليِّ العهدِ في 1 مارس وُجهت إلى حوالي 40 جهةٍ سياسيةٍ ومدنيةٍ لحضورِ مؤتمرِ حوارٍ وطنيٍّ دون أيِّ تفاصيل. وأرسلت الجمعياتُ ردَّها في 3 مارس وحددت مجموعةً من النقاطِ تتعلقُ بخلقِ بدايةٍ مناسبةٍ للحوارِ ودعت الحكومةَ إلى قبولِ مجموعةِ مبادئَ منها انتخابُ جمعيةٍ تأسيسيةٍ تضعُ الدستورَ ومبدأَ الحكومةِ المنتخبة، وطالبت بوضعِ آلياتٍ محددةٍ للحوارِ وبرنامجٍ زمني. وكانت الجمعياتُ تخشى دخولَ حوارٍ دونَ أسسٍ معلومةٍ أو مبادئَ مُتفقٍ عليها مسبقاً. وقد رأت الجمعياتُ أن مُقترحَ الجمعيةِ التأسيسيةِ لوضعِ الدستورِ سيحلُّ إشكالاتٍ كثيرةٍ منها كيفيةُ حسمِ الخلافِ على طاولةِ الحوار. وفي 13 مارس صدرَ ما سميَّ "بمبادرةِ ولي العهد" حيث أشارَ البيانُ إلى أن "وليَّ العهدِ يقبلُ مناقشةَ الموضوعاتِ التالية في الحوار، وحدد سبعَ نقاطٍ من بينِها "برلمانٌ يتمتعُ بسلطاتٍ كاملة" و"حكومةٍ تمثل إرادةَ الشعب" ودوائرَ انتخابيةٍ عادلة. ومن الواضح من صيغةِ البيانِ أن هذه المبادرةَ لم تكن إعلانَ مبادئ بل مجردَ جدولِ أعمالٍ للمناقشة، لذلك كان من السهلِ على النظامِ التحلُلَ من هذا البيانِ بمجردِ إعلانِ حالةِ السلامةِ الوطنية، وهو ما حدثَ بالفعلِ حين شاركت الجمعياتُ المعارضةُ في مؤتمرِ الحوارِ الوطنيِ الذي عقد في يوليو 2011، ولم يكن سوى محاولةً سمجةً لتمريرِ ترقيعاتٍ دستوريةٍ تحت يافطة "التوافق الوطني".

 

ثانياً: حملات القمع والاعتقال والتعذيب والمحاكمات الجائرة:

1. لن أتحدث عن تفاصيل هذه المرحلة التي امتدت منذ 17 مارس 2011 إلى يومنا هذا والذي سقط ضحيتها عشرات الشهداء ومئات الجرحى ودخل سجون السلطة ألوف المعتقلين كما قطعت أرزاق ألوف آخرين فصلوا من أعمالهم. أنتم تعرفون تفاصيل هذه الأحداث فقد مسّت كل واحد منكم أو مسّت عزيز عليكم. لكنني سأوجز تجربتي الشخصية حول المحاكمات التي جرت لي ولعدد من الأخوة أراد النظام أن يضعنا جميعاً في سلة واحدة.

2. في البدء يجب أن أعترف بأنني سعيد بوجودي مع ثلة من أفضل المناضلين وأصلحهم، قضي أغلبهم سنوات طويلة في السجون أو المنافي. إنهم وغيرهم من المناضلين زينة الوطن وأحد أسباب هذا الصمود الأسطوري لشعبنا.

 

3. الحقيقة التي يعلمها الجميع هي ان التحالف من أجل الجمهورية يضم ثلاث جهات هي "حق والوفاء وأحرار البحرين"، وإن أغلب أفراد مجموعتنا المتهمة، وهم في الأصل 21 متهماً، ليسوا على علاقة بأي من هذه الحركات المناضلة. لكن النظام كان يريد الانتقام من أفراد معينين، وإخافة آخرين، ومحاولة إظهار الموضوع على أنه مؤامرة كبرى للإطاحة بالنظام وإقامة نظام جمهوري باستخدام القوة وبالتعاون مع إيران. وقد أثبتت اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق إنه لا توجد إثباتات لتورط إيراني في البحرين، كما أن المعلوم من محاضر التحقيق إن حزب الله لم يؤيد نظام جمهوري في البحرين بل نصح بالتمسك بمشروع الملكية الدستورية.

 

4. التهم والمحاكم كانت محاكم تفتيش في الأفكار تعتمد أساساً على أقوال شهود من جهاز الأمن الوطني ادعوا أن لديهم "مصادر سرية" أخبرتهم بأن هؤلاء الـ 21 متهماً كانوا يتآمرون على قلب نظام الحكم بالقوة ويجتمعون سراً لذلك ويُقسمون الأدوار والمهام بينهم. ولأن القضاء على ما تعرفونه، فإنه لم يطلب أية اثباتات على هذه المؤامرة المزعومة، لأنه لم توجد مثل هذه الاثباتات أصلاً. وفي قرار محكمة الاستئناف الأخير الذي أيد الأحكام السابقة اعتبرت المحكمة ان اعتماد "أية وسيلة غير مشروعة" هو إرهاب، وإن "تنظيم المظاهرات الشعبية وتسييرها كأداة ضغط على الحكومة "هو عمل من أعمال العنف" وكما ترون أيها الأخوة فإن هذا التعريف يضعكم جميعاً ومعكم عشرات الألوف الذين شاركوا في الانتفاضة أو حضروا دوار اللؤلؤة في مصاف الإرهابيين.

 

5. الحقيقة التي يجب أن يدركها القضاة وأصحاب القرار أن الأفكار لا يمكن اغتيالها أو اعتقالها، ولا يمكن هزيمتها في محاكمهم. لذلك عاشت فكرة غاندي حول اللاعنف والمقاومة المدنية حتى عندما اعتقل وبعد ان توفى. وقد التزمنا كحركة معارضة موقفاً أخلاقياً ضد العنف واعتبرنا ان وسيلتنا في التعبير هي من نفس جنس أهدافنا الانسانية. وقد كان المهاتما غاندي بليغاً في قوله "أنا مستعد للموت من أجل قضايا كثيرة، ولكن يا أصدقائي، ليست هناك قضية واحدة تستحق أن أَقتُل من أجلها". وليس من الغريب أن يقوم نظام، يستمد سلطة لا من شرعية صناديق الاقتراع ولكن من احتكاره للقوة والسلاح – بإتهام خصومه بالعنف، فهو كما يقول المثل: "يرى الناس بعين طبعه". وقد سبق للنظام كيل نفس التهم لقادة وطنيين آخرين منهم المناضل عبدالرحمن الباكر ورفاقه الذين اتهموا "بمحاولة اغتيال الحاكم" و"محاولة نسف قصر القضيبية" وغيرها.

 

ثالثاً: فيما يتعلق ببعض القضايا المطروحة في الساحة:

1. الأمن أم العدالة والحرية: يقولون الأمن أولاً، ونقول: هذا شعار يرفعه الظالمون لأنهم يريدون بقاء حكمهم. يقول مارتن لوثر كنغ قائد حركة الحريات المدنية في أمريكا: لسنا بحاجة إلى حلفاء يكرسون أنفسهم للأمن أكثر مما يكرسونها للعدالة ... ويتحدثون بتعالٍ عن الموعد الذي يناسبهم لنيل حريتنا ... إذا كانت أفعالنا تغضبهم وتبعدنا عن صداقتهم المزعومة، فإنهم ابتداءً لم يكونوا أصدقاء حقيقيين". الشعوب التي تؤمن بأن الأمن فوق كل شي لا تخرج لتطالب بحريتها.

 

2. العنف والممارسات الضارة بسمعة الانتفاضة: من المؤسف قيام بعض المنتمين إلى المعارضة بممارسات تؤدي ـ دون داع ـ إلى إلحاق الضرر بالعلاقة مع الأصدقاء والحلفاء المحتملين وسمعة الانتفاضة والمعارضة، وتساهم في توحيد صفوف النظام وتوسعة قاعدته. إن جميع أعمال العنف مرفوضة من الناحية الأخلاقية ولا يوجد لها مبرر من الناحية العملية لأن العنف هو ساحة السلطة المفضلة والرد بالعنف من قبل المحتجين يُساوي في نظر العالم بين الجلاد والضحية.

 

3. اتحاد بين الشعوب لا بين الأنظمة: الذين طرحوا الاتحاد الخليجي أرادوا الهروب من استحقاق الإصلاح والمواطنة المتساوية في البحرين. ومثل هذا الاتحاد بين الأنظمة لن يسفر عن شيء ذي معنى ما لم يكن اتحاداً بين الشعوب يقوم على أساس حكم ديمقراطي في كل قطر وبرلمان اتحادي منتخب. التضامن المطلوب اليوم هو تضامن بين شعوب الخليج العربي. الذين صمتوا أو أيدوا انتهاكات حقوق الإنسان ليسوا جديرين بالحديث عن وحدة الخليج العربي. ان  وحدة الحكام موجودة في شكل مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ أكثر من 30 عاماً ولم يغنهم مجلس الشيوخ هذا عن تواجد الأساطيل الأجنبية لأنهم لا يملكون مشروعاً للوحدة بل مشروعاً للبقاء في السلطة.

 

4.العامل الخارجي والعامل الداخلي:

الأصل في نجاح كل ثورة أو حركة إصلاحية هو رجحان موازينالقوى في الداخل لصالحها، ولكن من المشروع والمفيد الحصول على دعم وتأييد أحرار العالم والمنظمات غير الحكومية والإعلام والرأي العام الدولي لعدالة موقفنا يمنحنا دفعة معنوية كبيرة، ورغم ان الولايات المتحدة ودول الغرب عموماً أبدت تعاطفاً مع مطالبنا الإصلاحية، فإن من الوهم الاعتقاد ان الولايات المتحدة ستضحي بعلاقاتها الإستراتيجية مع منظومة دول مجلس التعاون، أو بصفقاتها من الأسلحة التي بلغت 66 مليار دولار العام الماضي من أجل عيوننا. من المرجح ان تستمر أمريكا وبريطانيا وغيرها في ممارسة الضغوط "الناعمة" التي تدعو للإصلاح والحوار دون أي ضغط أو عقوبات، فبذلك تحتفظ هذه الدول الكبرى بعلاقاتها الإستراتيجية والاقتصادية مع "الحليف" الحكومي وفي الوقت نفسه على علاقات غير عدائية مع المعارضة. إنها القصة القديمة التي نعرفها عن السياسة الخارجية الأمريكية وهي تقول: الأخلاق مهمة أحياناً ولكن المصالح أهم دوماً.

 

رابعاً: المهمات الكبرى أمام المعارضة:

1. موضوع الوحدة الوطنية: هذا  الموضوع ذو شقين، الشق الأول الأوسع يتعلق بوحدة مكونات الشعب البحريني وهي التي أصيبت في مقتل بفضل أكثر من 30 عاماً من التعبئة الطائفية الرسمية المصحوبة بأشكال متنوعة من التمييز الطائفي، وبروز الإسلام السياسي الذي أحيا 14 قرناً من الصراعات المذهبية، وانحسار دور منظمات ومؤسسات الحركة الوطنية التقدمية التي وحدت الشعب من منتصف الخمسينات إلى نهاية السبعينيات، لذلك عندما جاءت اللحظة التاريخية في 14 فبراير وجدنا أنفسنا خلال أيام معدودة وسط أجواء ثورة مضادة اعتمدت على هذا الانقسام الطائفي، وقد ساعدت اطروحات "إسقاط النظام" و"إقامة النظام الجمهوري" وغيرها في إثارة الفزع لدى طائفة غير قليلة من المواطنين الذين رؤوا في الانتفاضة خطراً يهدد ليس فقط مصالح هذه الطائفة بل وجودها. ان توسيع دائرة الحلفاء والأصدقاء وتقليل دائرة الأعداء مازال أمرا مستعصيا على المعارضة، بل ان بعض أطرافها لا تضع في حسابها ردود فعل الطوائف والفئات الأخرى عندما تقوم بوضع أهدافها أو رفع شعاراتها. يجب أن لا نضيع أزمة كبيرة مثل هذه دون أن نتعلم منها.

 

2. أما الشق الآخر المهم فهو يتعلق بوحدة المعارضة. إن ما تم إنجازه في "وثيقة المنامة" هام ويجب البناء عليه من خلال توسعة تحالف المعارضة ليشمل جمعيات وقوى سياسية أخرى، إضافة إلى تطوير آلية اتخاذ القرار المركزي والتنسيق بين أنصار قوى المعارضة في جميع المواقع. ومن المهم كذلك التقريب بين الأفكار التي تبدو متشابهة في العناوين العامة مثل الديمقراطية "والحريات الشخصية" و"الدولة المدنية" ولكنها تفشل في أول امتحان عملي لها وهو أمر حدث أكثر من مرة في مجلس نواب 2006. ليس من المنطقي أن يطالب بعضنا بدولة ديمقراطية مدنية في البحرين ويؤيد دولة دينية ديمقراطية في مكان آخر. هذا التناقض لا يقبله العقل ولن يُقنع الآخرين بأن المعارضة جادة في مشروع الدولة المدنية ما دام هناك معارضون يؤمنون بنظرية تؤسس لدولة دينية لا دولة مدنية. كذلك أجد من المؤلم ان بعض قوى المعارضة تقف أقرب إلى موقف الحياد في صراع النظام السوري المستبد ضد شعبه البطل الذي قدم حتى الآن أكثر من 20 ألف شهيد وهو ما يؤشر إلى أن مسألة الحرية والديمقراطية ليست متأصلة بما يكفي لتكون مبدءاً وقيمة تفوق أي ولاء سياسي.

 

3. ان التمسك بالثوابت الأساسية التي تنطلق وعد منها في نشاطها السياسي ومطالبتها بالحرية والديمقراطية والمواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية معتمدة على النهج السلمي ونبذ العنف بكافة أشكاله ومن اي طرف كان، باعتباره معطلا لحلحلة الأمور نحو الحل، وأن الأزمة في البحرين هي أزمة سياسية دستورية بامتياز ولا يمكن حلها عبر العنف أو استخدام القوة المفرطة، بل من خلال الحوار والتفاوض الجاد الذي يفضي إلى نتائج متوافق عليها بين مكونات المجتمع البحريني، ورفض استفراد أي طرف بالحل في وطن هو لجميع أبناءه ولايحق لأي طرف التصرف فيه بمفرده واللعب بمقدراته والقفز على أي من مكوناته.

4. ان الجمعيات السياسية جزء لايتجزء من مكونات المجتمع البحريني ومن حقها صوغ التنسيق والتحالف فيما بينها، وليس هناك ما يمنع اللقاء فيما بينها على أرضية الاحترام المتبادل، وان الموقف من أي مكون سياسي ينطلق من مدى قربه أو بعده عن مواقف جمعية وعد.

5. ان التمسك بالمطالب الشعبية الحقة والملفات الرئيسية العالقة والمتمثلة في الحكومة المنتخبة التي تمثل الإرادة الشعبية، والسلطة التشريعية المنتخبة كاملة الصلاحيات التشريعية والرقابية، والدوائر الانتخابية العادلة التي يترجمها نظام انتخابي عادل يعكس المساواة بين المواطنين في مختلف المناطق، والقضاء المستقل، والأمن للجميع..هي الركيزة الاساسية لعملنا السياسي والمستقبلي. كما ان ضرورة إيقاف آلة التحريض الإعلامي ضد المعارضة السياسية وفئات واسعة من مكونات المجتمع البحريني ولجم اتهامات التخوين والعمالة تشكل جزء من الحل المنشود.

ان الضرورة تفرض تهيئة الأجواء لإعادة بناء الثقة عبر التنفيذ الصادق لكل من توصيات اللجنة البحرينية لتقصي الحقائق والمجلس العالمي لحقوق الإنسان بما فيها إطلاق سراح معتقلي الرأي ومحاسبة مرتكبي جرائم التعذيب والقتل خارج القانون، والتنفيذ الصادق لمبادئ العدالة الانتقالية وفق الأسس والمعايير الدولية المتعارف عليها.

 

وقبل الختام اسمحوا لي أن أوجه مجموعة من الرسائل والملاحظات الختامية.

1. في كل مرة نقابل فيها سجناء من أعمار وخلفيات مختلفة نجدهم يتحدثون بصوت واحد هو صوت الصمود والأمل . يقولون لك: ليس مهماً أن نخرج من السجن .. المهم أن نخرج ونحن منتصرون ..مئات مثل هؤلاء داخل السجن وألوف مؤلفة خارجة هم السبب في أن شعلة هذه الانتفاضة التي توشك على نهاية عامها الثاني لن تنطفئ.  لقد تحرر الناس من الخوف ولم يعد ممكناً إرغامهم على شيء لا يريدونه أو العودة للوراء.

 

2. الحكم ليس جاد في بدء حوار حقيقي لأن مثل هذا الحوار يتطلب منه تقديم تنازلات ذات كلفة عالية على من أعتاد احتكار السلطة والثروة. الحوار الحقيقي سيحدث عندما يدرك النظام إنه من المستحيل العودة إلى ما قبل 14 فبراير. وحتى ذلك الحين فإن النظام سيحاول بيعنا نفس الشراب الفاسد بعد إعادة تعبئته في قنان جديدة.

 

3. هناك دور هام يمكن ان تلعبه "وعد" والتيار الوطني الديمقراطي بشكل عام من أجل إزالة الخنادق الطائفية. ولكن هذا الدور لايمكن أن نتعهده مالم نكن على أهبة الاستعداد لعمل شاق وتضحيات جسام لكي نستحق أن يثق الناس بقيادتنا ويعترفون بنا.

 

4. إلى الأخوة في قيادات جمعيات وقوى المعارضة أقول: بارك الله في خطواتكم لجمع الشمل ووضع رؤية مشتركة عبرت عنها "وثيقة المنامة" ولكن مازال أمامنا عمل طويل من أجل إلا نقع في أخطاء الماضي مثلما حدث في عام 2006م عندما قررنا المشاركة في الانتخابات النيابية. من يقع في نفس الخطأ مرة أخرى لا يستحق فرصة ثالثة. هناك قوى سياسية معارضة خارج الجمعيات المتحالفة يجب العمل على ضمها في صيغة تحالفية حسب ما هو  ممكن ـ كما أن الاستمرار في وضع مطالب الإفراج عن المعتقلين على رأس الأولويات ساهم في تقريب وجهات النظر مع هذه القوى المناضلة التي تلقت قياداتها أكبر  قدر من القمع والتنكيل.

 

5. إلى الشباب المناضل الذي لا يهدأ ولا يستسلم أقول: بارك الله فيكم فقد حققتم ما كان يبدو مستحيلاً وصمدتم أروع صمود خلال فترة الطوارئ (السلامة الوطنية) وواصلتم النضال بعدها.

أنتم تعلمون قبل غيركم أن الحرية حمراء اللون  .. ولكن فلتكن حمراء بدمائنا لابدماء خصومنا.

 

6. إلى الشعب الصابر المناضل أقول : لقد تحررتم من داخلكم .. تحررتم من الخوف ومن الخضوع. هذا نصف الطريق إلى الحرية: مازالوا يملكون المال والأرض والسلاح ولكنهم لم يعودوا يملكوننا. لم يبقى في العالم دول تحكمها قبائل إلا في خليجنا العربي، فإذا أرادوا البقاء فإن عليهم الاكتفاء بالملك وترك الحكم للشعب.

هذه هي سنة لا تبديل لها .. هذا هو ربيعكم.

 

7. الربيع العربي أثبت وحدة هذا الوطن العربي في مشاكله وتطلعاته وآماله، وأن شعلة الحرية لن توقفها حدود مصطنعة أو تمنعها نقاط جمارك من الانتقال من قطر عربي إلى آخر. وفي قلب هذا الوطن تقع فلسطين .

 

أخيراً أحييكم وأحيي الغائب الأكبر فيكم .. الرجل الذي رحل جسده قبل أوانه لكن دون أن ترحل روحه .. أنظر إلى يمينك ثم إلى شمالك .. ستجد طيف عبدالرحمن النعيمي رفيقك .. أنظر أمامك وخلفك .. ستجد روح أبو أمل في أخيك .. أينما نكون .. داخل السجن أم خارجة في الوطن أم في المنافي وقياس المناضلين في وعد ومعيارهم هو المناضل والأب الأخ والرفيق أبو أمل .. شعلة لا تنطفأ.

 

وفي الوقت الذي أطلب منكم العفو عن الأخطاء التي شابت عملي كـأمين عام للتنظيم فأنني أتمنى إلا يحول ذلك دون نقدي وإبراز أخطائي.

المجد والخلود لشهدائنا الأبرار

المجد لبلادنا حرة أبية

 

 

أضمكم إلى صدري متمنياً لمؤتمرنا النجاح ولشعبنا النصر.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro