English

 الكاتب:

عصمت الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

عصمت الموسوي تكتب عن الأداء الاعلامي في زمن الربيع العربي
القسم : عام

| |
عصمت الموسوي 2012-09-20 06:17:53




فاجأ إعلام الربيع العربي المتسم بالسرعة والابتكار، والسبق الخبري، وملاحقة الحدث لحظة بلحظة، فاجأ السلطات السياسية العربية وأوقع أجهزتها الإعلامية وممارسات صحفها الرسمية وشبه الرسمية في مازق حقيقي، ما اضطرها في مطلع الاحتجاجات إلى إنتاج أفلام مصورة ومسرحيات متلفزة، وكتابات وبرامج سريعة وغير مدروسة أصبحت مادة للتندر والفكاهة لاحقا. إن صرخات المستغيثين من المتظاهرين تكاد تكون واحدة وعلى درجة واحدة من التماثل في بعض برامج التلفزيون المصري والليبي والتونسي والسوري واليمني والبحريني " أغيثونا "، " أنقذونا " لقد كان بحق "إعلام الكذب الشامل" والذي لم يصمد طويلاً قبل انكشاف علاته.

 

واللافت أن هذه المواد المنتجة سريعا كانت من الضعف والهزالة بحيث يتعذر تسويقها على الأطفال الصغار إلا أننا لم نعدم وجود مشاهدين وقراء " مناوئين للثورات والاحتجاجات " انساقوا وراءها وراحوا يرددونها ويدافعون عنها واقنعوا أنفسهم وغيرهم بها تمثلا بمقولة "المرء لا يرى إلا ما يود رؤيته، ولا يسمع إلا ما يرغب في سماعه".

 

وقد كان من الطبيعي أن يتفوق إعلام الثورات والتظاهرات على الإعلام الرسمي العربي ذراع الانظمة وحاميها وخادمها المطيع، البليد والبطيء والخائف والمتوجس والمحتكر والموجه رسميا والمحاط بالحواجز والرقابات وأوجه التقييد الذاتية والقانونية، والمصنف في خانات متدنية جدا " غير حر، أو حر جزئيا " وفق المنظمات الحقوقية والصحفية والدولية .

 

وربما كانت مملكة البحرين الأسرع في دول الربيع العربي في تطويق الإعلام والصحافة لضمان انحيازه التام للسلطة وخطابها، لهذا نال الصحفيون ما نال غيرهم من القمع والسجن والقتل والتعذيب وجاء قرار التخلص من الصحفيين وفصلهم من أعمالهم لتطهير الفضاء الإعلامي من أي صوت معارض أو مستقل أو لا يتناغم مع السمفونية الرسمية ذات اللحن الواحد، كذلك كانت مملكة البحرين هي " الأشطر " والأقدر ماليا في الاستعانة بشركات العلاقات العامة الدولية الباهظة الكلفة لتعديل وتلميع صورتها في قبال تشوية صورة معارضيها، ولقد دفعت من أجل ذلك الملايين في الداخل والخارج، واستطاعت هذه الشركات الوصول إلى بعض الصحف الغربية ومحطات التلفزة الشهيرة التي عملت على تكريس صورة المعارضة بوصفها ذات منحى ديني طائفي تخريبي عبثي، يستقوي بالخارج وبدولة الجوار المحكومة بمرجعية الولي الفقية .

 

ولقد تعمدت هذه الصحافة " المشتراة " وفي تغطيات عديدة تجاهل المسيرات والتظاهرات الحاشدة والسلمية والتركيز على بعض الزوايا واللقطات التي تظهر فيها الشباب الملثمين وهم يحرقون الإطارات ويلقون بالزجاجات الحارقة على رجال الشرطة، وهي صورة لم يخلُ منها أي شارع عربي منتفض ولم يستثن البحرين استثناءا، خصوصا حين واصلت وزارة الداخلية عدم منح التراخيص للمسيرات القانونية بعد قمع الانتفاضة وهدم مركزها الأساس، مفسحة المجال لهذا النوع من التعبير العنيف ، وكثيرا ما رأينا وعلى فضائيات شهيرة لقطات قديمة أحيانا للمواجهات العنيفة تستخدم في غير موضعها وبعيدا عن سياق الأحداث إمعانا في تشويه الحراك البحريني برمته وإعطاء انطباع واحد للمشاهد المحلي والعالمي بأن انتفاضة البحرين العارمة ليست سوى عبثا وتخريبا صبيانيا، إلا أن تواصل الاحتجاجات الحاشدة حال دون تكريس هذه الصورة .

 

وتفوق الإعلام الحر الالكتروني " الثوري"  على الإعلام الرسمي في كل دول الربيع العربي إذ خرج من عقال المحظورات والممنوعات وقوانين التقييد الى رحاب الحرية والجرأة والمبادأة، وكان أسرع وأكثر احترافا ومهنية وغزارة في المعلومة من الإعلام الرسمي وشبه الرسمي، أما وسائل التواصل الاجتماعي الالكتروني فقد اوقعت السلطات العربية والبحرين في مأزق أشد، ففي البداية تجاهلته وسعت للتقليل من أهميته، ثم ما لبثت ان انضمت إليه وبالطريقة الخاطئة وغير المهنية التي توسلتها في الإعلام التقليدي ضاربة بالقانون والأعراف عرض الحائط، إذ استعانت بجيش من الشتمامين أو المتخفين خلف حسابات مزورة  للطعن في أعراض الناس والنيل من المعارضين بشكل شخصي اضافة الى  التحريض الطائفي والمذهبي لتقسيم المجتمع وتفتيته، بيد أنها لم تستطع غض الطرف أو تجاهل تلك الحملات الالكترونية المتواصلة على ممارسات السلطة وإخفاقاتها وانتهاكاتها بحق المحتجين وقج أجبرت تلك الحملات وزارة الداخلية على الدفاع عن نفسها وعن سياساتها، وهي التي لا تجود بتصريحاتها على الصحف إلا لماما.

 

وهكذا أخفق الاعلام الرسمي الألكتروني مجددا حين ولج هذا العالم الإعلامي الجديد معتمدا على العقلية الإدارية السالفة التي أدار بها الإعلام التقليدي، ويقرر تقرير لجنة تقصي الحقائق " أن لدى الحكومة البحرينية برامج جدران الحماية لحظر مواقع الانترنت، مع ذلك لم تحظر الحكومة بشكل دائم موقع تويتر الذي تستخدمه مجموعة " حارقهم " على الرغم من أنه ينتج مواد ينص القانون الدولي على وجوب حظرها فضلا عن حظرها بموجب القانون البحريني " كما يعترف بأن بعض المواد المصورة تضمنت تحريضا ودعوات للكراهية ومساسا بسمعة الاشخاص المعارضين".

 

وفي محاولة لضبط هذا العالم الإعلامي الجديد والسيطرة عليه لجأت وزارة الداخلية مؤخرا إلى القانون والادعاء بملاحقة " جرائم التشهير والإساءة في الانترنت " فهل هي على استعداد جاد وحقيقي للمضي قدما في هذه المبادرة التي ستطال الجميع بما فيهم الشتامين ومنتهكي الأعراف وحقوق الإنسان والحياة الشخصية للأفراد ومزدري الطوائف والمذاهب من أصحاب الحسابات الحقيقية أو المموهة، أم انها وسيلة أخرى لتنفيذ القانون بشكل انتقائي تحت ذريعة ضبط حرية التعبير الفالتة وغير المسؤولة؟.

 

إن الإعلام العربي يعد أكبر الخاسرين في زمن الربيع العربي وهو يواصل اخفاقاته رغم الملايين التي دفعت له، وفشله ليس سوى انعكاس لاخفاق أكبر هو الإخفاق السياسي في التعاطي مع الثورات والاحتجاجات والمطالب الشعبية، ونختتم بقول الشاعر الإيراني سعدي الشيرازي : " اذا ما عكست المرآة عيبك، صحح صورتك ولا تكسر المرآة ".

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro