English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

في رحابة (وعد)
القسم : المقالات

| |
2012-09-11 01:06:11




محمد الشحري:
نزلت في البحرين منذ عدة أيام في ضيافة جمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)، التي احتفلت بالذكرى الأولى لرحيل مؤسسها وقائدها المناضل العربي عبد الرحمن النعيمي، أحد أبرز رجالات النضال في الخليج العربي في التاريخ الحديث، وكان النعيمي أو سعيد سيف كما هو اسمه الحركي، الذي قاد نضالا طويلا بدأه من البحرين بعد عودته من الدراسة في الجامعة الأمريكية ببيروت، ووسعه إلى ظفار التي اشتعلت فيها الثورة في العام 1965، والتي تغير اسمها لاحقا بعد مؤتمر حمرير1968 إلى الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي المحتل، وقد أقام النعيمي ورفاقه في معسكرات الجبهة في عدن ومنطقة حوف في اليمن الجنوبي، ثم ارتحلوا إلى سوريا فمنهم من أقام في دمشق والبعض الآخر في نيقوسيا بقبرص.


كان أول من استقبلني من الإخوة البحرينيين هو المناضل حسين قاسم عبد الرسول، الذي كان من أوائل الطلبة البحرينيين الذين درسوا في القاهرة بعد ثورة يوليو ثم أصبح رئيسا لرابطة طلبة البحرين في القاهرة لمدة أربع سنوات، وكان أحد مؤسسي اتحاد الطلبة العرب وعضواً للهيئة الإدارية الأولى فيها، في نهاية الخمسينيات وبداية الستينات، وحين عاد إلى البحرين كُرّم بسجن انفرادي لمدة 11شهرا عام 1966، كان الرجل الذي التحق بحركة البعث، شخصا ودودا محبا تألفه من اللحظة الأولى ويسقط حواجز اللقاء الأول، وأخبرني ببرنامج الزيارة إذ سنزور قبر المرحوم عبد الرحمن النعيمي ثم نذهب إلى بيته في قلالي، البيت الذي رفض أن تبنيه الحكومة له، بل بناه من ماله الخاص والذي كان عبارة عن إرث من عمه المتوفى في قطر، وقد تنازل إخوة عبد الرحمن عن الميراث لأخيهم.


رأينا تجمعا كبيرا حول القبر يقرؤون الفاتحة وينثرون الريحان عليه، وهناك التقيت برفاق النعيمي ومنهم عبدالنبي العكري أو حسين موسى كما كان اسمه الحركي.


ذهبنا إلى بيت أبي أمل فوجدنا البيت عامرا بالزوار أمثالنا، البيت الذي كتبت عنه الكاتبة باسمة القصاب في صحيفة الوقت البحرينية - التي لم يسعفها الوقت للاستمرار- " لا يمكنك استيعاب كيف لهذا البيت أن يكون مسكوناً بحركة الحب، وبقلوب الناس، ما لم تذهب هناك بنفسِك ونفَسِك. تدخل البيت البسيط، لكن الفسيح. ترى أنك لست وحدك من يدخل هذا البيت، فثمة دائماً، من يسبق حضورك، ومن سيحضر بعد دخولك بقليل، وسيبقى هناك من يحضر وسيحضر، حتى تغادر" .


كانت شريكته في الحياة ورفيقته في دروب النضال ابنه عمه (مريم أم أمل) تستقبل الزوار وكذلك ابنته الكبرى (أمل) التي التقيت بها قبل عدة سنوات في ظفار، والتي قلت لها حينها إنك الآن عيون والدك التي يرى بها ظفار التي أحبها ووهب جزءا من حياته ووقته لها، أما مريم فكنت اتصل بها أحيانا للاطمئنان على صحة أبي أمل، فيأتيني صوتها الرخيم عبر ذبذبات الهواء مطمئنا على حالة رفيقها التي لم تتبدل منذ غفوته الأولى في الرباط في عام2007، ولكن الأهم أنه موجود بينهم يرونه ولا يراهم، كنا اثنان ضمن القادمين من خارج البحرين لحضور المناسبة الأولى لرحيل عبد الرحمن النعيمي أو سعيد سيف كما كان اسمه الحركي الذي اشتهر به من بين العديد من الأسماء الحركية التي فرضتها مرحلة الاختباء وراء الأسماء وتغيير جوازات السفر لأجل تسهيل المرور وإنجاح المهمات، كان (أبي طفول ) الذي قدم من عُمان حاضرا ليستذكر في الندوة التي أقامتها (وعد) لاحقا الأيام الخوالي التي جمعته بعبدالرحمن النعيمي في بيروت وفي عدن، وهنا تحضر ظفار مرة أخرى عبر اسم (طفول) أيقونة الثورة، وأول الشهيدات فيها، والتي قال فيها الشاعر البحريني قاسم حداد " ستبقى طفول هناك ... وتبقى هنا .. وسموا كل بنت باسمها الآن وسموها القمر .. غرقت في الضوء لما قاتلت موت الدخول .. زينوا أسلحة الفجر، اصقلوها.. أطلقوها في فم الأطفال.. في ألواننا الحمراء .. سموا باسمها كل الفصول"، وهكذا بقيت طفول في الذاكرة وفي أسماء الصبايا المولودات في الستينيات والسبعينيات، وانتشر هذا الاسم في البحرين وفي عُمان.


خرجنا من بيت (أبى أمل) بعدما سلمنا على أبنائه أمل ووليد وسلوى وعلى رفيقة دربه ونضاله ابنه عمه مريم النعيمي.


قال لي الأستاذ حسين قاسم بعد أن حضرنا عقد قرآن لأحد أبناء جمعية وعد، أن الشاب غسان سيرافقك خلال إقامتك هنا قائلا ببعض المزاح إن الشباب بحاجة أن يكونوا مع بعض أكثر منا نحن المسنين، فشكرته على أن نلتقي في مساء الغد في الحفل الذي سيقام في مقر جمعية المهندسين البحرينيين.


كان غسان وهو كما قال الأستاذ حسين قاسم من الشباب الفاعلين في الجمعية، قد تجول بي في القرى التي تشهد بين الحين والآخر مظاهرات واحتجاجات وقد تجسد ذلك على الجدران التي يمكن أن تلمس فيها مطالب المحتجين، والحق يقال أن القرى لا تسر من يراها، إذ كنا نتمنى أن نرى الأحياء والبيوت بحالة أفضل من التي عليها.


أخبرني غسان أنه ستقام مظاهرة مرخصة في شارع البديع للمطالبة بالإفراج عن النشطاء والمعتقلين فسألني إن كنت أود الحضور، لم أدع فرصة سانحة مثل هذه تذهب مني، فوافقت على الفور، اختار لي غسان وزميله ركنا في مقهى يطل على الشارع يمكنني من مشاهدة الجموع التي توافدت على الحضور بأعداد تقدر بالآلاف، ورأينا الشارع قد تقسم إلى قسمين شارع للرجال وآخر للنساء، كانت أعلام البحرين ترفرف في أيادي المتظاهرين، وجرت المظاهرة المنظمة تنظيما عاليا بشكل سلمي وانتهت به، دون أن تكون هناك خطابات أو شعارات طائفية، أما في المساء فقد رأيت منظرا آخر لم يسرني ولا يعجبني على الإطلاق، وهو تساقط قنابل المولوتوف على نقطة حراسة للشرطة قريبة من المنطقة الدبلوماسية، لأنني ضد العنف بكل أنواعه ومن أي طرف من الأطراف ولا أقبل أن يكون العنف مرادفا للاحتجاج والتظاهر.


ذهبنا في اليوم التالي إلى مقر جمعية المهندسين التي تعج بالحضور، حيث أقيم معرض للصور الفوتوغرافية للمناضل عبدالرحمن النعيمي، وتوزيع مؤلفاته، وكذلك كتاب آخر بعنوان ( عبدالرحمن النعيمي في عيون محبيه) جمع بين دفتيه مقالات وشهادات قيلت بعد رحيله، ومن ضمنها كلمتي المعنونة (ببيان الفناء والبقاء في وداع عبد الرحمن النعيمي)، وغصت القاعة بالحضور التي توالت فيها الكلمات عن المحتفى به، حيث قرأ ابنه وليد كلمة العائلة، ثم تحدث رفيق دربه النضالي عبدالنبي العكري بينما قرأ كلمة الجمعيات السياسية الشيخ علي سلمان الأمين العام لجمعية الوفاق، وقرأ كلمة المشاركين من خارج البحرين النائب الكويتي السابق عبدالله النيباري؛ كما ألقى عبدالله ملك رئيس «جمعية مقاومة التطبيع» كلمة عن فلسطين التي دافع عبدالرحمن النعيمي عنها خلال مسيرته النضالية.


أما في اليوم التالي فقد أقيمت ندوة بعنوان (أبو أمل في عيون محبيه)، حيث تحدث الدكتور مهدي جعفر(أبو طفول) عن الأيام التي جمعته بأبي أمل وتحدثا أيضا عن مناقب الرجل الذي عرفه مقاوما مؤمنا منحازا إلى قضايا الشعوب العربية، أما الكلمة الثانية فقد كانت للمفكر والكاتب العراقي عبد الحسين شعبان، والذي لم يُمنح تأشيرة دخول إلى البحرين، وهو ما جرى أيضا للكاتب والمفكر فواز طرابلسي، ثم ختم عبد النبي العكري الأوراق المقدمة في الندوة بالحديث عن رفيق دربه، وعن امتعاضه من السلطات التي حرمت بعض العرب من المشاركة في ندوة رفيقهم.


اتقيت بالعديد من الشخصيات البحرينية من أجيال مختلفة، من جيل مؤسس تعرض للسجن والتضييق في البحرين قبل أن يخرج إلى المنافي، ثم جاء جيل آخر شاب سلك طريق الأولين في النضال الشعبي من أجل الحقوق والكرامة، وكانت جمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد) هي الجامعة لكل الأطياف في النسيج الاجتماعي البحريني، خرجت من البحرين على أمل أن أزورها في يوم آخر وقد تعافت من آلامها وجراحها، وعاد إليها السلم الأهلي إلى ما كان يعرف عن الشعب البحريني المعروف بطيبته وكرمه وحسن أخلاقه.

كاتب عُماني- نقلاً عن صحيفة عُمان

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro