English

 الكاتب:

عبدالله جناحي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

القائد النعيمي كما عرفته
القسم : سياسي

| |
عبدالله جناحي 2012-09-01 00:50:14




تعرفت على المناضل الراحل عبدالرحمن النعيمي رحمه الله في عام 1975 في المؤتمر العام للاتحاد الوطني لطلبة البحرين الذي عقد في بغداد.

 

وجرى العرف في مثل هذه المؤتمرات أن يلقي ممثلي الحركات السياسية كلمات في حفل الافتتاح، وكان الجميع في لهفة لمعرفة الناطق الرسمي للجبهة الشعبية في البحرين بعد قرار الاستقلال التنظيمي لفروع الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي، حيث كان العمل السياسي والنضالي قبل قرار الاستقلال التنظيمي مُركَزاً قيادته للمناضلين العمانيين، وبالأخص من الأراضي المحررة من ظفار، وحيث كان المناضلين البحرينيين المنخرطين في الثورة العمانية آنذاك يعملون بشكل سري، لذا وبعد بروز الجبهة الشعبية في البحرين كان لا بد من ناطق علني يعبر عن مواقفها.


وعند موعد إلقاء كلمة الجبهة في المؤتمر المذكور، صعد أمام المنصة شاب ثاقب النظرة بنظارته الطبية السميكة وشعره الأسود الكثيف وقامته الرشيقة، معلناً عريف الحفل اسمه قائلاً "أما الآن فكلمة الجبهة الشعبية في البحرين يلقيها الرفيق سعيد سيف"، وكانت تلك اللحظة هي المرة الأولى  التي تتعرف فيها الحركة الطلابية على المسؤول الأول في الجبهة الصاعدة في البحرين، حيث بدأ المناضل عبدالرحمن النعيمي مهماته الحزبية الكبيرة خارجياً من خلال نسج العلاقات مع قوى التحرر العربية والعالمية، وداخلياً في تعزيز دور وتأثير الجبهة سياسياً وعمالياً ونسائياً وطلابياً وشبابياً وإعلامياً وميدانياً وجماهيرياً، في ظل قلة من الكوادر البحرينية المناضلة خارج البحرين الذين نذروا أنفسهم للنضال السياسي من أجل انتزاع الحقوق الأصيلة للشعب البحريني.


كانت التحديات ضخمة وكبيرة في تلك المرحلة على المستويين الذاتي والموضوعي، فعلي الصعيد الذاتي كانت الجبهة توها قد خرجت من ضربة أمنية موجعة تمثلت في اعتقال معظم أن لم نقل كل القيادات والكوادر العاملة داخل البحرين ونفي المناضل مراد عبدالوهاب  لعمان وسجنه هنا،  وهو الذي كان كادراً قيادياً مؤثراً، واستشهاد القائد السياسي والعمالي محمد بونفور، الذي أثر استشهاده بشكل كبير على ثقل ودور الجبهة في الداخل، مع غياب بقية الكادر في أقبية السجون. أما على المستوى الموضوعي، فقد كانت التطورات السياسية المحلية متسارعة والصراع الجماهيري متصاعداً بجانب الشد والجذب الكبيرين بين نواب الشعب الوطنيين في المجلس الوطني قبل حله في صيف 1975، أي بعد إلقاء سعيد سيف كلمته في المؤتمر الطلابي المذكور أعلاه بسبعة أشهر، وكان لارتفاع أسعار النفط بشكل كبير بعد حرب أكتوبر المجيدة عام 1973 تأثيراته المتراكمة سواء لصالح الحكم وسياساته أو على الطبقات الاجتماعية التي بدأ الفرز الطبقي يزداد وضوحاً بين المستفيدين من الريع النفطي والمتضررين منه.

 

 وعلى الصعيد الخليجي كانت الثورة العمانية في تراجع واضح بعد التدخل العسكري الشاهنشاهي والأردني مع البريطاني والدعم الأمريكي للأنظمة الخليجية، وعلى الصعيد العربي كان الساحات اللبنانية والفلسطينية وحتى المصرية متوترة، وكان سعيد سيف وقلة من رفاقه يعملون بكامل طاقتهم لملاحقة كل هذه التطورات والمستجدات الحزبية والسياسية والميدانية والقومية وعلى كافة الجبهات.


ورغم هذا العبء الكبير المُلقى على عاتق ابو أمل لم يكن يتردد في تفريغ نفسه لأسابيع يعقد الدورات الحزبية والفكرية والفلسفية والسياسية في شقته المتواضعة بدمشق، مضحياً من خصوصية أسرته، مجنداً كل أبنائه وزوجته المناضلة الصبورة المثابرة (مريم النعيمي) في خدمة مئات من الكوادر العمالية والنسائية والشبابية والطلابية التي كانت تشارك في هذه الدورات المستمرة طوال شهور السنة، هذا فضلاً عن اجتماعاته الحزبية والسياسية ومشاركاته المستمرة في المؤتمرات والندوات والمهرجانات الخليجية والعربية والعالمية لدرجة أصبح سعيد سيف في معظم هذه الفعاليات ناطقاً باسم حركة التحرر الخليجية والعربية.


في هذه المحطات كان يتعامل مع كل كادر أو قاعدي من أعضاء الجبهة الشعبية بروح رفاقية راقية وكان يقابل التشهير والكراهية لدى البعض بالحب والتسامح ومواصلة العمل المشترك، وكان حريصاً على احتضان كل المناضلين من أبناء الوطن بغض النظر عن انتماءاتهم الأيديولوجية أو المذهبية، حيث كان جامعاً وعابراً للطوائف والخلافات، مجاهداً من أجل وحدة الصف الوطني ووحدة المعارضة باعتبارهما السبيل الأمثل لانتزاع المطالب والحقوق لشعبنا، إلى جانب قدرته السلسلة في تربية وبناء كادر سياسي ونضالي دون أبوية أو ممارسة سلوكيات فوقية، وكان كل من يجالسه يشعر أمامه بأنه مستمع لرأيه ومتعلم من أفكاره يحترم اختلافه في الرؤية والموقف.


في عام 1984 كنت في شهر العسل في العاصمة اليونانية، وكنت قد رتبت مع بعض الأخوة في الخارج للقاء مع النعيمي في أثينا، وحجزت له غرفة في الفندق ذو الخمس نجوم الذي سكنت فيه، ولكنه وعند وصوله أثينا اعتذر لاستضافتي قائلاً لي بأنه يرتاح في المهمات الحزبية أن يسكن في غرفة متواضعة وألا  يكون قريباً من فندقك لدواعي أمنية، ولقد جسد هذا السلوك البعيد عن الأنانية واللصيق بقيم التواضع والتضحية ونكران الذات في كل حياته النضالية والأسرية حتى لحظة رحيله.

 

لقد عاش مع أسرته في ظفار وعدن ودمشق وبيروت حياة متواضعة وأحيانا قاسية، وفي أحيان كثيرة كنا نشاهده ساهراً ونائماً في أقبية أو مخازن للكتب عندما كان يدير دار الكنوز الأدبية في بيروت، وجسد هذا الموقف بشكل واضح عندما رفض استلام منزل من الحكومة بعد عودته من المنفى، معلناً مقولته الشهيرة بأنه لم يرجع للوطن من أجل مكاسب ذاتية وإنما من أجل مواصلة النضال لتحقيق العدالة والمساواة والحرية والحقوق والديمقراطية والكرامة لجميع أبناء الشعب، وإن قبولي لهذا البيت رغم وجود المئات من المنفيين يعني أن الهدف منه خلق الشقاق وعدم الثقة في صف المعارضة، ولذلك رفض هو ورفيق دربه المناضل عبدالنبي العكري استلام البيت وشيك بخمسة وعشرون ألف دينار لكل واحد منهما.


بعد عودته من المنفى واصل ذات المسيرة النضالية والسلوكية بقيمها الإنسانية الراقية وببوصلته الوطنية والقومية الجامعة العابرة للطوائف والمذاهب بل وأيضا الأيديولوجيات، لذلك كان المبادر الأول في تأسيس أول تنظيم سياسي شرعي وعلني على مستوى الخليج ديمقراطي العمق قومي الهوية بعيد عن الطائفية والإيديولوجيات الصارخة، واستمر في قيادة هذا التنظيم، جمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)، مطوراً في هياكله الداخلية صوب المزيد من الديمقراطية الداخلية وتوسيع دائرة صناعة واتخاذ القرارات المفصلية.

 

وعندما اطمئن بأن قطار (وعد) قد انطلق بسواعد وعقول أعضائه، قرر كسر احتكار القيادة للرموز التاريخية، لذا رفض تجديد رئاسته كأمين عام واستلم مكانه المناضل إبراهيم شريف الذي قال عنه النعيمي بأنه قائد سوف يضيف خطاباً سياسياً واقتصادياً جديداً في الحقل السياسي البحريني، وبالفعل تحققت توقعاته.


وعلى الصعيد السياسي العام استمر النعيمي مناضلاً صلباً من أجل إصلاح سياسي حقيقي ودستور عقدي فيه كامل الصلاحيات للسلطة التشريعية وتجسيد حقيقي للملكية الدستورية على غرار الدول الديمقراطيات العريقة ودولة القانون والمؤسسات ونبذ التمييز وغيرها من المبادئ الذي كان يعلن عنها سواء في كتبه ومقالاته أو في فعاليات جماهيرية وحملاته الانتخابية حيث كانت الجماهير تحتشد بالآلاف لأنها كانت بعفويتها الصادقة تشعر بأنها تستمع لرجل صادق في كلامه المنسجم مع مواقفه وتاريخه، وإنه يعبر عن صوت الحق والعدل والحرية. 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro