English

 الكاتب:

عبدالله جناحي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

ما أشبه الليلة بالبارحة
القسم : سياسي

| |
عبدالله جناحي




الاحتقان الطائفي في البلاد بحاجة إلى تشريح اجتماعي ونفسي تربط مسبباته السياسية والتاريخية باللاشعور الذي يطفح على السطح عند أي حادثة أكانت فردية أم مطلبية شعبية. فالانحياز للطائفة يعمي العقول ويمنع المرء الطائفي من الانحياز ودعم مطالب وطنية مشروعة دونما تفكير بأن تحقيق هذه المطالب الوطنية سيكون لصالح الجميع (سنة وشيعة) ولصالح جميع الأصول والتيارات الفكرية والطبقات الاجتماعية التي من مصلحتها تحقيق الديمقراطية الحقيقية لا الشكلية.

 

في الخمسينيات من القرن الماضي ذاق الوطنيون مرارة هذا الاحتقان، وعندما يقرأ المرء مذكرات القيادات الوطنية اللاطائفية يحس بأن التاريخ يكرر نفسه بعد مرور أكثر من خمسة عقود من السنين.

 

في كتاب المناضل عبدالرحمن الباكر " من البحرين إلى المنفى (سانت هيلانة)" الذي يسرد فيه أحداث هيئة الاتحاد الوطني ومطالبها والضربة التي وجهت لها إبان العدوان الثلاثي على مصر، يكشف الباكر عن هذا اللاشعور الطائفي لدى الأفراد.

 

يسرد الباكر-رحمه الله- قوة التيار القومي في البحرين الذي لم يقدر الاستعمار البريطاني وحلفاؤه المحليون إضعافه إلا عن طريق اللعب على ورقة الفتنة الطائفية حتى لا يكون أي لقاء بين البحرينيين كشعب واحد، وتم لهم ذلك بواسطة حفنة مأجورة من الطائفتين، فكانت فتنة محرم 1952م.

 

يقول الباكر " من المؤسف أنه انساق وراء تلك الفتنة العمياء كثيرون من الشباب نسوا واجبهم الوطني وتخلوا عن مبادئهم انسياقا وراء العاطفة الهوجاء، وخصوصا بعض شبابنا المثقف في المحرق، وقد أسفت غاية الأسف حينما علمت بأن منهم من كان يدعي أنه فوق الطائفية والإقليمية، وقد انجرف وراء هذا التيار وحمل راية التعصب الأعمى وتطورت الحالة إلى أن تحولت إلى إقليمية ضيقة، محرقي، ومنامي، وكانت ضربة قوية وجهت إلى الشباب الذي كان يعمل دائما لخنق هذه النزعة البغيضة في مهدها، وكأن الذي بنيناه طيلة أربعة أعوام من جهد مضن وسهر وعرق ذهب هدرا تحت وطأة التعصب الطائفي الأعمى".

 

وأنا اقرأ تفاصيل تلك الأحداث- كما يسردها الباكر- أحسست بأن ما تمر به البلاد أثناء وبعد الحراك الشعبي في 14 فبراير 2011م شبيه بتلك الأيام، حيث يكشف الباكر ذلك قائلا " لقد كانت مسؤوليتي كبيرة فبدأت اطفيء أوار تلك النار التي انتشرت في كل بيت في البحرين، لا سيما وقد شاهدت بنفسي كيف كان الانجليز يعملون ذلك في بومبي حينما كانوا يشعلون الفتنة بين الطائفتين الإسلامية والهندوسية، وتصورت في مخيلتي: ترى لو اشتد أمر هذا التعصب ماذا تكون النتيجة اليوم- لا سمح الله- وتراق الدماء! أما الآن فالأمر لم يتعد الضرب بالعصا والحجارة، ثم بدا كل جار إذا كان ينتمي لطائفة معادية يخشى من جاره ولا يخرج من البيت في المساء، لقد تألمت كثيرا وقمت باتصالاتي بين عقلاء القوم ومن المؤسف أن عقلاء القوم - إلا ما ندر منهم - كانوا يرغبون في تأجيج نار التفرقة لأجل أن يعيشوا على حساب الطائفية، وكان كل شخص من العقلاء يبدي حماسا ضد الطائفة المعادية ليصبح زعيما مرموقا، وكل عاقل يظهر نوعا من اللين يعتبر خائنا".

 

بالله عليكم.. ألا يعيد التاريخ نفسه؟ الم نشاهد نفس الأحداث بين أبناء الشعب الواحد؟ ألم يُتهَم مَن كان يَدْعو للوحدة الوطنية بالخائن والعميل للخارج؟ الم نشاهد أفراداً طارئين على الساحة السياسية تسلقوا الأحداث وحشدوا الناس ضد الطائفة الأخرى وخلقوا الكراهية والتعصب والحقد ليصبحوا زعماء للطائفة؟.

 

كان اتجاه بوصلة عبدالرحمن الباكر واضحا في هذه الفتنة الطائفية، ففي حين كان يحاول إيجاد مخرج من هذه الأزمة المفتعلة، أخذت الغوغائية تسيطر سيطرة تامة على الشارع وتتفاقم الأمور أكثر فأكثر – حسب قوله- مما حفزه على العمل السريع لجمع الصفوف " لما له من العمق في سبيل المصلحة القومية، بدلا من أن يأكل الشعب بعضه بعضا لصالح المستعمر والرجعية".

 

كان الباكر يرى بأن هناك أموراً ذات أهمية كبرى بالنسبة للشعب كله وهي تقديم المطالب الشعبية باسم الطائفتين للسلطات الحاكمة " وذلك لإيجاد إصلاح جذري في البلاد في شتى المرافق، لا أن نشغل أنفسنا في فتنة عمياء يستفيد منها العدو وتعود بالأضرار الفادحة علينا نحن سكان البلاد الذين سنكتوي بنارها، وقد حصل بالفعل للكثير من الشعوب التي ابتليت بالطائفية كيف تمزقت وتمكن العدو أن يستثمرها، فالواجب يحتم على العقلاء من كلتا الطائفتين أن يجمعوا أمرهم ويوفقوا فيما بينهم لأجل المصلحة القومية العليا وعليهم أن يتقدموا بالمطالب الإصلاحية دون إجحاف بحقوق طائفة على حساب الطائفة الأخرى".

 

رحمة الله عليه هذا المناضل الوطني الكبير الذي نحتاج إلى أمثاله هذه الأيام، فما أشبه الليلة بالبارحة!.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro