English

 الكاتب:

وليد النعيمي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الوعي واللاوعي في المسألة الطائفية
القسم : عام

| |
وليد النعيمي 2012-08-26 06:17:50




حالما يخرج الإنسان للعالم الخارجي وتبدأ حواسه بالعمل، تظهر بوادر الوعي كنتيجة للتواصل مع المحيط الخارجي والتفاعل معه. بمعنى أن الوعي هو حصيلة المعرفة والأفكار والقناعات المكتسبة التي تُبنى عليها الأنشطة الإنسانية وتتفاعل مع محيطها المادي والروحي.

 

 يقول ماركس "ليس وعي الناس هو ما يحدد وجودهم، وإنما وجودهم الإجتماعي هو الذي يحدد وعيهم". أما فرويد فله نظرة أخرى. فالحياة الإنسانية عنده أشبه بجبل الجليد، ما يظهر منه أقل بكثير مما هو مخفي. وذلك الجزء المخفي يجسد اللاوعي الذي يختزل الكثير من الخبرات والعثرات والأفكار السليمة والشاذة التي تؤثر على الوعي الإنساني وتصرفاته. ومن هنا فحياة الإنسان يتداخل فيها الوعي مع اللاوعي بتناسق يفرز تصرفاتنا وأقوالنا وأفكارنا وأعمالنا التي تنعكس على العالم المادي المحيط بنا. ويمكن القول أن الوعي هو عين الوجود الإنساني بينما اللاوعي هو باطنه.

 

ولتوضيح ذلك لنسرد المثال التالي. في وقت مضى كان استخدام مصطلح "إسرائيل" محضور في الفكر الثوري القومي العربي الذي يؤمن بأن تلك الدولة هي كيان صهيوني تم زرعه في قلب الوطن العربي لنهب خيراته وتفرقة شعوبه. فمن تكون وعيه على هذه التسمية لذلك الكيان المغتصب يصعب عليه تغيير المصطلح، وإن حاول تأتيه أوامر العقل الباطن من اللاوعي بالنهي عن استخدامه. والعكس صحيح من تكون وعيه في ظل استخدام هذا المصطلح "إسرائيل" لا يجد حرج من استخدامه. وحين يأتي ذكر الكيان الصهيوني على مسمعه قد يخاطبه عقله الباطن قائلاً ما هذا الهراء! وكلما تعمقت معارفنا ومشاربنا وترسخت في العقل الباطن سيكون استخدام أحد تلك المسميات من المسلمات الخارجة عن اللاوعي.

 

كيف وصلت بنا الطائفية –محور المقالة- لهذه المرحلة؟ وهل هي وليدة الربيع العربي المتداخل مع الفوضى الخلاقة! أم أنها كانت مختزنة في اللاوعي ونتيجة لتطور الأحداث وجدت التربة المناسبة لبث سمومها؟ ومن يقف ورائها؟ وما السبيل لاجتثاثها من اللاوعي؟

 

إن المرحلة التي وصلت لها الطائفية في نفوس البعض، ومازالت تجاهد للدخول في البعض الآخر المتبقي هي مسألة طبيعة لمن ينتهج مبدأ التفرقة ليسود ويستمر تربعه على رقاب العباد. مستغل الإرث الديني التاريخي للعب على خيوط الخلافات الفقهية وتحويلها لصراع وجود، لا يجد الحوار الفكري المتمدن مساحة له يعبر من خلالها عن وجهات نظره بطرق راقية. ومن جهة أخرى فإن المعتقدات والعادات والتقاليد بشقها الديني وما لها من خلافات واختلافات قد ساهمت بشكل كبير على تحرير الطائفية من عقالها اللاواعي لتجسد ممارسات بشعة على أرض الواقع. المحرك الخفي لها هي جهات بعيدة وقريبة مسيطرة على الأجهزة الأمنية المرئية التي ما هي إلا أيادي قمعية ضاربة واعية تلبي أوامر تلك الجهات التي تمثل اللاوعي المحرك لكثير من الأحداث. فهي خبيرة في دراسة المكونات النفسية للشعوب واستغلالها كحقول تجارب تساهم في استمرار السلطة المرغوب ببقاؤها في الحكم.

 

لقد استُغِل الإعلام وبعض رجاله ونسائه وبعض الوجهاء لغرس مفاهيم تهدد السلم الأهلي لتحوير الصراع وخلط الأواراق بطريقة تحرف الحراك الشعبي عن هدفه وتحول مساره. فتكون لدى الكثير منا منطقة في اللاوعي استخدمت كجهاز استقبال يتلقى الأفكار التي تساهم في تعزيز الطائفية ترتكز على الخوف من سيطرة طرف، ومن مظلومية طرف آخر تعرض لتجارب غير إنسانية أثرت على طبيعة علاقات مكونات المجتمع بسبب تلك الممارسات، إضافة لانعكاسات الوضع الإقليمي الذي يستخدم فيه نفس الداء لتفكيك التجانس البشري بين شعوب المنطقة. إن المخرج من هذه الحالة هو جهاد النفس مع اللاوعي وتغيير ثوابته اللإنسانية الهشة التي تنخر مجتمعنا وتبعدنا عن تحقيقي المطالب المشروعة في الحياة الكريمة.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro