English

 الكاتب:

وليد النعيمي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

هرولة تاريخية بين السلطة والتسلط
القسم : سياسي

| |
وليد النعيمي 2012-08-15 13:10:47




 

الكائن الحي عموماً وبحسب قوته وقدراته يسعى للاستحواذ على أكبر قدر من الثروات المادية أو البشرية أو كليهما ليمارس سلطانه العادل أو تسلطه الغاشم بوعي منه أو عن غير وعي. حتى النباتات لا يمكن استثنائها، فالأشجار الباسقة تتباعد فيما بينها وتترك مساحات أقل لما هو دونها حتى تصل للحشائش التي تغطي المساحات المتبقية -طبعاً ذلك لا ينطبق كثيراً على بيئتنا حيث الرمال هي المسيطرة- أما الفطريات والأعشاب الضارة فهي تمارس التسلط بمفهومه النباتي!

 

الإنسان ككائن حي "بشري" ليس ببعيد عن هذا الأمر، بل أن العقلية البشرية تفرز الكثير الكثير من الأفكار والأقوال والأعمال لمزيد من السيطرة على الأرض ومن عليها. منذ العصور الأولى كانت سلطة الإنسان البدائي لا تتجاوز الشجرة التي تأويه وما يقع تحت يديه من قوت يومه. ومع توسع مداركه وتطويعه لقدرات العقل الذي استغله تدريجياً بشكل أوسع وأعمق لتحقيق غاياته المادية والروحية.

 

ومع تطور وتداخل العلاقات البشرية، استدعت الضرورة خروج قيادة تقود المجموعة للمحافظة عليها وحمايتها وصياغة القوانين والأعراف والتقاليد التي تحاكم وتفصل خلافات الأفراد المنتمين لهذه المجموعة البشرية أو تلك، هنا وجدت السلطة المطلقة التي تتحكم بمصير هذه المجموعات وما قد تجره من تسلط حين تستقر بيد من هو غير أهل لها. وما أن تستقر أحوال المجموعة وتزداد أعدادها حتى تتطاول وتنظر لما خارج حدود سيطرتها، ليصل الأمر لغزو أراضي الآخرين لزيادة مساحة الأرض والثروات في أيدي من يقود حملات الغزو التي يروي التاريخ البشري الكثير منها. والعرب في شبه الجزيرة ونظراً لطبيعة الأرض والبيئة المحيطة كثرت غزواتهم حتى أصبحت أحياناً تحدث لأسباب تافهة يذهب ضحيتها الكثير من الأرواح.

 

جاء الإسلام بمفاهيمه الثورية حينها الداعية لتغيير الكثير من القيم والعادات البالية وتأسيس دولة قائمة على الدين والفكر الإسلامي، وانحرافها بعد ذلك عن مفهوم الشورى الذي دعا إليه الدين الجديد وعودة الحكم لشكله الوراثي -لن أخوض هنا بتفاصيله- وانتهاء الأمر بالدولة العباسية بتفككها لدول متفرقة.

 

لقد تطورت تلك الحضارة في ظل عصر النهضة الإسلامية لتصبح منارة للعلم وفي الوقت ذاته لم تتغير ولم تتطور طبيعة السلطة المتمثلة في سيطرة عائلة تمارس التسلط على العباد مما قاد لضعفها وانحسارها في تلك الحقبة الزمنية. مهد ذلك من جهة أخرى لنجاح الهجمات الغادرة عليها بدءً بالغزو المغولي التتاري ومروراً بالصليبي والعثماني إلى الاستعمار الحديث وما خلفه من مآسي مازلنا نعيشها إلى يومنا هذا.

 

 لقد ذهب الاستعمار بشكله المادي المتمركز على الأرض. لكن أطماع الدول الكبرى لم تتغير. ما تغير هو أسلوب تعاطيها مع الشعوب التي تود السيطرة على خيراتها، فتباين وجودها بين التواجد العسكري المتمثل في القواعد العسكرية وقواتها على الأرض تبعاً لضرورة المرحلة وعنجهية قيادة تلك الدول في فرد عضلاتها لمزيد من التسلط. إضافة لانتهاج أساليب أكثر خطورة موجهة للعقل متمثلة بالغزو الثقافي والأخلاقي الذي ننجر وراءه في أحياناً كثيرة دونما قصد. 

 

شكلت الجزيرة العربية أرضاً صعُب السيطرة عليها من قبل الإمبراطورية العثمانية وخصوصاً في المراحل الأخيرة من عمر تلك الدولة، الأمر الذي شجع بعض القبائل الكبيرة لفرض سيطرتها على أراضيها وبتداخل موزاييكي بينها البين، وبينها وبين القوى الإقليمية والأجنبية كالبرتغاليين والبريطانيين الذي انتهى في عهدهم الاستعمار بمفهومه القديم القائم على التواجد العسكري وتسليمهم الدفة للرأسمالية العالمية والتي تقودها أمريكا.

 

هذه الأنظمة تعيش معضلة حقيقية فهي صادقة في سعيها لتحقيق التنمية والحداثة ولكن بطريقتها! دونما إشراك لرأس المال البشري الذي يعد الثروة الحقيقة لأي دولة تسعى للتطور. ومن جهة أخرى فهي ليست حرة تماماً في صناعة قرارها فأمريكا لا تريد دولة تحكمها سلطة تستمد مصداقيتها من الشعب دونما تسلط تقوم باستغلال ثرواتها بشكل صحيح نحو التنمية الحقيقة.

 

وأمريكا في معضلة أيضاً فهي تنطق وتطبق شيئاً من القيم التي تدعوا لها وتخالف ذلك حين تشتم رائحة الذهب الأسود وتقف المؤسسات المدنية والحقوقية لها بالمرصاد.  فتحاول هذه الدولة اللعب على الحبال بشرط أن تمتلك هي وحدها شعرة معاوية! والطرف الثالث في المعادلة هو شعوب المنطقة التي زاد وعيها وفهمت مدى حق مشاركتها في السلطة لمنع التسلط الذي لم يحمل أي خير على امتداد تاريخه.

 

من حق نظام الحكم المسيطر على السلطات أن يستخدم جميع السبل لتثبيت أركان حكمه على الأرض التي كسبها في آخر غزوة. لكن أركان الحكم الحقيقية قد اختلفت أيامنا هذه فهي تقوم على المشاركة الشعبية في اختيار جميع السلطات وعزلها إن مارست التسلط. حينها سيُدخل الشعب أركان الحكم التاريخ. أو أن أركان الحكم سيدخلون الباب الآخر للتاريخ فيما لو عاندوا استيعاب كوننا نعيش في القرن الواحد والعشرون. 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro