English

 الكاتب:

السفير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 

مواضيع ذات صلة

الموافقة المسلوقة

 

مـرحـلــة انـتـقــال إجـبــاريــة!
القسم : سياسي

| |
السفير 2011-04-03 07:22:58


بقلم ميشيل كيلو:
سواء جاء الإصلاح متأخرا، أو ناقصا، أو متعثرا، أو مجهضا، أو باردا، او فاترا ... الخ، هناك حقيقة ساطعة، لا ولن يستــطيع مخـلوق القفز عنها، هي أن جميع دول عالمنا العربي تقف أمام أو تمر في طور انتقال إجباري، يجعل بقاء حالها الراهنة ضربا من المحال، وذهابها إلى حال بديلة نوعا من الحتمية القاهرة. ومن لا يرد أن يسقط بين مسننات دواليب التاريخ القاتلة، فليكابر وليزعم أنه قهر المحال وأبطل الحتمية والضرورة. 
فيما أعلم، لم يعد هناك في وطننا العربي من ينكر ضرورة الإصلاح والحاجة إليه، وإن كان هناك من يحاول تعطيله أو تأجيله من خلال لعبة تتصل بالوقت، أو بموضوعاته، أو بالجهات التي ستفـيد منه، أو بمراحله، أو بنتائجه. هذا كما نتذكر عكس ما كان سائدا إلى البارحة، عندما كان الجميع يزعمون أنهم ينجزون الإصلاح، ويؤكـدون أنهم أصلحوا شؤون بلدانهم إلى الحد الذي يجعلها في غنى عن تحريك ولو بلاطة رصيف واحدة من مكانها. كان الجميع يقولون أن لا حاجة إلى إصلاح، لأنه تم وانتهى الأمر، واليوم، صار هؤلاء يتبارون في مدح الإصلاح وإبراز الحاجة إليه، وفي هذا ما فيه من معاني ودلالات لا تخفى على الناس، تبين طبيعة العصر العربي الجديد الذي دخلنا إليه، وطبيعة ما يستطيع الشعب تحقيقه بتصميمه على جعل الإصلاح خيارا لا مهرب منه. 
لماذا أزعم أن الإصلاح صار حتميا؟. هل لأن الحكومات غيرت رأيها وقررت فجأة أن تصير إصلاحية ؟. هذا احتمال بعيد ولن يصدقه أحد من عارفي النظم العربية القائمة. أم لأن أحدا ما في الخارج طلب إليها القيام بإصلاح فامتثلت لطلبه وقررت فعل ما لم تكن تطيق : إصلاح أحوال بلدانها وشعوبها، لكن في أدنى حد مستطاع؟. هذا الاحتمال مستبعد بدوره، فالخارج، أميركيا كان أم إسرائيليا، يكره إصلاح الحال العربية ويقاومه، ويخاف منه على نفوذه ووجوده في المنطقة، ويعلم إلى أين يقود إصلاح كهذا، سواء في ما يتعلق بوحدة العرب، أم بتقدمهم الاجتماعي، أم بعلاقاتهم الاقتصادية، أم بثقافتهم، أم بتقنيتهم وعلومهم، أم بمستوى عيش وحياة مواطنيهم. ليس الغرب نصيرا للإصلاح العربي. إنه عدوه: أقله لأنه يخاف منه على العدو الإسرائيلي، فمن المحال أن يكون وراءه وأن يدفع إليه. يبقى السؤال المنطقي: هل فرض الإصلاح نفسه في الواقع، فلم يجد من كانوا يقاومونــه بدا من الانسـياق وراءه، والقبول بنمط منه لا يفنى معه الذئب ولا يموت الغـنم؟. اعتقد أن سر التــحول العــربي إلى الإصلاح يكمن هنا: تحركت المجتمعات تريد الثورة فتحرك النظام يريد الإصلاح، في معادلة غير معلومة النـتائج، لا يعرف أحد إلى أين تقود وماذا سيترتب عليها بالضبط، وإن كان من المؤكد أنها ستسوقنا بعيدا عن الراهن، الممقوت والمرفوض من الشعب، والذي يريد النظام الغربي الحفاظ على عناصره الرئيسة، كي لا تكون ثورة تقــلب كل شيء وتأخذنا إلى واقع نقيض لما هو قائم، علما بأن بقاء الضغط الشعبي واستمراره لا يعني بالضرورة أن الإصـلاح الحــكومي سينجح في قطع الطريق على التحول الجذري الذي يسمــونه الثورة، وفي الحفاظ على النظام عبر التضحية بشخص وحاشية، هما الرئيس وأسرته، ولا يغلق باب الاحتمالات المختلفة، التي يصعب تلمسها اليوم بدقة. 
لماذا صار الإصلاح موضوع الساعة؟. كان الياس مرقص يقول ما معناه: لقد بلغت أوضاعنا درجة من السوء تجعلنا بحاجة إلى إصلاح أكبر من ثورة. ليس الإصلاح الموعود أصغر من ثورة وحسب، بل هو سيوجه على الأرجح ضدها، إذا ما تم في حاضنة نظام نجح في الحفاظ على علاقات الحقل السياسي القائمة اليوم، كليا أو جزئيا، وحال دون إصلاح يتم من تحت، بقوة عامل جديد هو هذا المجتمع العربي الذي يميل بقوة إلى تحطيم الاستبداد وحكم الفرد والبلطجة الرسمية، في كل ميدان وعلى كل صعيد. وكان الحكام من ملوك وأمراء أوروبا قد تعاهدوا أن لا يحدث الإصلاح من تحت، بعد الثورة الفرنسية، وأن يحققوه من فوق: من القصور، ليأخذ شكل إصلاح مضاد للثورة، قال ماركس عنه في ما بعد إنه حقق بعض ما كانت هذه تطالب بتحقيقه، لكن كي يمنع وقوعها!. هل أقول إن الإصلاح العربي سيقتدي بهذا المثال، وسيجهض ثورة العرب؟. كلا، أنا لا أقول هذا لأسباب كثيرة منها: أن الإصلاح الرسمي المطروح ناقص، يغلب عليه بصورة جوهرية طابع غير سياسي. وأنه إصلاح جزئي وقطاعي وليس شاملا، فضلا عن أن من يعدون بتحقيقه يحيلوننا إلى مستقبل إصلاحي لا يبدو قريبا، في حين تمس حاجتنا إلى شيء قريب وملموس، وأنه لن يتمكن مهما صدقت نيات القائمين عليه من تلبية مطالب الناس الكثيرة جدا، إذا لم يتم القطع مع مجمل السياسات والعقليات التي يعتمدونها الآن، المستندة إلى حد عظمي من الفوارق بين طبقات المجتمع وفئاته، وإلى استغلال مقومات التأخر وعناصره في مجتمعاتنا، وأنه أخيرا إصلاح يأتي متأخرا جدا، ويعالج مشكلات يتطلب علاجها تغيرات بنيوية شاملة، سيقود تنفيذها إلى ثورة من فوق، ضد الذي ينفذها، الأمر الذي يضع السلطة الإصلاحية بين خيارين كلاهما صعب: إصلاح من تحت يقلب أو يبدل الواقع القائم، على الصعيد السياسي وركائزه الاجتماعية قبل كل شيء، يتم في شروط تراجع قدرات النظم على التحكم بالمجتمعات، أو إصلاح من فوق يرجح أن يشق النخب الحاكمة والمالكة، مع ما قد يترتب على ذلك من نتائج وخيمة على النظام بأسره! 
ما الذي يجعل الإصلاح أمرا لا مهرب منه، وبداية مأزق تاريخي، حتى إن نجح في تهدئة الأحوال واحتواء الغضب الشعبي؟. أعتقد أن هناك تبدلا غير كل شيء، فلم يعد المجتمع ما كان عليه قبل عقدين أو ثلاثة، كما لم تعد السلطة، التي كانت قادرة على ضبط كل شيء، هي نفسها السلطة الراهنة، بينما يرفض العالم شيئا فشيئا الخيار الذي رأى في الاستقرار شرط الحرية، ويميل إلى رؤية تجعل الحرية شرط الاستقرار: أولوية عالمية يحتاج الكبار إليها من أجل حماية وضمان مصالحهم: عندنا وفي العالم الفسيح. 
- أما التغير الأول، تغير المجتمع، فهو يتجلى في نمو جسده كما ونوعا وضيق قميص السلطة / الدولة، الذي يبدو جليا أنه مفروض عليه بالعنف والتخويف. أليس واضحا للعيان كم تطور المجتمع وتغير خلال السنوات الأربعين الماضية، التي تراجع خلالها بكل جلاء طابع السلطة المرن، وتناقص حراكها، وركد تجددها، وتصلبت وفسدت نخبها، وغدت أكثر انغلاقا وعدوانية حيال مجتمع تبحث طبقاته الوسطى، المتعلمة وذات الحساسية الخاصة لمسائل الحرية والقيم الجامعة والتقدم الفكري والمعرفي، عن وظيفة ودور، أثبتت أحداث تونس ومصر أنه ممكن جدا إن هي نجحت في تبني لغة ومطالب تستطيع تحريك القاع الشعبي ضد النظام. 
- بينما تناقصت قدرات السلطة على إدارة وتنمية بلدانها، وغرقت في فجور ترفي / استنزافي تطلب استيلاءها على نصيب متعاظم من الدخل والثروة الوطنية، ووضعها في حالة عجز متعاظم عن القيام بواجباتها الرئيسة في ميادين تتصل بحياة الشعب وكسب قبوله مثل تأمين العمل لبناته وأبنائه، وتقديم الخدمات الضرورية، وضمان لدخول ملائمة للمواطنين، فغدت سلطة فاشلة يجافي طابعها نمو مجتمعها وتغيراته الكمية والنوعية، وحراك العالم ومستلزمات التقدم. 
- أخيرا، فإننا نعيش الثورة الثالثة، التي بدلت الكون بصورة لا سابقة لها، ووضعت الإنسان الفرد في مركزه، وجعلته مبدع العالم الموضوعي بعد أن كان صنيعته، وغيرت علاقاته بالزمن فلم يعد الماضي مركزه، بل صار المستقبل هو الزمن الحقيقي والمقرر، الذي لم يعد الحاضر غير لحظة في الطريق إليه. بهذه الثورة، تحول كل فرد إلى بؤرة وشبكة تواصلية تفاعلية قائمة بذاتها، تمتلك قدرات تتيح لها تقييد نفوذ السلطة عليها، ووضع نفسها خارجها، بفضل مجتمع جديد افتراضي يمده بالحرية والمعرفة والتواصل، ويمكنه من ربط هذه المفردات بالواقع بطريقة تدفعه إلى التمرد عليه والثورة ضده. 
هذه المتغيرات لعبت دورا كبيرا في جعل الإصلاح حتميا، وأقنعت النظم بأنه خيار يراهن عليه لمنع بديله : التمرد، يفرض الاختيار بين بديلين لا مفر منهما: التمرد أو الإصلاح، علما بأن الاستمرار في احتجاز الواقع على الشكل الذي تريده السلطة، ويفرض بالإكراه على الدولة والمجتمع، غدا استحالة يستحيل التعايش معها. 
هناك من يضيع وقته، بالاعتماد على قراءة خاطئة للواقع، تجعله يتوهم أن البندقية والسوط هما محركا التاريخ ومقررا مصير الشعوب. هؤلاء يفوتون على أنفسهم وبلدانهم فرصا لن يكون عائدها عليهم غير الخسارة والذهاب مع رياح التغيير، التي لم يتوقع أحد عصفها بالمنطقة، قبل أن تغيرها! 2 ابريل 2011

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro