English

 الكاتب:

د. علي فخرو

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

لنرفض وداوني بالتي كانت هي الدًّاء
القسم : سياسي

| |
د. علي فخرو 2011-03-24 08:10:04


كلما مرُت الأيام على ذلك المشهد الثوري العربي المتلاطم، وهو يتفجّر من تحت ذلك السُّبات الذي خيًّم لعدًّة عقود، كلما تراكمت الدُّروس والعبر المغذًّية للحاضر والمستقبل الممتدٍّ في الأفق التًّغييري الشامل البعيد. واليوم، إذ يصنع العرب قدرهم، يحتاج قادة ثوراتهم أن يعوا جيداً ما قاله الأمين العام السابق للأمم المتحدة، داغ همرشولد، من أننا لا نستطيع إختيار إطار قدرنا ومصيرنا، ولكننا حتماً قادرون على أن نضع ما نشاء داخل ذلك الإطار. وما تفعله أو تحصده الثورات الآن جزء أساسي من ذاك الذي يضعونه في إطار قدرهم الجديد.
1. إذا كانت ثورات العرب الحالية هي محاولات لاقتحام حصون الديمقراطية، التي ظلًّت منيعة عليهم طوال القرون، فإنهم يجب أن ينتبهوا إلى ضرورة رفض ما تقدمه بعض الأنظمة حلولاً كانت في الأصل من أهم عوامل العجز الديمقراطي في الوطن العربي. ففي كتاب ' تفسير العجز الديمقراطي في الوطن العربي'، تحرير ابراهيم البدوي وسمير المقدسي، من منشورات مركز دراسات الوحدة العربية، يخلص المحرٍّران إلى أن النّخًّبة من الباحثين العرب والأجانب الذين استغرقوا لإنجاز هذا البحث مدة عامين، خرجوا بنتيجة مؤدًّاها أن العوامل التي تفسٍّر استمرار العجز للانتقال الديمقراطي تقع تحت عنوانين: الأول هو النًّفط، وصراعات المنطقة، والتدخلات الخارجية، والثاني هو القضايا التاريخية والسياسية والمجتمعية.
ما يهمنا في العنوان الأول هو النفط. وأهمية النفط تكمن في أنه أحد أبرز العوامل الحديثة التي أدًّت إلى ترسيخ وتقوية وإدامة مفهوم الدولة الريعية في أرض العرب. في بلدان النُّفط سهًّلت ثروات النفط المقايضة بين الرًّفاه الاقتصادي والاجتماعي وبين الحرية السياسية المطلوبة للإنتقال إلى الديمقراطية. وفي الأقطار العربية غير النفطية سهًّلت الثروة النفطية استعمال فوائضها بشتًّى الأشكال لدعم النظم الاستبدادية في تلك الأقطار.
اليوم، والثورات الديمقراطية على أشدٍّها، تحاول العديد من النظم العربية استعمال نفس الوسائل، الوسائل الريعية التي اشترت تأجيل الديمقراطية برفاه البترول الاقتصادي، وذلك لحرف أو تشويه أو تنزيل سقف المطالب الديمقراطية. فمن حكم يوزًّع المليارات من الثروة البترولية كرشوة لشعبه ليركًّز على المطالب المعيشية حتى يقبل راضياً وسعيداً بأن تدور حياته حول أكل العلف في الزًّرائب المسوًّرة بألف حاجز وحاجز. ومن حكم يرصد المليارات، التي ظلًّت عصيًّة في خزائن النًّهب والفساد، للبدء في حلً إشكالات البطالة والإسكان والغذاء إلخ... التي كان لعقود يتجاهلها. ومن حكم يرفع الأجور بنسب خيالية دون ربط بالجوانب الاقتصادية ودون حساب لإمكانيات الاستمرارية في المستقبل. ومن حكم يجنٍّد ويشتري البلطجية المرتزقة من الداخل والخارج ليقمع شعبه ويعيدهم إلى سلاسل العبودية الخائفة من ظلً الدولة.
تتوالى العطاءات الريعية، في أجواء الذُّعر والخشية من نفس مصائر من سقطوا تحت أقدام الثورات الناجحة، لتستمدُّ قوة جديدة. فمن قبل ساهمت في تثبيت عجز الديمقراطية العربية واليوم تساهم قصٍّ أجنحة الإنتقال إليها. وهكذا تتضح الصورة بأن الإنتقال للديمقراطية في بلاد العرب لن يتم إلاُ بإنهاء الدولة الريعية كمفهوم وممارسة وواقع تاريخي متجذٍّر إستطاع إفساد وتأجيل كل المحاولات للإنتقال الديموقراطي السًّليم الشامل عبر القرون الطويلة.
2. ما يهمنا في العنوان الثاني هو الإرث التاريخي الذي تمثُّل في شرعيات حكم مبنيًّة على ولاءات قبلية أوطائفية، وعلى شخصنة للحكم، واعتماد على شرعية لم تتطوًّر أسسها ولا تجلًّياتها مع الزًّمن ومع تغيُّر الظروف، وإدًّعاء بخصوصية وتميُّز المركز السياسي والثروة والجاه الاجتماعي لجماعة الحكم.
هنا أيضاً استعمل الإرث التاريخي، الذي أثبت الباحثون أنه كان أحد أسباب العجز الديمقراطي العربي، في التعاطي مع مطالب الثورات الجديدة. فاستمعنا للذين طالبت شعوبهم برحيلهم وهم يذكٍّرون شعوبهم بفضلهم على هذه الشعوب وبالخدمات السًّابقة التي قدًّموها لأوطانهم وبمكاناتهم العسكرية والثورية الغابرة. ووصل الهذيان بأحدهم بأن اعتبر نفسه رمزاً مجسُّماً لمجد الأمة أو لكيانها السياسي، الأمة التي مرًغ كرامتها في الوحل. لقد استمع الجميع لهلوسة سياسية من قبل شخصيات مهزوزة متعجرفة بابتذال ظلًّت تحاول استدرار عطف الجماهير باسم بعض القيم والعادات الثقافية العربية من مثل توقير كبار السن أو حق القائد المخطئ في الحصول على فرص جديدة أو الغفران للمذنبين التًّائبين.
لقد كانت ظاهرة عجيبة ملفتة: إستعمال أدوات الدولة الريعيًّة، وعلى رأسها الرًّشوة بالمكرمات المالية والخدميًّة المذلًّه، واستعمال شتًّى أنواع الإرث التاريخي السياسي والثقافي.. إستعمال نفس الأدوات التي كانت السبب في العجز الديمقراطي العربي، وذلك من أجل إقناع جماهير الاحتجاجات والثورات بأن أنظمة الحكم العربية في طريقها التدريجي نحو تحقيق المطالب الديمقراطية. إنها أحجية الكثير من الأنظمة العربية في مداواة المرض بالجراثيم التي كانت في الأصل سبب المرض. من هنا الأهمية القصوى لأن ترفض قوى الثورات الديمقراطية، عبر مسيرتها التي ستطول، حقنها بنفس جراثيم أمراض مجتمعاتها. الثورات العربية الجديدة يجب أن تفتٍّش عن، وتحصل على، علاجات جديدة تبقيها قوية ومعافاة من علل الماضي.
القدس العربي - 23 مارس 2011

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro