English

 الكاتب:

د. انيسة فخرو

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

أين الأمن والأمان؟
القسم : سياسي

| |
د. انيسة فخرو 2011-03-20 08:03:08


ها أني أرى إننا على شفا حفرة من نار الحرب الأهلية، فعسى الله أن يبعدنا عنها ويحفظ شعبنا وبلدنا آمنا غانما، لأول مرة في حياتي أسمع اللهجة المحرضة على قتل الآخر، لأول مرة أشعر أن شعبي يتقلب على نار الفتنة.
والشيئ الوحيد الذي يبعث على التفاؤل في وسط هذا الخراب، هو إني مازلت أرى العقلاء من شعبي الذين يرفضون لغة الطوائف.. أراهم يبزغون كالفجر.. كالضياء.. يزينون المدى بالعطر.. ويفرشون الأرض بالرازجي والياسمين، لكم من القلب تحية.. أعرف أنكم تسيرون على الشوك، لكن من أجل بحريننا الوردة يهون كل شيئ.
البحرين ليست مُلكا لطائفة أو لأي أحد.. ليست للشيعة فقط وليست للسنة فقط، بحريننا لنا كلنا ونحن شعب واحد، شئنا أم أبينا هذا قدرنا ومصيرنا منذ الآف السنين، وعلينا ليس أن نقبل به فحسب، بل نفرح فيه، لأن الاختلاف نعمة على أمتي والخلاف نقمة وفتنة، كما قال اشرف الانبياء والمرسلين محمد عليه الصلاة والسلام.
 
اللحمة الوطنية تفككت، أين الأمن؟ أعرف اسر شيعية عاشت دهرا في المحرق ولم تشعر بذرة فرق بينها وبين الأسر السنية، وأعرف اسر سنية عاشت في أزقة المناطق الشيعية بحب وأخوة لسنين طوال، والآن يأتي اليوم المنحوس الذي يقبع فيه رب الاسرة في بيته بلا حراك مع اطفاله بلا طعام خوفا ورعبا منذ بدء انتشار هؤلاء الفتية في الشوارع بعصيهم واسلحتهم الخرقاء. أين إدارة المرور عنهم؟ أين البلدية؟ اين الأمن؟
 
"أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض"، الجميع سَمع عن الحكاية العربية المشهورة التي اقتُبس عنها ذلك المثل العربي القديم، والحكاية تقول ان أسدا كان يصعب عليه أكل ثور من الثيران الثلاثة في الغابة، ففكر في افتراس كل ثور على حدة بطريقة ذكية، والمثل يُشّبه المجتمع البشري، أي مجتمع كان، بالغابة التي يحكمها الأسد، والرعية أو الشعب بطوائفهم ومذاهبهم وأعراقهم يُشبههم المثل بالثيران الثلاثة بألوانهم الأسود والأبيض والأحمر، وكل ثور يمثل طائفة معينة، ومن المعروف قوة الثور وهيبته، فهو من أصعب الحيوانات مراسا واكثرها عنادا، لكن ايضا من المعروف عنه عاطفيته وطيبته التي تبلغ حد السذاجة، والوصف الشعبي الذي يُطلق على الأبله (بالثور الأبتر) دليل على ذلك، لكن يصعب على الأسد بمفرده أن يتغلب على الثور لقوته، فما بالكم إذا كانوا ثيران ثلاثة ذوو بأس شديد.
لذا فإن افضل وسيلة للتغلب عليهم هو استخدام الحيلة والمكر، لافتراسهم واحد تلو الآخر، والسياسة هي فن المكر والدهاء، فكلما مكرت اكثر استطعت أن تصل الى المراتب والكراسي العليا، وكلما ازددت مكرا استطعت ان تطيل عمرك أكثر.
والمكر والدهاء السياسي يحتاجان الى تفكير وتخطيط، وتنفيذ الخطط يحتاج الى وقت طويل، خاصة اذا اردت ان تستوي الطبخة فإنها اطيب ما تكون تلك المبهرة جيدا على النار الهادئة، لذا عندما تأكلها تستلذ بطعمها لأنك لا تتذوق العفن، ولا تتسلل إلى  أنفك رائحة الزفر والخبث.
وكحال الإنسان الشريف بالنسبة الى أي نظام مستبد، مثل المناضل عمر المختار، فلقد وضع الاستعمار الايطالي الخطط الماكرة بدهاء لميله واسترضاءه وشرائه بالمال أو بالنفوذ والسلطان، فإن لم تنفع كل تلك الحيل والوسائل يكون الكي آخر الحلول، فإما الاعتقال وإما الموت، وبالطبع الخيار الثاني هو الأفضل دوما بالنسبة لهم لاسكات الصوت الشريف إلى الأبد. لكن و(للأسف) بالنسبة للمستبد و(ياللفخر) بالنسبة للشعب، فإنه يولد ألف إنسان شريف من بعد موته.
إن التخطيط يقتضي استخدام مختلف الاساليب، فمن العصا الى الجزرة،  ومن التساهل الى الشدة.
إن التخطيط يقتضي وضع الحركة الشعبية في قفص الاتهام بالتآمر مع جهة خارجية، لتشويه صورتها امام الشعب، ففي مصر كانت القاعدة وخلايا حزب الله واخوان المسلمين، وفي ليبيا كانت القاعدة أيضا ثم (عملاء) امريكا وفرنسا وكل الغرب، وفي اليمن وجه رئيسهم اتهام واضح الى امريكا واسرائيل ورجع صاغرا يعتذر لهم عن ذلك، ونحن لا نستبعد مثل هذه التدخلات، لكننا نعيد القول بأنه لولا وجود ثغرة ومشكلة داخلية لما استطاعت اية جهة اجنبية أن تنفد منها تحقيقا لمصلحتها الخاصة جدا ولغرض في نفس يعقوب. 
إن التخطيط الذي تقوم به بعض الأنظمة دوما يأتي بنتيجة ايجابية لهم، خاصة إذا لعب على الوتر الديني او العرقي او المذهبي الحساس، ففي مصر ولبنان لعبوا على التفرقة بين المسيحين والمسلمين، وفي اليمن والسودان وليبيا لعبوا على الفرق العرقي والقبلي ما بين الجنوب والشمال أو بين الشرق والغرب، وفي لبنان والعراق لعبوا على الفرق الطائفي والمناطقي ما بين الشمال(مسيحيون ودروز بالنسبة للبنان واكراد بالنسبة للعراق)، والجنوب(شيعة) والوسط (سنة)، والطائفي في البحرين بين القرى (الشيعة) والمدن (السنة)، وفي كل مرة تنجح اللعبة وتأتي بثمارها. 
 
والسؤال المؤلم: لماذا في كل مرة تنجح اللعبة وتأتي بثمارها الطيبة على المستبد؟ مع ان الجميع يعرف المثل الانجليزي الاستعماري المشهور (فرق تسد)، إلا ان اللعبة دوما تنجح، لماذا؟
والجواب: لأن الملعوب فيه قضايا تمس الأحاسيس والعواطف والروحانيات والعقائد، قضايا هي أغلى ما تكون عند الإنسان.
 
وللتاريخ.. أذكركم بالحرب الأهلية في لبنان التي بدأت شرارتها في ابريل 1975، عندما قامملثمون (ما زالوا مجهولين) بمحاولة اغتيال بيار الجميل رئيس حزب الكتائب ونجا هو من المحاولة لكن اغتيل اربعة ممن كانوا معه، وفي مارس 1975، قام ملثمون بمهاجمة حافلة تقل فلسطينين مدنيين وقتل منهم 27 مدني في منطقة عين الرمانة، وانتشرت الجريمة مثل النار في الهشيم، وفي غمضة عين عرف أقصى شمال لبنان ما حدث في جنوبه، ونشبتالحرب الأهلية التي استمرت سبعة عشرة عاما وجلبت معها الويلات والخراب، وأخذ الشعب اللبناني عبرة منها، فمهما بلغت العقدة لا تصل الى حد خيار الحرب الاهلية.
 ولو شككك الناس في الفاعل للجريمة الأولى، ولو تم التحقيق في الجريمة الثانية، ولو تم التعرف على هوية أولئك الملثمون اللذين قاموا بالجريمتين، قبل ان يحمل الناس السلاح ضد بعضهم البعض، ولو كان هناك تحقيق عادل وموضوعي في الحادثتين لعرفوا المسبب الحقيقي،  وتم أخذ القصاص من المجرمين بدلا من معاقبة شعب بأكمله لما قامت الحرب الأهلية في لبنان.
واستمر مسلسل المجازر والجرائم والاغتيالات في لبنان منذ ذاك الأوان حتى الآن، ففي ديسمبر 1975 عُثر على 4 جثث لأعضاء من حزب الكتائب، فقامت المليشيات المسيحيةبوضع نقاط تفتيش في مرفأ بيروت، وقُتل المئات من الفلسطينين واللبنانيين المسلمين بناء على بطاقة هوياتهم التي تُظهر دين حاملها، والبعض قُتل حتى قبل أن يرون هويته.. فقط من اسمه أو لهجته.
وكم يذكرني المشهد الحالي بالحرب اللبنانية، هذه الحواجز المصطعنة غير الحضارية والتي أراها اليوم متناثرة في شوارع كل مدينة في بلادي، والتي يقف حولها شباب لا تزيد اعمارهم عن العشرين، يقيمون هذه الحواجز البائسة من حاويات القمامة المعدنية وهم يحملون العصي الغليظة والأسلحة البيضاء والأدوات الحادة، يستوقفون السيارات ويحققون مع ركابها وكأنهم مجرمين، هؤلاء الشباب في بيوتهم لا يعرفون امساك السكين لتقشير حتى تفاحة، وفي الشارع يخيل اليهم أنهم يحمون أعراض الناس وعرين العروبة، بئس السامع والمسموع، بئس الفاعل والمفعول. أصرخ أين الأمن؟ المواطن يريد أن يشعر بالأمن والأمان. وبغض النظر عن المسبب فالنتيجة واحدة، لا أمن ولا أمان.
وفي 1976 قامت الكتائب اللبنانية باقتحام منطقة الكرنتينا التي يقطنها المسلمون من الاكراد والسوريين والفلسطينين وقتلت 1500 شخص، وردت المليشيات الفلسطينية باقتحام بلدة الدامور المسيحية وقتلت المئات، فهرب كل من المسيحين الى مناطق تواجد الأغلبية المسيحية، وهرب المسلمون الى المناطق التي يقطنها الاغلبية المسلمة، وانقسم لبنان الى قسمين شرقية وغربية، وهكذا استمرت الاغتيالات التي أودت بلبنان الى منزلق الحرب الغبية الهوجاء والتي اكلت الاخضر واليابس ولم تذر شيئا، وخسر الاقتصاد اللبناني معها مليارات الدولارات، وخسروا الأمن والأمان، خسروا المحبة والسلام، وعرفوا بعد سنين طوال بأن أصابع المخابرات الصهيونية (الموساد) كانت جلية وواضحة في الجريمتين، لأنهم كانوا اكبر المستفيدين من تلك الحرب، لكن بعد ماذا؟ وماذا تفيد لو؟ لا يفيد الصوت بعد ان يفوت الفوت، وما نفع البكاء على اللبن المسكوب بعد أن وقع الفأس في الرأس، ومن كان الخاسر الاكبر؟ الشعب اللبناني بطوائفه ومذاهبه وحكومته، ومن الرابح؟ الصهاينة وتجار السلاح وبعض الافراد الانتهازيين غير الوطنيين المتنفذين في اجهزة الحكم والمرتزقة المأجورين للقتل.
 
ولنفس الأسباب وبنفس الأسلوب قامت الحرب الأهلية في العراق والسودان، وغيرهما من دول العالم المتخلف الثالث.
 
اللعب بالورقة الطائفية مقتل للجميع، فإشاعة الرعب بنشر الاشاعات ودفع الأصابع السوداء الخفية للقيام وافتعال أعمال العنف والتخريب بممتلكات السُنة مثلا، ليصحى الناس ذات صباح ويجدوا محلاتهم وبيوتهم وسيارتهم متعرضة للحرق والتكسير، وتكون التهمة جاهزة ضد الشيعة وتكون الاجواء مهيئة لتصديق الكذبة والشائعة وانجاح الخطة، وكردة فعل طبيعية يقوم السُنة في اليوم الذي يليه بتتبع محلات الشيعة وحرقها وتكسيرها لتزداد حدة الرعب والخوف كل من الآخر، لنعيد سيناريو الحرب الأهلية نفسه بعنف وقوة أمام الأعين والأذهان.
الوقاية من الفتنة خير من العلاج، لأن العلاج يقطف الأرواح البريئة ويستغرق الوقت الطويل والجهد الكثير ويأكل الاخضر واليابس. والحكمة كل الحكمة فيما قام به كل من السلطان العماني قابوس والملك محمد السادس بالمغرب، استباق الوقاية قبل استفحال المرض.
 
جاءت القوة العسكرية للسلطة بشكل لا يتناسب بتاتا  مع القوة العسكرية للشعب، فشتان بين هذا وذاك، بين جيش الدولة المنظم والمدجج بالسلاح والعتاد، وزادت عليه قوات درع الجزيرة، والتي نعتقد أنه لا داع لها تماما، فالهدف منها هو ليس مزيد من القوة، فما لديهم يكفي ويزيد، بل هدفها التغطية السياسية والإقليمية للنظام- وبين شعب مدني أعزل على الرغم من هفواته وأخطائه- مع وضع الاعتبار للأسلوب الذي استخدمته الأنظمة المصرية والتونسية واليمنية لتأجير (البلطجية والجهلة) من أجل جر الصراع إلى منحى الطائفية والعنف- ويعرف النظام سلفا أن الغلبة له في مجال القوة العسكرية، علما بأن الشعب البحريني واليمني( مع أن أغلب افراد الشعب اليمني مسلح) لكنه استفاد من التجربتين المصرية والتونسية في رفع الشعارات السلمية وعدم استخدام أي وسيلة عنف، ففي كل التحركات الشعبية السابقة كان الشعب البحريني يستخدم شيئ من العنف، ففي الخمسينيات استخدم اسلوب حرب العصابات لملاحقة ارتال الجيش الانجليزي والنظامي، ومنذ التسعينات حتى سنة الألفين استخدمت الحركات الشعبية في البحرين اسلوب الحرائق والملوتوف، واخفقت في تحقيق المكاسب والانتصارات الكبرى، إلا في هذه الحركة الشعبية الحالية فبراير 2011، فإنها لم تستخدم أي شكل من أشكال العنف، بل ولأول مرة ترفع أعلام البلاد والورود وتهتف (سلمية)، لاعتقادها بأن هذا الشكل السلمي هو الذي يمكن أن يحقق لها جزء من المكتسبات كحال مصر وتونس.
السلام هو شعار ديننا الاسلامي الحنيف. وقتل النفس البشرية من أكبر الكبائر عند الله، فما بالنا بقتل المسلم لأخيه المسلم، ومن قال (لا اله الا الله فقد اسلم).
نتساءل بكل عجز: كم ستقتلون من أنفس بعد؟ سواء من المتظاهرون أو من رجال الأمن والشرطة، كم سيموت من ضحايا؟ شباب في عمر الورود كان أجدر بهذا الوطن أن يرى أولادهم يعمرونه، فهل أنتم قادرون على إبادة شعب بأسره؟ وهل من أياد بيضاء تمتد لنشر الضياء والسلام؟

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro