English

 الكاتب:

السفير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الرصاص، المال… و«الدوناتـس»
القسم : سياسي

| |
السفير 2011-03-19 08:03:40


يبدون شباباً عاديين. يرتدون الجينز والأحذية الرياضية ويلوحون بأعلام بلادهم ويرفعون أيديهم في الهواء. يحملون شعارات مسالمة، والعديد منهم يهتف «سلمية، سلمية».
وكما أظهرت الصور، كانت حاملات الجنود تنتظرهم في الشارع. وأزالوهم عن ساحة اللؤلؤة بالقوة، لكنهم عادوا في اليوم التالي ليسمعوا أصواتهم.
واندلع رصاص متقطع! تفرّق المتظاهرون وهرب بعضهم. لكن ليس الجميع. فثلاثة منهم لم يتمكّنوا من الفرار. وأحد هؤلاء أصيب برصاصة في رأسه. إنه رضا بو حميد.
حصل هذا الحادث في 18 شباط الماضي. وهو أحد أحداث العنف المتسلسلة التي شنتها قوات الأمن البحرينية لاحقا على المتظاهرين مخلفةً 12 قتيلاً وأكثر من 200 جريح. وقد وضح جلياً أنه لم يتم استخدام الهراوات والقنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي فقط لقمع المتظاهرين، بل الرصاص الحي أيضاً.
قد يكون دافعو الضرائب الأميركيون هم من دفع ثمن الرصاصة الحية المسؤولة عن مقتل بو حميد، والتي أعطتها وزارة الدفاع الأميركية - البنتاغون - إلى الجيش البحريني.
لقد تبيّن مؤخّراً أن العلاقة التي تمثّلها هذه الرصاصة (وأخرى كثيرة مثلها) بين جزيرة البحرين الصغيرة والبنتاغون، هي أقوى بكثير من المسلمات الديموقراطية الأميركية، وحتى أقوى من علاقات رئيس الولايات المتحدة بالدول الأخرى.
إن مسألة وصول الرصاص الأميركي إلى أسلحة بحرينية وغير بحرينية تستخدمها القوات النظامية لقمع التظاهرات المطالبة بالديموقراطية، تطرح تساؤلات حول العلاقة الضبابية التي تربط وزارة الدفاع الأميركية بعدد من الحكومات الاستبدادية في العالم العربي. وفي تحليل أكثر عمقاً، يمكن رصد الوسائل التي استخدمتها الدول النفطية والبنتاغون بهدف الضغط على البيت الأبيض للمساعدة في إسكات إرادة الديموقراطية التي تجتاح الشرق الأوسط.
رصاص وطوافات
بحسب وثائق تابعة لوزارة الدفاع الأميركية، أرسلت الولايات المتحدة منذ التسعينيات «فائضاً» من الدبابات الأميركية، ناقلات الجنود، وطوافات مقاتلة إلى البحرين. وقد وهبت واشنطن للمنامة آلاف المسدسات وذخائر لا تحصى. فعلى سبيل المثال، لقد بعثت الولايات المتحدة بكمية رصاص من عيار «50» المستخدم في الأسلحة الرشاشة والقناصة، ما يكفي لقتل كل مواطن بحريني أربع مرّات! ولم توضح وزارة الدفاع سبب ذلك.
إلى جانب هذه الهبات، وخلال الفترة الممتدة ما بين عامي 2007 و2009، اشترت البحرين أسلحة أميركية بقيمة 386 مليون دولار. وتتضمن الصفقات تشكيلة متنوعة من الآليات والأنظمة الدفاعية. وعلى سبيل المثال ايضاً، أعلن البنتاغون خلال الصيف الماضي عن عقد من بضعة ملايين الدولارات مع شركة «سيكورسكي» للطائرات لتصنيع 9 طوافات من طراز «بلاك هوك» بمواصفات معدّلة للبحرين.
بعد التعامل العنيف وإطلاق النار على المتظاهرين من قبل قوات الأمن البحرينية في 14 شباط الماضي، تلقى البيت الأبيض تقارير تفيد عن استخدام الجيش البحريني الطوافات لقتل المدنيين، بالإضافة إلى إطلاق النار مراراً على سيارات الإسعاف الآتية لنقل المصابين، فطلبت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون من الحكومة «ضبط النفس». أما موقف الرئيس باراك أوباما فقال إن «الولايات المتحدة تدين العنف المستخدم من الحكومات ضد المتظاهرين السلميين».
وبدأ بعدها الكلام بعدها عن «قانون ليهي» القاضي بوقف جميع المعونات العسكرية إذا ثبت استخدام الأسلحة الأميركية من قبل القوات البحرينية في حالات تمثّل خرقاً لحقوق الإنسان. وأشار مساعد أحد نواب الكونغرس الى أنه بالفعل، «هناك دليل على حالات خرق»، مضيفاً أنه «يجب تحديد الأجهزة الأمنية التي تقف وراء هذه الاعتداءات، وما إذا كانت الأسلحة الأميركية استخدمت من قبل هذه الأجهزة».
ومنذ ذلك الحين، أضحت نبرة واشنطن أكثر نعومة. وبسحب تقرير لجوليان بارنز وآدم إنتوس نشر في صحيفة «وول ستريت جورنال» مؤخراً، كان ذلك بسبب حملة مبرمجة استهدفت مسؤولين كبارا ونظمها تكتّل مشترك من البنتاغون، وزارة الخارجية الأميركية، ومبعوثين خاصين ممثلين للملك البحريني حمد بن عيسى آل خليفة وحلفائه في الشرق الأوسط. وفي نهاية المطاف، أكد هذا اللوبي العربي، أنه في ما يخص البحرين، لن يدعم البيت الأبيض «تغيير النظام»، كما فعل (متردّداً) في تونس ومصر، بل استراتيجية تقوم على نظرية إصلاح مستقبلي لما يدعوه بعض الدبلوماسيين اليوم «تعديلاً في النظام».
بالإضافة إلى ذلك، قام مجلس التعاون الخليجي بدوله الست باستثمار هواجس واشنطن عبر إقناعها بأن إيران قد تنتفع من أي تغيير ديموقراطي في البحرين، وأن المنطقة بأسرها ستمر بحالة عدم استقرار لا توافق السياسة الأميركية في المنطقة.
وبالتالي، صرّح أحد مسؤولي الإدارة الأميركية في حديثه إلى الصحيفة أنه «في حالة البحرين، تميل الإدارة إلى تفضيل الاستقرار على حكم الأكثرية»، مضيفاً «أدرك الجميع أن البحرين أهمّ من أن تسقط».
وتضمّ هذه الجزيرة الخليجية الصغيرة قاعدة الأسطول الخامس في البحرية الأميركية، والتي يعتبرها البنتاغون ذات أهمية خاصة في المنطقة. كما تعتبر امتداداً للسعودية، وهي محطّة النفط الأميركية في المنطقة، وبدورها أيضاً أهم من أن تسقط.
للعلاقة الأميركية – الخليجية أبعادها الخاصة. ويعتبر البعد العسكري إحدى ركائزها. ولا يتمّ الحديث كثيراً عن الزواج الثلاثي بين شركات صناعة الأسلحة، دول الخليج، والبنتاغون. فلا يمثل البنتاغون فقط شاري السلاح الأكبر كما يتهيأ للبعض، بل هو أيضاً المسوّق الأهم لهذه الشركات. ويتوقع أن تنفق دول التعاون الخليجي هذا العام (بالإضافة إلى الأردن) حوالى 70 مليار دولار لشراء السلاح، وحوالى 80 ملياراً ابتداءً من العام 2015. وتأتي هذه الاموال في وقت تبحث فيه الولايات المتحدة عن أسواق لإنقاذ شركاتها في ظلّ الظروف الاقتصادية الصعبة.
منذ تشرين الأول الماضي، بدأ البنتاغون حملة سرية يقودها خبراء ماليون لإقناع شركات السلاح التي يتعامل معها تكثيف العمل على إيجاد مصادر تمويل طويلة الأمد لمواجهة الانخفاض المتوقع في الميزانية الدفاعية الأميركية في المستقبل القريب. وتشكّل الدول الخليجية، وعبر وساطة البنتاغون، أحد أكبر هذه المصادر. فقد وفرت صفقة سعودية بقيمة 60 مليار دولار لشركتي «بوينغ» و«لوكهيد مارتن» من ضمن أخرى رائدة في مجال الصناعات العسكرية، ضمانة طويلة الأجل إذا انخفضت الميزانية الدفاعية الأميركية.
غير أن هذا الارتهان لمال الخليج لا يأتي بالمجان أيضاً. ولم يبذل هذا اللوبي العربي الكثير من الجهد لإقناع البنتاغون بأن هذا الإنفاق قد يتوقف في حال تغير الأنظمة، وتحول المنطقة نحو الديموقراطية.
وذلك طبعاً بالإضافة إلى الخطر الذي يمثله هذا التغيير على أرخبيل القواعد العسكرية المنتشرة في السعودية، الإمارات، عمان، قطر، الكويت، والبحرين.
«الدوناتس» بديلاً من الديموقراطية
اصطف المتظاهرون ضدّ النظام البحريني أمام السفارة الأميركية في المنامة وهم يرفعون لافتات كتب عليها «أوقفوا دعم الدكتاتوريين»، «أعطوني الحرية أو أعطوني الموت»، و«الشعب يريد الديموقراطية». ومعظم هؤلاء كانوا من النساء.
فما كان من المسؤول في السفارة الأميركية لودوفيك هود إلا ان خرج إلى المتظاهرين حاملاً علبة من «الدوناتس». وقال له أحد المتظاهرين ويدعى محمد حسن إن «هذه الحلويات بادرة لطيفة، لكن يرجى ترجمتها إلى أفعال». وقالت زينب الخواجة لقناة «الجزيرة»، «نرجو من الأميركيين عدم التدخل، نستطيع إطاحة هذا النظام».
غير أن الولايات المتحدة متدخلة كثيراً للأسف. وهي تعطي لطرف علبة «دوناتس»، فيما تزوّد الآخر بطائرات ورصاص كان لها الدور الأكبر في أعمال العنف الأخيرة.
وفي حين تعمل الدول الأخرى على تعليق صادراتها العسكرية إلى البحرين استجابةً لنداء «هيومن رايتس واتش»، يبدو أن اللوبي «البنتاغوني – العربي» سيحول دون اتخاذ قرار كهذا في الولايات المتحدة، تاركاً البلاد في حقل تدركه تماماً: دعم حاكم معادٍ للديموقراطية ضدّ شعبه.
ومهما يشترط البيت الأبيض لدعم رفاقه في البحرين، فإن هذه الشروط تتعلق بوضع البنتاغون. وقد توجّه أحد كبار المسؤولين الأميركيين إلى البحرين الأسبوع الماضي. لم يكن دبلوماسياً، ولم يجتمع بالمعارضة، ولا حتى لصورة تذكارية مع علبة «دوناتس». توجّه وزير الدفاع روبرت غيتس مباشرةً إلى محادثات مباشرة مع الملك حمد بن عيسى آل خليفة.
وما ان غادر حتى بعث مجلس التعاون الخليجي بجنود سعوديين وإماراتيين للمساعدة في قمع التظاهرات.
على عكس الحالة المصرية التي تأرجح فيها الموقف الأميركي ليعلن أوباما أخيراً، مع حتمية سقوط مبارك، أن «التاريخ سيسجّل أننا كنّاً على الجهة الصحيحة»، لم يترك البيت الأبيض في حالة البحرين مجالاً لهذا التاريخ ليوضح في أي جهة تقف الولايات المتحدة.
(تقرير نيك تورس في معهد «فورين بوليسي إن فوكس») 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro