English

 الكاتب:

من العربية

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

انتفاضة أكبر من البلد
القسم : سياسي

| |
من العربية 2011-02-27 17:57:59


الحركة الاحتجاجية التي تشهدها البحرين تتشابه مع الثورتين المصرية والتونسية بأشياء كثيرة، وتجمعها مع الانتفاضات التي تسير بموازاتها نقاط ومزايا كثيرة كثيرة. كل هذه الثورات والانتفاضات تتميّز بأنها انتفاضات شباب خلفيّتها مطلبية شبابية، وجاءت الدعوات إليها من جهات مجهولة أو بالكاد معروفة لدى الجمهور العريض. ومع ذلك الاستجابات لها كانت سريعة وشعبية وحاشدة، كونها عبّرت بوضوح عمّا يعتمل في قلوب المواطنين من قهر وظلم مكبوتين منذ زمن. وكل هذه الانتفاضات والثورات جوبهت بوحشية من الأنظمة وسفك فيها دماء بريئة. لكن إذا كانت الثورتان في كل من تونس ومصر بمثابة انتفاضات شعبية شبابية، شملت كل أطياف المجتمع الذي انتفض على الفساد السياسي، وقمع الحرّيّات، وعلى الأزمة المعيشية الحادّة، والبطالة... فإن الحركة الاحتجاجية في البحرين، التي تنطلق أيضاً من خلفيّات معيشية ومطلبية عادلة، مزجت بصراع مذهبي وأهلي داخلي، وأعطيت بسرعة وجه صراع إقليمي على النفوذ ما بين إيران ودول الخليج في المنطقة، من شأنه أن يحوّلها الى حرب بالوكالة بين القوى الكبرى، أو الى حرب أهليّة لا أحد يعرف عقباها في هذا البلد الصغير، لكن الكبير بتعقيداته الجيوسياسية. العنوان الرئيسي للحركة الاحتجاجية البحرانية هو المطالبة بتنفيذ وعد بإجراء إصلاحات سياسية في البلاد، كان ملك البحرين قطعه على نفسه في الرابع عشر من شباط (فبراير) 2001. ونزل البحرانيون الى الشوارع تزامناً مع الذكرى العاشرة لميثاق العمل الوطني، وهو الوثيقة الوطنية للاصلاح التي صوّت لها الشعب بنسبة 98 في المئة في العام 2001، وتقضي بإجراء إصلاحات سياسية في البلاد. لقد اختار الشعب هذا التاريخ لمطالبة النظام الملكي بإجراء الاصلاحات السياسية التي وعد بها، والتي تقتضي بالبدء في إجراءات فعّالة نحو إصلاح النظام السياسي، ومكافحة الفساد، ووقف التمييز الفئوي في البحرين، وضمان التوزيع العادل للثروة. لكن بسرعة أعطي هذا المطلب الطابع المذهبي، ودفع بدول مجلس التعاون الخليجي الى إعلان حال الاستنفار القصوى، باعتبار أن مثل هذا الطلب قد يشكّل محاولة لإسقاط النظام الملكي في البحرين، ما يشكّل تحدّياً كبيراً، خصوصاً وأن التحرّك في البحرين طبع بصبغة طائفية (الشيعة)، وتالياً سيقود الى رفض شديد من الطائفة السنيّة المعارضة بمجملها أيضاً للحكم المتسلّط، لكنها لن تقبل بأن يسقط النظام لمصلحة الطائفة الشيعيّة. كذلك اعتبرت دول الخليج أن أي تغيير لنظام الحكم الملكي في البحرين، هو تهديد لكل أنظمة الحكم في منطقة الخليج المبنيّة على ملكيّات وإمارات، وحتى طرح الحلّ الوسط الذي يرفع في البحرين وكذلك في الأردن، بأن تكون هناك ملكيّة دستورية، هو أيضاً مرفوض من مجلس التعاون الذي حذّر من أنه لن يسمح أبداً بأي استهداف لأصل منظومة الحكم السائدة. ودول الخليج قلقة لأكثر من سبب، قلقة لأنها خسرت النظام المصري الذي كان يشكّل الدعامة الرئيسية لمحور ما يسمّى دول «الاعتدال» التي هي عضو مؤسّس فيها، وقلقة لأن البحرين هي أحد أهمّ خطوط الدفاع الأمامية الخليجية في مواجهة التمدّد المذهبي والسياسي والعسكري الإيراني في المنطقة.
 
أقليّة تحكم أكثرية
والحق، إن الحركة الاحتجاجية التي يشهدها البحرين حالياً، لا يمكن فصلها عن الصراع التاريخي ما بين العائلة المالكة والأقليّة السنيّة التي تحكم هذا البلد منذ الاعلان عن استقلال البحرين في السبعينيات، وبين الأكثرية السكانية من الشيعة التي تمثّل نحو 70 في المئة من السكان، والتي تعتبر نفسها مهمّشة ومضطهدة من جانب السنّة الذين يتحكّمون بكل مقدّرات السلطة، ولا يفسحون في المجال أمام الشيعة لتولّي المناصب السياسية، أو الوصول الى وظائف الدولة التي تبقى حكراً على المواطنين السنّة، أو على المجنّسين من السنّة من مواطني دول أخرى، والذين تمنحهم السلطات البحرانية الجنسيّة بسرعة قياسية، من أجل تغيير الميزان الديموغرافي في البلد لمصلحتهم.
ويشكّل الشيعة من أصول عربية الجزء الأكبر من المجتمع الشيعي هناك، ولكن هناك أيضاً شيعة من أصول فارسية يقدّر عددهم بنحو 25 الى 30 في المئة من إجمالي السكان، ويقطن معظم هؤلاء في المناطق الريفية وفي القرى. وفي المقابل، فإن غالبية كبيرة من السنّة، ما خلا آل خليفة الذين يحكمون البلد هم من أصول غير عربية، فارسية أو بالوشيّة أو تركمانية. وعرف هذا البلد حراكاً ناشطاً للمعارضة الشيعيّة، التي دخلت في صراع على السلطة مع النظام الملكي.
وبلغ التوتّر ذروته بين قوى المعارضة الشيعيّة في البحرين والنظام الحاكم في العام 1994، بعد بروز حركات احتجاجية شعبية شيعية طالبت بالاصلاح والمساواة في الحقوق والعودة الى دستور العام 1973. يومذاك نشبت مواجهات مع الحكومة التي استخدمت القوّة والبطش في قمع حركة المحتجّين، وأقدمت على احتجاز آلاف المتظاهرين والتنكيل بهم، واعتقلت عدداً من قياداتهم.
وشهدت العلاقة بين الشيعة والسلطة في البحرين فترة من الهدوء مع تولّي الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة الحكم سنة 1999، وإطلاق مشروعه الاصلاحي، وإفراجه عن كل الموقوفين، والسماح للمعارضين السياسيين بالعودة الى البحرين، كما منح حرّيّة التعبير عن الرأي والنشاط السياسي.
ولكن التوتّر ما لبث أن عاد من جديد في العام 2002، بسبب رفض المعارضة التعديلات التي أدخلت على الدستور، والتي اعتبرتها المعارضة مجحفة في حق الطائفة الشيعيّة، التي بدأت تدرك أكثر فأكثر صعوبة التعايش مع نظام حكم الأقلّيّة الحاكمة، الى حاجتها لتوسيع نطاق مشاركتها في الحياة السياسية.
وشهد شهر تشرين الأول (ديسمبر) الماضي في البحرين انتخابات نيابية وبلدية، هي الثالثة من نوعها التي تجري في البلاد لانتخاب برلمان بحراني جديد. واستطاعت جمعية الوفاق الإسلامي الشيعيّة المعارضة الحصول على المقاعد الـ18 كلّها التي تنافست عليها، والتي يحقّ لها بها من أصل 40 مقعداً، مما يعكس عدم التوازن في التمثيل الشعبي للشيعة في البرلمان البحراني. ناهيك عن أن صلاحيات هذا البرلمان شكليّة محض، فثمّة مجلس شورى أعلى منه يتولّى الصلاحيات التشريعية الحقيقية ويعيّـن أعضاءه الملك مباشرة، كما أن الحكومة البحرانية التي تألّفت بعد الانتخابات الأخيرة، والتي ضمّت 21 وزيراً، هناك 11 وزيراً من عائلة آل خليفة المالكة و7 سنّة والباقي شيعة منهم وزير واحد مع حقيبة.
وهكذا، فإن أهم مطلب للمعارضة هو إجراء تعديلات دستورية تقيم توازناً حقيقياً في التمثيل الشيعي في مؤسّسات الحكم. أما المطلب الثاني المهم للمعارضة، فهو وقف عملية التجنيس الجارية في البلاد، والتي تهدف الى تغيير التوازن الديموغرافي للسكان. فبالاستناد الى مصادر في المعارضة البحرانية، توزّع السلطات الرسمية الجوازات على السوريين والأردنيين من البدو والعشائر، وعلى اليمنيين والبلوش والأفغان، ما أدّى الى زيادة عدد سكان البحرين في السنوات الأخيرة بنسبة 20 في المئة. وتوظّف السلطات البحرانية هؤلاء المجنّسين الجدد في الجيش وقوى الأمن ووزارة الدفاع، في خطوة تعكس بصورة واضحة عدم ثقة النظام في مواطنيّة الشيعة الذين يستبعدون عن هذه المراكز. ومن بين الامتيازات التي يحصل عليها المجنّسون الجدد إعطاؤهم منازل جديدة خلال أسابيع، في حين يضطر المواطن البحراني العادي الى الانتظار سنوات عدة للحصول على منزل. طبعاً هناك المطالب المعيشيّة الأخرى، مثل زيادة الأجور وتوفير فرض العمل، لا سيما أن معدّل البطالة بين الشيعة الذين يمثّلون الطبقة الاجتماعية الأكثر فقراً يفوق 15 في المئة بكثير.
 
النفوذ الإيراني
وتشدّد المعارضة البحرانية على هويّتها الوطنية المحضة، وعلى أنها لا تأتمر بأوامر أحد من الخارج، ولكن من الصعب جدّاً أن تقنع السلطات الرسمية بذلك، لا سيما في ظلّ التنامي المتزايد للحراك الشيعي في منطقة الخليج، والمخاوف الكبيرة من امتداد «الانتفاضة الشيعيّة» البحرانية الى دول مجاورة، حيث يقيم ما يزيد على نحو مليوني نسمة من الشيعة، الى وجود أقلّيّات شيعيّة في مناطق مثل المدينة ونجران. تضاف الى ذلك أقلّيّات شيعية في الكويت وفي قطر والإمارات، ولقد شهدت هذه الأقلّيّات حراكاً واضحاً في الأعوام الأخيرة، لا سيما بعد سقوط نظام صدّام حسين في العراق، وصعود الغالبية الشيعيّة الى الحكم هناك، والتنامي المضطرد في النفوذ الإيراني في المنطقة، لا سيما في ظلّ الانسحاب الأميركي الوشيك من العراق.
إن الاجراءات القمعية التي نفّذتها السلطات البحرانية ضد المحتجّين المعتصمين في دوّار اللؤلؤة، وتذرّعها بالدفاع عن السلم الأهلي، ومحاربة دخول البحرين في الصراع الطائفي، ووقوف دول مجلس التعاون الخليجي بقوّة الى جانبها، والاعتراض الخجول على أعمال القمع من جانب الولايات المتحدة التي تملك قواعد بحريّة قيادية لأسطولها الخامس هناك، ومن جانب الغرب الذي له مصالح أساسية في البحرين، إذ يملك الفرنسيون محطّة كبيرة للتنصّت... كل ذلك يدلّ بوضوح الى مدى دقّة التعاطي مع الانتفاضة في البحرين، واختلافها عن التحرّكات الشعبية التي تجري في الوقت عينه في ليبيا أو في اليمن. فأي تغيير في التركيبة السياسية لمملكة البحرين، من شأنه أن تكون له انعكاساته العميقة على الأقلّيّات الشيعيّة المنتشرة في كل دول الخليج، الأمر الذي سيهدّد الأنظمة الخليجية الغنيّة بالنفط والموالية للغرب، والذي يشكّل الاستقرار السياسي فيها في الوقت الحالي عنصراً أساسياً في المحافظة على المصالح الاستراتيجية للقوى الدولية العظمى، في منطقة تشهد تحوّلات تاريخية من شأنها تغيير وجه الشرق الأوسط القديم.
تطوّرات الأوضاع في البحرين ستغيّر نتائجها منطقة الخليج بأسرها، ومعادلات القوّة والضعف فيها، مثلما ستشكّل الاختبار الحقيقي للوجود الأميركي وصراعه العلني والخفي في مواجهة القوّة الإيرانية المتنامية، ومدى قدرته على حماية حلفائه، والتأثير فيهم، في الوقت نفسه، في التجاوب مع مطالب شعوبهم في الاصلاحات السياسية والعدالة الاجتماعية والأنظمة الدستورية.
البحرين هي مفتاح الخليج، ونقطة ضعفه الأساسية، ومثلما أرادها بعض الحكّام قاعدة خلفية للترفيه، فإن جسر «المحبّة» الذي أقيم لخدمة هذا الهدف، يمكن أن يصير باتجاهين، وليس في اتجاه واحد، أي جسراً لانتقال الانتفاضة الشعبية البحرانية الى خارج البحرين المقابل
المشاهد السياسي
26 فبراير 2011

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro