English

 الكاتب:

النهار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

كان يوماً للفالنتاين... فما الذي تغيـّر؟ دم في الميدان
القسم : سياسي

| |
النهار 2011-02-27 17:54:53


بقلم حسين المرهون:
لا أعتقد أن هبّة شبابية ستحصل في البحرين، كان ردّي على الصديقة أمل النعيمي، ابنة المناضل اليساري الكبير عبد الرحمن النعيمي، حين سألت عن احتمالات 14 فبراير في البحرين قبل أيام من التوقيت الذي حدده الشباب البحريني موعداً لهبّتهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت. ثمة أسباب لاعتقادي هذا، قلتُ، أولها أن التنظيمات السياسية القديمة عندنا قوية ولها أتباع. وعلى رغم أن النسبة العميمة من شعب البحرين تتكون من شباب فتي، فإن هؤلاء منضوون بقوة في التنظيمات المعارضة، بل وحتى الموالية. ثانيها، أن التنظيمات السياسية لا تودّ الذهاب نحو مواجهة في الشارع. هذا ما فهمته في الأقل، من مسألة تمسكها بالانخراط في القنوات السياسية المتاحة.
بعد يومين من هذا اللقاء، أرسل اليَّ الزميل والصديق الصحافي رامي الأمين سؤالا في سياق تحقيق يعمل عليه عن احتمالات الثورة والـ"فايسبوك" في الدول العربية وبينها البحرين. حصل أنني أجبت بالوقوف على آليات عمل الفاعل الجديد الذي أخذ يدخل على خط التغيير في غير مكان في العالم، أعني الشبكات الاجتماعية. وقد صارت لدينا الآن تونس ومصر. هذا الفاعل لا يتطلب الانضواء فيه، قدرا كبيرا من الثقة. ولا يتطلب التزاما تنظيمياً صارماً، والأهداف التي يعمل عليها قصيرة، أي ليست طويلة الأمد، وهو يتوافر على قدر  كبير من الفردية، وهذا الأهم.
قلت إن الشبكات الاجتماعية في هذا المعنى، ليست منعدمة في البحرين، لكن تأثيرها في التنظيمات السياسية لما يزل بعد محدوداً.
وكما فهم كثيرون منا من خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة 2010، فقد سددت التنظيمات السياسية القديمة والمنخرطة في العملية السياسية المتاحة، بشقيها المعارض والموالي، ضربة قوية لهذه الشبكات التي دعت مع اللجان الشعبية إلى مقاطعة الانتخابات التي ترى أنها بلا جدوى، نظراً لأن النظام يتحكم بمفاصلها من خلال صمّامات أمان عدة صمّمها ليسهل التلاعب بها، وقد جاءت المشاركة قوية (67 في المئة من مجموع من يحق لهم التصويت)، في حين كان ينتظر أن يأتي حجم التصويت ليثبت محدودية المشاركين أو المؤمنين بالمشاركة بعد سيادة حال من البرم الشديد في الشارع. أثبتت نتائج التصويت العكس: محدودية المقاطعين أنفسهم.
 
دعوة شبابية وغطاء حزبي
هكذا انتهى العام 2010. إلى أن جاءت اللحظة التي فاجأت الجميع. التقطت التنظيمات السياسية الزخم الملهم للثورتين التونسية والمصرية ووفرت غطاء سياسياً للدعوات التي أطلقها الشباب على شبكة الإنترنت للتظاهر في 14 فبراير. قالت إنها تدعم أي نشاط سلمي، وإن من حق هؤلاء التظاهر، وعلى الحكم النظر في مطالبهم. بدا أن ثمة إجماعاً لدى جميع قوى المعارضة على التظاهر في ذلك اليوم. فالدعوة التي انطلقت من على منصات المنتديات الحوارية على شبكة الإنترنت ومن فضاءات "فايسبوك" و"تويتر"، سرعان ما تلقفتها قوى سياسية غير مرخص لها، تعمل إلى حد ما بمنطق الشبكات، ولا تقبل بالتسجيل تحت أي قانون، وتعتمد أسلوب العمل الذي يقوم على تأليف اللجان الشعبية لخدمة أهداف موقتة، وهي ناشطة في فضاء الإنترنت بقوة، لتدخل بعد ذلك التنظيمات السياسية التي تعمل في إطار اللعبة السياسية، على الخط لتوفر غطاء للجميع.
لم يوافق الحكم على منح أي ترخيص لمسيرات معارضة في ذاك اليوم الذي وافق عيد العشّاق. على العكس، فهو كان يستعد لاحتفالات كبيرة بذكرى ميثاق العمل الوطني 2001 الذي تحولت بموجبه البحرين ملكية، وتم التصويت عليه في هذا اليوم أيضاً. بدا الأمر بمثابة صراع إرادات. شباب يرون أنهم قد تعرضوا لخديعة في هذا اليوم تحديداً حيث صوتوا على أساس أن التحول سيكون نحو ملكية دستورية تنشأ فيها سلطة تشريعية منتخبة كاملة الصلاحيات، فإذا بهم يرون السلطة التشريعية مشطورة قسمين بالمناصفة: قسم منتخب وآخر معيّن يختاره الملك. في المقابل، نظام يرى في هذا اليوم تدشيناً لعهد جديد انتقل فيه من المشيخة إلى الملكية واتسم بما اعتبره إصلاحات. كانت هذه، هي لحظة الانفصال البدئي عن مشروع الملك، وبدء لحظة الاستقطاب التي أوصلتنا إلى ما وصلنا إليه اليوم. وقد تجاهل الحكم نصائح كثير من العقلاء صارحوه بأن التحول بهذا الشكل قد أفقد الملكية صفة التعاقد بين الحاكم والمحكومين.
على هذا، كانت إرادة السلطة في هذا اليوم بعد عشر سنين من الميثاق: احتفالية. وعلى العكس منها كانت إرادة الشباب: احتجاجية. وهكذا كان.
 
انتفاضة على رأس كل عقد
لدى البحرينيين اقتناع ترسخ بالتواتر مفاده أن بلدهم الذي يتوسط حوض الخليج ويشكل مركزاً لتجارة اللؤلؤ عبر العالم قبل الثورة النفطية، يشهد في كل عقد من الزمان هبة. هذا ما تحكيه مدوّنات التاريخ منذ عشرينات القرن الماضي. وقد كانت آخرها قبل الهبّة الحالية، ما يُعرَف في أدبيات البحرينيين بانتفاضة التسعينات. الانتفاضة التي انطلقت العام 1994 وقتل فيها حوالى 40 شخصاً بالرصاص الحي على أيدي قوات السلطة، كما زُجّ بالألوف على السجون، بسبب توقيعهم عريضة شعبية طالبت بسلطة تشريعية منتخبة. وعلى عكس مما أدلى به ماركس من أن "التاريخ يعيد نفسه على هيئة مهزلة"، فقد أعادت حركة 14 فبراير الموعد مع التاريخ مجدداً، لكن على هيئة انتفاضة جدية تماماً، اتفق أنها من الاقتناعات الراسخة في أذهان البحرينيين.
لم يكن أحدنا ينتظر ثورة أو هبّة. كنا نظن أن الجروح التي خلّفتها انتفاضة التسعينات لما تزل طرية بعد، حتى مع معرفتنا بمشاعر البرم التي كنا نراها تتجذر في نفوس بعضنا برماً وقهراً. حصل أن توقعاتنا أخفقت كلها. الشيء الذي توقعناه حقيقة هو الآتي: في حال مرت مسيرة 14 فبراير من غير سقوط قتلى تكون قد مرّت. وفي حال أسفرت عن قتلى فقد وقع المحظور. وهذا ما حصل تماماً. وقع المحظور وسقط شاب مضرجاً. وفي صلف غير متوقع، ضاعفت السلطة العدد ليصبح اثنين في أثناء ضربها جنازة الأول. ثم كرّت المسبحة، حتى صحونا فجر الخميس على مجزرة أثناء دهم المعتصمين في اللؤلؤة تحت غطاء من الجيش البحريني. 5 قتلى ونحو 200 جريح في بلد لا يجاوز تعداد سكانه 720 ألف نسمة بحسب أحدث الإحصاءات الديموغرافية للعام 2010.
 
أسمع صوت طلق ناري
كنت أحد الشهود الذين اتصلت بهم هيئة الإذاعة البريطانية BBC لرواية ما جرى فجر ذلك اليوم. ففيما كنت أخفّ إلى النوم لفتني أن الطائرة المروحية التي تراقب الأجواء في ميدان اللؤلؤة على مدار الساعة منذ بدء يوم الاعتصام، عدلت من مستوى تحليقها لتحلّق على ارتفاع منخفض. أقيم في قرية تطل من على مسافة كيلومتر واحد على اللؤلؤة، النصب المؤلف من 6 أعمدة، الذي بني في ثمانينات القرن الماضي ليرمز إلى الوحدة الخليجية. سرعان ما أخذت الطلقات تنهمر حوالى الساعة 3 فجراً فيما كان أغلب المعتصمين نياماً. كان الجو شتاءً والصوت يُسمع بوضوح. كتبت الكلمات الآتية في صفحتي على الـ"فايسبوك": "أسمع صوت طلقات نارية متواصلة وهدير تحليق مروحي منخفض. أعتقد أنه تتم مهاجمة اللؤلؤة الآن"، ثم انطلقت في طريقي إلى الميدان في الحال. حين اقتربت من الموقع كانت سيارات الجيب التابعة إلى قوات مكافحة الشغب وقوات الأمن الخاص تملأ كامل مساحات الكوبري المطل من فوق على ميدان اللؤلؤة إلى حد غلق حركة تدفق المرور. وكانت تطلق حمم النار بكثافة على المعتصمين. أكدت رسالتي السابقة على الـ"فايسبوك" برسالة أخرى تقول: "نعم، المعتصمون في ميدان اللؤلؤة تتم مهاجمتهم الآن. أنا في قلب الحدث".
خطر لي لوهلة، أن عناصر الأمن تطلق النار من فوق الكوبري، وأنها تترك للمعتصمين خيار الفرار تحت، عبر الطرق المتفرعة من الميدان. ما جعلني أبادر إلى الاقتراب بسيارتي عبر طريق جانبي بحيث أستطيع أن أطل للحظة على الميدان. لم يتركوا لهم الفرصة للهرب، بل حوصروا من غير جهة ولوحقوا بالنار إمعاناً في إيذائهم. وقد شاهدت أعداداً هائلة من عناصر قوات مكافحة الشغب الأجنبية، وكذلك عناصر أمن باللباس المدني، يلاحقون مَن هرب من المعتصمين في الباحات القريبة، ويصبّون عليهم حمم النار. أمامي كان يجري دهس شاب والتنكيل به على الأرض على أيدي مجموعة كبيرة من قوات الأمن. آخرون منهم راحوا يدهمون الخيم ويضربون بوحشية من مكث فيها رافضاً الفرار من المكان. إحدى الزميلات الصحافيات شاهدت أمامها أحد عناصر الأمن الأجنبية يضع الفوّهة في رأس معتصم ستيني ويقوم بإفراغها فيه. وهو واحد من قتلى فجر الخميس الذين تداولت وكالات الأنباء صورته وهو مهشم الرأس تماماً. 
حين عدت إلى المنزل، وكان الوقت لما يزل بعد فجراً، كانت قريتنا قد تبدلت إلى لوحة قاتمة. أصوات نحيب النسوة وولولتهن من فوق سطوح المنازل راحت تبثّ صدى الذعر في الفجر. بعضهن خرجن في الأزقة معولات. ذلك كله، اختلط بصوت الرشقات النارية التي لما تزل تتوالى في الليلة الشتوية الباردة. لم أجد ما أعبّر به عن كل ذلك بسوى مشهد يوم الحشر. رحم الله قتلانا، قتلى إنجاز التحول إلى مملكة دستورية، الناس فيها مواطنون لا رعايا في مزرعة يجري نهب خيراتها.
27 فبراير 2011

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro