English

 الكاتب:

من العربية

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

التقرير الأسبوعي لمراكز الأبحاث الاميركية
القسم : سياسي

| |
من العربية 2011-02-27 08:59:19


مقدمة:
         تنوعت عناوين اهتمامات مراكز الفكر والابحاث لهذا الاسبوع لتغطي الشأنين الداخلي والخارجي. ففي الشأن الداخليبرزت مواضيع النقاش حول الميزانية العامة التي وصلت الى طريق مسدود، والمظاهرات غير المتوقعة حجما وتنظيما ضد سياسة حاكم ولاية ويسكونسن الجمهوري الذي يستهدف تقويض حقوق العمال المكتسبة في التنظيم ورفع الاجور. وفي الشأن الخارجي برزت الاحداث المتوالية في مصر ودول اخرى في المنطقة، كما وسارعت مراكز الابحاث الى تناول تطورات الاوضاع في ليبيا.

وفي باب التحليل، يتناول مركز المرصد مسألة القوات المسلحة الليبية وقدرتها على تفريق المتظاهرات؛ الى جانب تحليل المظاهرات غير المسبوقة في ولاية ويسكونسن وجذور الازمة هناك.        
 
         وقد تناول معهد واشنطن Washington Institute التظاهرات المتجددة في ليبيا، مطالبا انتهاج سياسة اكثر تشددا، قائلا  "بالرغم من ان الولايات المتحدة تبذل جهودا ديبلوماسية لافساح المجال امام تحول ديموقراطي في تونس ومصر، فان الوضع في ليبيا يتطلب اتخاذ تدابير عاجلة، ومن بينها التدخل العسكري."
 
         اما مجلس العلاقات الخارجية Council on Foreign Relations فقد عمل مقارنة بين التظاهرات الليبية ونظيراتها في دول اقليمية اخرى، قائلا "ان انعكاسات الاضطرابات الليبية تتجسد على النطاق الدولي. اذ ان ليبيا تعد في المرتبة الثانية عشر من بين اكبر الدول المصدرة للنفط وتؤثر مباشرة على مستقبل عدد من الدول الاوروبية: لا سيما ايطاليا والمانيا وفرنسا التي استوردت اكثر من نصف احتياجاتها النفطية من ليبيا العام الماضي. وبينما تستمر الشركات النفطية المضي في اعمالها الاعتيادية في ليبيا، فقد بدأت باخلاء موظفيها من هناك. وفي ظل ازمة الاضطرابات السياسية الراهنة التي يواجهها احد المصدرين الاساسيين للنفط في العالم، فأن اسعار النفط ارتفعت الى ما يفوق المائة دولار للبرميل الواحد بينما تتطلع الاسواق الى استقرار للاوضاع. وعليه، ليس مستغربا قيام دول الاتحاد الاوروبي التي عادة ما تلتزم ضبط النفس ان تلجأ الى ادانة القذافي بشدة، يوم الاثنين (21 شباط)، لاجراءاته الوحشية في قمع المتظاهرين. وفي حالة حدوث عطل اساسي في تدفق النفط، في ظل استمرار العنف والاجراءات الوحشية المتبعة، فقد يفرض على الدول الاوروبية الاساسية النظر في استخدام اجراءات اكثر قوة – ومن ضمنها التدخل العسكري – لحماية مصالحها الاساسية."
 
         كما وخص معهد بروكينغز Brookings Institution التطورات في ليبيا بعضا من اهتمامه، ولخص تفاؤله بالقول "ان سقوط نظام القذافي من شأنه ان يفضي حتما الى فراغ سياسي في بلد يعاني من تقلص البنية التحتية المتوقعة لمجتمع مدني. وهذا الفراغ قد يتيح للمجموعات الاجتماعية النشطة اتخاذ موقع الصدارة في عصر ما بعد القذافي. ومن المحتمل ان يبرز زعماء العشائر في موقع قيادي، اذ انهم قد حجزوا لانفسهم مكانا متميزا باعلان دعمهم للثورة. كما وان المعارضة الليبية المقيمة في الخارج ستلعب دورا ملحوظا في المرحلة المقبلة خاصة وانها تتمتع بعلاقات طيبة مع العالم الخارجي، كما تتمتع بقدر لا بأس به من المهارة والثقافة يخولها المساهمة في ارساء نظام سياسي جديد. وبالطبع التنبؤ ببروز زعامة جديدة، خاصة من الشباب الذين استلموا موقع القيادة في بنغازي ومناطق اخرى في شرق البلاد. وكما كان الوضع في كل الثورات في العالم العربي، فان ذات الدرس يفرض حضوره: في اللحظة التي ينزل فيها الشعب الى الشارع، لا يوجد اي شيء يعيق تقدمه. فالسير لنيل الحرية يستمر في ليبيا، ويتم صياغة مستقبل البلاد حاليا."
 
         وتناول احد محللي المركز امكانية الاصلاح الشامل في ليبيا وطرحه جانبا. واستنتج بالقول "ان تجارب مصر وليبيا تؤشر على النطاق المحدود لعملية التدرج الديموقراطي من الاعلى للاسفل. وعندما يتراجع الضغط ويتعزز شعور الشعب بفرص افضل، فانه لا يتميز بالرضى بل يصبح اقل صبراً على اوضاعه. وبما ان الاصلاحات المقترحة من سيف الاسلام كانت حقيقية في سياق نظام القذافي القديم الذي امتد على مدى اربعين سنة، فقد تم رؤيتها من خلال تفاعل غالبية الشعب الليبي وآخرين بانها تافهة. وسيتم اغتنام الفرصة لاجراء اصلاحات شاملة ان توفرت. لا سيما وان سيف القذافي رمى الى ادخال تعديلات على نظام فاسد وغريب، وليس لاستبداله."
 
وكان ملاحظا اهتمام مراكز الفكر والابحاث باحداث مصر، اذ تناول معهد واشنطن Washington Institute وضعية القوات المسلحة المصرية ودورها المستقبلي في البلد. واستنج بالقول "بالامكان بروز اربعة سيناريوات على الاقل في غضون الاشهر المقبلة. الأول، قيام شراكة فعالة بين القوات المسلحة وعناصر المعارضة والمضي بادخال اصلاحات سياسية حقيقية  والتدرج نحو الديموقراطية. الثاني، قد تقدم القوات المسلحة على التعجيل في المسار كي تعود الى معسكراتها وتجنب تحميلها المسؤولية لتردي الاوضاع السياسية والاقتصادية، او على الاقل تخفيض دورها البارز؛ وسينتج عن هذا الخيار تدرج غير مقبول او غير كامل. الثالث، استخدام المجلس الاعلى للقوات المسلحة استراتيجية فرّق تسد في مواجهة المعارضة كي تحتفظ بعنصر التحكم. الرابع، تكسب القوات المسلحة القوة بحكم الامر الواقع تدريجيا في مواجهة معارضة ضعيفة ومتشرذمة."
 
         اما مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS فقد تناول البعد الاقتصادي للاضطرابات في الشرق الاوسط وتأثيراتها على اسعار النفط. وقال "ان القدرة العالمية للانتاج النفطي البديل، كما هو الوضع في  القدرة البديلة لتكرير النفط، والمخزون العالمي المريح تشكل بمجموعها ارتياحا كافيا لتعويض نقص محدود في القدرة الانتاجية (ملاحظة: من شأن مسألة النقص في الامدادات النفطية ان تتفاقم في حالة تأثير التعطيل على مجموع المنتجين الصغار والمتوسطين واستمراره). كما وتفترض ان الاضطرابات الشعبية الراهنة لن تنتشر للدول غزيرة الانتاج (السعودية، على سبيل المثال) او التاثير على قدراتها الانتاجية او النقل البحري نتيجة اما توقف عن العمل او التخريب."
 
كما اتاحت الاضطرابات في المنطقة الفرصة للمركز لتناول اوضاع الانظمة غير المستقرة ومشاكلها. وجاء في دراسة اعدها "ان نموذج "البلدان الهشة" قد بلغ مرحلة هامة في مسار تطوره. اذ توصل صناع القرار السياسي في الغرب خلال عقد التسعينيات الى نتيجة مفادها ان الدول المتشظية والتي تديرها مؤسسات هشة تشكل تهديدا لمواطنيها فحسب، بل انتشارها الى دول الجوار والتي تتجسد في تداعيات اكثر شدة في بعض الاحيان كالارهاب والجريمة عابرة الحدود وتدفق اللاجئين والامراض المعدية."
 
         في حين تناول معهد وقف كارنيغي Carnegie Endowment القلاقل الدائرة في البحرين وامكانية التوصل الى حل سلمي بعيد المدى. وقال "هل بقي متسع من الوقت للملك البحيرني تقديم تنازلات اساسية لكنها غير كافية – كموافقته على تعديل الدستور ومنح البرلمان المنتخب سلطات اكبر – وانهاء الاضطرابات الحالية؟ من الممكن ذلك، لكنه ليس كثير. فشروط المتظاهرين تصاعدت الى حد المطالبة بتنحي الشيخ حمد ورئيس الوزراء. ان استمرت المظاهرات في هذا الزخم بينما القوات الحكومية تتمادى في استخدام القوة الفتاكة، عندها سيصل المتظاهرين الى نقطة اللاعودة مما يجعل من المستحيل تقديم تنازلات والحد من الخيارات المتاحة اما استخدام القمع بصرامة او انهاء الملكية. وفي حالة تقلص المظاهرات الآن، فانها ستعود قريبا. ان التحديات السياسية التي تواجهها البحرين منذ امد طويل هي صنيعتها وحدها – وليست من وحي ايران او اية قوة خارجية اخرى – وستستمر في الظهور الى السطح حتى يتم حلها بطريقة ما."
 
         كما تناول مجلس العلاقات الخارجية Council on Foreign Relations  الوضع في البحرين ايضا، معتبرا انه بخلاف ما حدث في كل من مصر وتونس فان الاضطرابات في البحرين ليست مرشحة الوصول الى انهيار النظام، كما قال الخبير بالمعهد في شؤون دول الخليج غريغوري غوس. وقال غوس انه في حالتي تونس ومصر تضامنت القوى الأمنية مع المتظاهرين، بينما البحرين يسودها "انقسام طائفي قوي" بين قوات الأمن السنية التابعة للملكية وبين المتظاهرين الشيعة في الغالب. ويضيف غوس ان القلق يسود الاوساط السعودية، والتي يربطها جسر بري مع البحرين بشكل مباشر، حول الوضع الأمني، مستطردا ان هناك اشاعات تفيد بأن بعض السعوديين انضموا لقوى الأمن البحرينية؛ لا سيما وان اوضاع البحرين تشكل معضلة أمنية جادة للولايات المتحدة. وبينما كانت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون تكيل المديح لملك البحرين واصلاحاته، اثناء زيارتها قبل شهرين، فالبيت الابيض انتقد الحكومة هناك لاستخدام القوة. ولكن سقوط النظام سيدفع الولايات المتحدة الى التخلي عن القاعدة البحرية للاسطول الخامس في البحرين، اي القيام بالتضحية بالمقر الرئيسي للقوات البحرية في المنطقة بينما هدف السياسة الخارجية هو احتواء ايران، الامر الذي سينظر اليه بأنه انتصار لايران وهزيمة للولايات المتحدة."
 
         وتناول مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS الشراكة الاستراتيجية طويلة الامد مع العراق، قائلا "لا تستطيع الولايات المتحدة السيطرة على شكل العلاقة المستقبلية لشراكتها الاستراتيجية مع العراق. باستطاعتها استخدام نفوذها على العراق فقط. ان العراقيين هم من سيقرر طبيعة الحكومة في المستقبل، وبدرجة أهم، ان كان بالمستطاع ترجمة السياسات العراقية الى آلية حكم فعالة، الأمن والاستقرار والتوجه نحو البناء. فقد ابرمت الولايات المتحدة معاهدة الاطار الاستراتيجي مع العراق، ويدرك معظم الزعماء العراقيون ان العراق بحاجة الى مساعدة الولايات المتحدة والى ضمانات أمنية. كما وتدرك القوات المسلحة العلراقية انها بحاجة الى مساعدة الولايات المتحدة لفرض الامن الداخلي وانشاء قدرة للدفاع عن الوطن تكفي للتعامل مع التهديدات الخارجية."
 
 
التحليل:
         القوات المسلحة الليبية:
        
مع تصاعد موجة المظاهرات في ليبيا يبرز التساؤل حول القوات المسلحة وما هي فاعلة. هل ستقدم على انقلاب يطيح بالقذافي، ودعم اساليب القمع المتبعة للمتظاهرين، او الوقوف جانبا؟ اما وان تدخلت، فما هي قوتها؟
 
         من المسلم به ان ثلثي القوة العسكرية تتبع الجيش، الذي يضم 50،000 جندي بما فيهم 25،000 من المجندين. ويشمل العدد ايضا 3،000 عنصر من قوات الحرس الجمهوري المعني بحماية النظام، وكذلك 2،500 عنصر من الفيلق الافريقي الاسلامي، وكلاهما يمتلك تسليحا مدرعا. وباضافة عناصر القوة البحرية وسلاح الجو وسلاح الدفاع الجوي يصبح العدد الاجمالي للقوات النظامية نحو 75،000 عنصر.
         وسجل تلك القوات ضعيف، اذ يعتقد الكثيرين ان القذافي حافظ على مستويات متدنية من التدريب للقوات خشية قيامها باقصائه يوما ما. وشهد عقد الثمانينيات من القرن الماضي حادثتي اشتباك جوي مسلح حينما تحدى الطيارون الليبيون التواجد الاميركي البحري في خليج سرت – والذي اعتبره القذافي مياها اقليمية. وفي كلا الحالتين تم اسقاط الطائرات المقاتلة قبل ادراك طياريها ان الطائرات الحربية الاميركية لم تشتبك بعد.
 
         كما وخسرت ليبيا حربها مع جارتها الجنوبية تشاد التي استطاعت قواتها المسلحة دك الدبابات سوفيتية الصنع عبر تعديل بسيط اجرته على شاحنات نقالة تم تسليحها بقذائق مضادة للدروع. واطلق عليها المحللون "حرب تويوتا."  
 
         واسفرت تلك الحرب عن خسارة ليبيا لعدد كبير من الدبابات والمدفعية والعربات المدرعة والتي لم يجري تعويضها مطلقا. وما سلم من اسلحة كان ذو فائدة ضئيلة. وتعاني مئات من الدبابات القتالية والطائرات المقاتلة من نقص شديد في قطع الغيار مما يجعلها خارج الخدمة، اضافة الى عدم توفر التقنيين المهرة واجراءات الصيانة. وكذلك الأمر في القوات البحرية التي تملك غواصة وحيدة وفرقاطتين ترسو على المرفأ وغير مؤهلة للقيام بمهامها.          ان خشية القذافي من القوات المسلحة أمر قائم. وشهد يوم الاثنين (21 شباط) فرار مقاتلتين ليبيتين وطياريهما الى مالطا. ويجري تداول معلومات تفيد بأن هناك عدد من الوحدات القتالية قد رفضت الانصياع لأوامر اطلاق النيران على المدنيين العزل، بل ان البعض منها اعلن دعمه للمتظاهرين – الأمر الذي يلقي الضوء على قدرة المعارضة في السيطرة على رقعة واسعة من البلاد. وان ثبت صحة ذلك، فهو يشير الى تخلي قوات رديئة التدريب عن مواقعها، او تبشر بانقسامات جادة داخل قيادة المؤسسة العسكرية في المراتب العليا. ومن نافل القول ان لدى القذافي بعض القوات الموالية وحسنة التدريب. وتضم نحو 3،000 عنصر من قوات الحرس الجمهوري، وهناك بعض الوحدات المشكلة من مرتزقة اجانب  ينحدر البعض منهم من الاتحاد السوفياتي السابق وافريقيا. وهذه القوات تتحمل مسؤولية معظم الهجمات على المتظاهرين. وبما ان سلاح الجو الليبي صدرت له اوامر بقصف المتظاهرين يدل على ان لدى القذافي القليل من القوات الارضية الموالية لقمع المتظاهرين. وبتوفر نواة من القوات المواليه له فانه غير معلوم ان كان باستطاعة القذافي ممارسة السيطرة على المناطق النائية في شرقي البلاد التي تتمركز حول مدينة بنغازي. وعليه، فمن المتوقع استمرار القتال لأمد طويل بين شرقي وغربي ليبيا.
 
 
المشهد الاميركي:
المظاهرات تندلع في ويسكونسن 
 
         مع استمرار المظاهرات التي تعم منطقة الشرق الاوسط، شهدت الولايات المتحدة نصيبها من الاضطرابات المدنية في ولاية ويسكونسن، اذ بعد ابلاغ المعلمين مرؤوسيهم بغيابهم عن الدوام بسبب المرض، قاموا بالتظاهر امام مقر عاصمة الولاية. وجاء ذلك على خلفية قيام حاكم الولاية الجمهوري المنتخب حديثا الطلب بسن قانون يقضي بزيادة الحصة المقتطعة من اعضاء النقابة لصالح صندوق التقاعد والرعاية الصحية والحد من حقوقهم المكتسبة في الاضراب. وقيام بعض المحللين بمقارنة ذلك الحدث الخاص بولاية ويسكونسن بما جرى في مصر يعد تبسيطا للاوضاع التي يعاني منها سكان الولاية وولايات اخرى قد تشهد اندلاع مظاهرات مماثلة في القريب العاجل.
 
         ففي حالة ولاية ويسكونسن، انضم عدد كبير من المتظاهرين من الطرفين، المؤيد والمعارض، الى الاحتجاج مما يدل على ان نقابة المعلمين لا تسيطر بالكامل على الرأي العام. بل، اشارت بعض استطلاعات الرأي الى ان الناخبين يفضلون موقف حاكم الولاية على نظيره في النقابة.
 
         ان ما تشهده الولايات المتحدة من تطورات داخلية يمثل تصادم الحليف الاكبر للحزب الديموقراطي، النقابات العمالية، مع الفلسفة الحالية للحزب والتحول الذي طرأ على علاقاتهما خلال المائة عام الماضية.
 
         ودشنت النقابات العمالية قوتها في نهاية القرن التاسع عشر، عقب صدامات دائمة حول مسألة العبودية والانفصال ادت لاجتراح حل لها، وبروز انماط جديدة استوعبها النظام عن طريق قوى الرأسمالية الصناعية والثورة الصناعية الصاعدة. ولحينه، كان الحزب الديموقراطي المدافع عن حقوق صغار المزارعين الذين ينظر اليهم كطبقة عاملة في الارياف الاميركية احيانا.
 
         ومع التطور نحو المدنية الذي شهدته الولايات المتحدة، حوّل الحزب الديمقراطي دعمه لمصلحة النقابات. وتم تجسيد هذا الأمر في برنامج (الصفقة الجديد) للرئيس فرانكلين روزفلت، الأمر الذي اضحت فيه النقابات جزءا من تحالف القاعدة الديموقراطية. واستمر العمل بهذه الصيغة السياسية الناجحة على مدى عدة عقود. الا انه كان مقدرا ان تتغير تركيبة التحالف. ففي عام 1955، شكلت النقابات العمالية المنظمة ثلث اليد العاملة في المجالات غير الزراعية، اذ كان التصنيع العماد الاساسي للاقتصاد الاميركي. ولكن مع التطور الذي طرأ على الاقتصاد بشكل عام، اضحت فرص العمل الصناعية اقل وفرة عما سبق مما دفع بالصناعات الاخرى لاقصاء النقابات العمالية عن المصانع. 
 
         ومن اجل ضمان سيطرة النقابات العمالية بدعم من الحزب الديموقراطي، بدأت بتنظيم عمال القطاع العام في اواخر عقد الخمسينيات. الأمر الذي لم يحدث من قبل، وحتى الرئيس روزفلت الذي يعد من انصار النقابات العمالية عارض انضمام موظفي القطاع العام للنقابات. واعتقد أول رئيس لاتحاد النقابات AFL-CIO جورج ميني انه "من المستحيل اجراء تفاوض جماعي مع الحكومة."
 
         وشهدت النقابات العمالية تغيرا ديموغرافيا لعدة عقود متتالية، اذ اضحى نحو 12.3%  من القوة غير الزراعية منتظمة في نقابات خاصة بهم حاليا. وتميز عام 2009 بان شكلت ولأول مرة اليد العاملة من القطاع العام غالبية عضوية الاتحادات النقابية.
والقاء نظرة على عضوية النقابات قد تكون مفيدة، اذ تشير الى انه في عام 1952 كان نحو 80% من اعضاء النقابات هم من العمال اليدويين، بينما الباقي 20% كانوا من الموظفين. وفي منتصف عقد التسعينيات فان اولئك المصنفون في عداد الموظفين اضحوا اغلبية. كما وان السيطرة الذكورية على النقابات لم تعد كما كانت سابقا: ففي الخمسينيات من القرن المنصرم، شكل الذكور نحو 80% من عضوية النقابات، اما الآن فالوضع يقارب المناصفة بين الجنسين.
 
         وفي هذه الفترة  الزمنية شهد الحزب الديموقراطي تطورا بنيويا. ومع تقلص اعداد ارباب الاسر العاملين في النقابات، جنح الحزب باتجاه تبني الثقافة الليبرالية، التي ابدت اهتماما ضعيفا بحقوق العمال، وانصب جهدها على احداث اصلاحات على مستوى المجتمع. وكان لهذا الأمر الفضل في تقوية عود الحزب من بين صفوف الشرائح المثقفة ولكن على حساب القاعدة الانتخابية الشاملة من الطبقة العمالية والوسطى. وادى هذا التحول البنيوي الى تبلور فلسفة الحزب. وعليه، تراجعت المطالب الليبرالية التقليدية في توفير الأمن الاقتصادي للشريحة العمالية الى نظيرتها المطالبة باصلاح المجتمع التي ادت لاحقا الى تبني اجراءات تسيييس المشهد الثقافي الخاص بوضع العائلة والقيم الجنسية والدين. والنتيجة كانت هروب عدد لا بأس به من المحافظين الجنوبيين وصقور الأمن القومي والمحافظين الكاثوليك وليبراليين من كل صوب وتخليهم عن الحزب الديموقراطي. وادى هذا الخروج الجماعي الى اعادة تشكيل التحالفات داخل الحزب ليصبح عبارة عن تآلف من شرائح الليبراليين المؤدلجين والنقابات العمالية العامة والمستفيدين من برامج الانفاق الحكومي.
 
         وعليه، اضحت النقابات العمالية المنظمة اكبر القواعد الداعمة للحزب الديموقراطي. وعلى سبيل المثال، شكلت نقابة موظفي البلديات والمقاطعات والولاية AFSCME، والتي تضم نحو 1.6 مليون عضو، المركز الثالث من بين كبرى المؤسسات المتبرعة للحزب، اذ بلغت 90 مليون دولار ونيف للعام الانتخابي 2010. بينما احتل الاتحاد العام القومي للمعلمين المرتبة الثامنة في سجل التبرعات والتي بلغت 31 مليون دولار لذات الفترة. وتجدر الاشارة الى ان النقابات العمالية بمجملها خصصت نحو 400 مليون دولار لحملة انتخاب الرئيس اوباما عام 2008 ومرشحين آخرين من الحزب الديموقراطي.
 
         وما تشهده الولايات المتحدة آنيا هو تضافر عدد من القوى والعوامل – اقتصاد رديء، عجز ضخم في الميزانية العامة، الشعور بأن النقابات العمالية لها نفوذ قوي، وجمهور غاضب من الناخبين الرافضين لدفع مزيد من الضرائب. والأمر مرهون حاليا بيد حكام الولايات ومجالسها التشريعية الذين يرغبون في تقليص نفوذ النقابات في الحياة السياسية.
وهذا الأمر يضع النقابات وزعامة الحزب الديموقراطي في وضع حرج. فان اقدمت النقابات على التراجع عن مواقفها المعلنة في حالة ولاية ويسكونسن، فستواجه ذات القضايا الشائكة في عشرات الولايات الاخرى. اما الخيارات المرّة المتبقية للرئيس اوباما وزعامات ديموقراطية اخرى هو اما استمرار دعم قطاعات المتبرعين التقليديين (اي النقابات) او الاستدارة يمينا نحو موقف الحزب الجمهوري،  الذي استغل الازمة الاقتصادية التي تعصف بالولايات المتحدة وحنق القاعدة الانتخابية من اجل تقليص نفوذ النقابات، لا سيما وان ما كشفه احد استطلاعات الرأي موخرا بأن نحو 48% يؤيدون خطوات حاكم الولاية الجمهوري في صراعه من النقابات المنظمة.
 
         ان ما يجري في ولاية ويسكونسن، على غرار ما يجري في منطقة الشرق الاوسط، يشير الى ازمة متبلورة على صعيد الرؤيا الفلسفية للحزب الديموقراطي ودور النقابات العمالية فيه. ومن مؤشرات تراجع قاعدة ونفوذ الحزب، ما تشير اليه بعض استطلاعات الرأي الرصينة بأن الجناح الليبرالي لا يمثل سوى 20% بين القاعدة الانتخابية؛ وفي المقابل، يمثل المحافظون الذين يشكلون العمود الفقري للحزب الجمهوري نحو 40% من مجموع الناخبين. 
 
         ان الحزب الديموقراطي ليس معرضا للانهيار بل سيستمر في وجوده، لكن يتعين عليه الاهتمام بتحالفاته الداخلية. كما وان النقابات العمالية، وقياداتها بالتحديد، قد اهملت الطبقة الوسطى من الناخبين التي شكلت احد اقطاب التحالف الاساسية التي تحدث عنها الرئيس روزفلت. وكلما اصغت تلك القيادات الى نبض قواعدها ومطالبها، كلما انجزت تغييرا اسرع.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro