English

 الكاتب:

زينب الدرازي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

هل نحن مختلفون؟!
القسم : سياسي

| |
زينب الدرازي 2011-02-26 08:19:57


ونحن نمر بطوفان من المتغيرات المتسارعة في العالم العربي، من محيطه إلى خليجه، بسيل من التغيرات السياسية تفرضها حركة احتجاجية في مناطق متعددة من الوطن العربي تؤدي في نهاية مطافها بسلسلة من التغييرات الاجتماعية تتراوح بين السلمية والعنيفة، والغريب في الأمر كون التصريحات المتشابهة هنا وهناك تفاجئنا بحديثها عن اختلاف ظروف كل دولة عربية عن الأخرى، وتمتعها بخصوصية تمنع تكرار ما حدث في الدول الأخرى من الحدوث عندها، وان ما يحدث في تونس لا يمكن حدوثه في مصر، ويحدث ذات الشيء في مصر، فتقول ليبيا ان ما حدث في مصر لا يمكن أن يحدث فيها فينفجر المجتمع في وجه السلطة، وكذلك يقول الساسة الرسميون في اليمن ان ما حدث في تلك البلدان لا يمكن أن يحدث فيها بينما تجتاح المظاهرات بذات السمات يمننا السعيد. 
وإن الشعب السوداني يختلف عن المصري أو الشعوب العربية في المغرب العربي تختلف عن شرقه، وشرقه وغربه يختلف عن خليجه وهكذا منذ أن نظر الجابري للتصارع بين قطبي الثقافة في المغرب العربي ومشرقه. فهل التقسيم الجغرافي للعالم العربي، الذي أفرزته هزيمة الامبرطورية التركية في الحرب العالمية الأولى، استطاع أن يمحي أكثر من أربعة عشر قرنا من القواسم الثقافية المشتركة عبر تاريخ مشترك بين مكونات الشعب المتعددة؟ هل أصبح لكل قطر خصوصيته فعلا؟ رغم الجهد الهائل الذي بذلته كل الحكومات بأشكالها المخلفة للترويج لهذه الفكرة عبر مجمل عملية التعليم ومحاولة التركيز على الاختلافات النابعة من طبيعة المنطقة وتفاعل الناس معها عبر العصور، وتضخيمها لتصبح خصوصية ثقافية تعتمد على ولاءات ضيقة في مقابل مفهوم المواطنة الواسع، كاتساع اللهجات المحلية التي ضخمت، لتستند إلى فنون محلية، تغرس عبر عملية التنشئة الاجتماعية القطرية مقابل الوحدة في كل قطر على حدة، فحين تقوم جامعة في دولة ما تقوم الدولة الأخرى بفتح جامعة موازية لها وبذات الشكلية تنامت وتناثرت الجامعات والمدارس والمعاهد ومصانع الأدوية والسلاح... الخ، حتى تقسمت السوق الموحدة وضعفت وصارت تتعامل مع دول الاستعمار القديم بأضعاف ما بينها من التجارة المحلية، حتى بات المواطن يتلمس في ذاته هوية قطرية تقوم بشكل مضاد على هويته الجمعية الثقافية العربية ذات الطابع الإسلامي، فهل الاستبداد له نفس الخصوصية أيضا في كل قطر عربي!
في العوالم العربية اليوم تبدو مسألة الخصوصية وكأنها شيء مسلم به، وواقع لا يساءل، حتى استطاعت الأنظمة العربية أن تتكلم عن خصوصيتها هي لا خصوصية شعوبها، أن تشق العالم العربي إلى عوالم مصطنعة جغرافيا، لعدم وجود حواجز طبيعية في جغرافية المنطقة إلا في الندرة النادرة، بينما تهيمن الصحراء الكبرى على الملمح الجغرافي الذي تمتد فيه من الماء إلى الماء، لذا نجد العالم العربي يقسم سياسيا لا جغرافيا في الأغلب الأعم، وعملت كل دولة على إيجاد هوية مضادة للهوية العامة تتسم بالقطرية، واشتغلت بوعي على مجموعة ولاءات قبلية أو مناطقية أو حزبية أو اثنية أو طائفية عن طريق إقامة جامعات منفصلة وتعليم منفصل، يؤكد على تاريخ المنطقة وكأنه منفصل عن سياقه التاريخي العربي ومنسلخ عن التاريخ العالمي.
واختزلت تاريخ كل قطر في لحظة الاستيلاء على السلطة وما بعدها، واعتبار ما قبلها ثقبا اسود لا يمكن أن يرى أو يستحق أن يبحث، حتى بات تقطيع الهوية وتغريبها، والدفاع عن الجمود والسكون غاية وهدف لكل نظام عربي.
فهل كل ما حدث في تونس ومصر وليبيا واليمن والجزائر والمغرب اليوم يعبر عن الاختلاف أم عن مصير واحد لشعب واحد يقبع تحت مدرسة واحدة من الاستبداد والظلم، ويعبر عن العجز في أنظمة سياسية كان بعضها في ذات يوم ينادي بالحرية والاستقلال، أو ناجم عن انقلاب ثوري أو ثورة جماهيرية، ولكنها فقدت مصداقيتها بتحويل الثورة إلى ملكيات جمهورية فاقدة للديمقراطية وأسس الحكم الصالح الذي كانت ذات يوم من اشد المطالبين به وأصبحت الآن من اشد الرافضين له، تقابل شعوبها التي أوصلتها لسدة الحكم بالنار والحديد. أما آن لنا بعد كل هذه الأحداث أن نتعظ ونستوعب الدروس حتى لا يتجاوزنا التاريخ.
البلاد - 26 فبراير 2011

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro