English

 الكاتب:

السفير

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

البحرين: السلطة تطلق النار وتعرض الحوار
القسم : سياسي

| |
السفير 2011-02-19 09:04:36


بعدما غرقت السلطات البحرينية في دماء مواطنيها، وتضاءلت قدرة حلفائها الغربيين والخليجيين على تغطية ممارساتها القمعية، فوّض الملك حمد بن عيسى آل خليفة ابنه ولي العهد سلمان بن حمد الذي يتمتع بسمعة إصلاحية نسبية، صلاحية إجراء «حوار وطني» مع المعارضة، ربطه بشرط «عودة الهدوء» إلى الشارع البحريني، الذي شهد تصعيدا خطيرا تمثل في قيام الجيش البحريني بفتح النار على المتظاهرين في المنامة، ما أدى الى سقوط عشرات الجرحى بينهم، غالبيتهم من مشيعي ضحايا مذبحة فجر أمس الأول.
في هذه الأثناء، أجّلت المعارضة البحرينية دعوة إلى التظاهر من اليوم إلى الثلاثاء المقبل، في محاولة لاحتواء الأزمة الأخطر
التي تواجهها البحرين منذ سنوات عديدة والتي عكست خوف النظام وتوتر دول الخليج من ان تهب رياح الثورة المصرية على حكامها، فيما كان الشارع البحريني يشتعل غضبا ويطالب زعماءه بالتخلي عن النهج الإصلاحي والمطالبة بإسقاط النظام.
وذكرت مصادر متطابقة أن المتظاهرين الذين هوجموا امس من قبل وحدات الجيش كانوا ينوون التوجه الى دوار اللؤلؤة الذي أغارت عليه قوات الامن فجر الخميس الماضي، وقال النائب علي الأسود من كتلة الوفاق المعارضة التي انسحبت من البرلمان إن «26 جريحا ادخلوا المستشفى وبعضهم إصاباتهم خطيرة» مشيرا الى ان احد الجرحى «في حالة موت سريري». وذكر الأسود ان «الجيش أطلق الرصاص الحي على اكثر من الف شخص كانوا يريدون الوصول الى دوار اللؤلؤة»، فيما أشارت مصادر أخرى لـ«السفير» إلى سقوط 4 قتلى وإصابة أكثر من 60 شخصا. وأكد مسؤول عن متابعة شؤون المفقودين لـ«السفير»، وجود حوالى 15 مفقودا من صفوف المتظاهرين.
وتداركا لمزيد من الضغوط على السلطة، صدر بيان رسمي عن الملك حمد بن عيسى طلب فيه من ولي العهد بدء حوار وطني «مع جميع الاطراف والفئات» لحل الأزمة، وأضاف البيان ان الملك أعطى الشيخ سلمان بن حمد «جميع الصلاحيات اللازمة لتحقيق الآمال والتطلعات التي يصبو إليها المواطنون الكرام بكافة أطيافهم». وكان ولي العهد قال في حوار تلفزيوني إنه يدعو جميع الاطراف الى «الهدوء فورا» مشددا على انه «من دون هذه الخطوة لن يكون بالإمكان بحث اي مشكلة».
وتعهد ولي العهد ببحث «أي مشكلات ضمن حوار جماعي في البحرين تشارك فيه جميع الأطراف». وقال بعدما دخل الاستديو أثناء حوار كانت تجريه الاعلامية سوسن الشاعر مع عضو مجلس الشورى ابراهيم بشمي «أنا لا أفرق بين اي مواطن... لكن ما يحدث الآن غير مقبول... البحرين لم تكن في يوم دولة بوليسية». وإذ سئل عن ضمانات الاستجابة لنداء الهدوء، قال «انا لم أكذب... هؤلاء ابناء شعبي جميعا... المرحلة التي وصلنا اليها خطيرة وتستدعي منا جميعا الاحساس بالمسؤولية... لا بد ان نجري حوارنا في ظل الهدوء الشامل». وقال الأمير سلمان ان «البحرين اصبحت اليوم منقسمة وهذا ما لا يمكن القبول به».
وسئل ولي العهد عن سقف الموضوعات المطروحة للحوار، فقال «السقف ما يتفق عليه الجميع». وأضاف «انها رسالة من مواطن... نحن اليوم على مفترق طرق... ابناء يخرجون ويعتقدون ان ليس لهم مستقبل في البلد وآخرون يخرجون من محبة وحرص على مكتسبات الوطن... لكن هذا الوطن للجميع... ليس للسنة وليس للشيعة... في هذه اللحظات يجب على كل انسان مخلص ان يقول كفى».
وتابع ولي العهد قائلا «لم استطع ان اتوقع مثل هذا الوضع... يجب ان تسود الاخلاق وضبط النفس من جميع الاطراف... من القوات المسلحة ورجال الامن الى المواطنين... توقفوا. أعاهدكم بالهدوء. دول كثيرة دخلت حروبا اهلية لان العقلاء لم يعلنوا موقفهم». وسئل ولي العهد عما اذا كان لديه كلمة للمحتجين فقال «ليس لدي طائفة... لدي انسان بحريني مسلم فقط. لا استطيع ان أفرق لكن البحرين اليوم انقسمت، هناك تصعيد نحن في غنى عنه، نحن جزء من مجلس التعاون ولا أرضى حربا بين ابناء الوطن».
الى ذلك، اعلن زعيم جمعية الوفاق علي سلمان أن «مسيرة المعارضة التي كان يفترض ان تتم السبت أجلت الى الثلاثاء بسبب الحداد على الشهداء». وقال النائب محمد يوسف المزعل عن كتلة الوفاق لـ«السفير»، إن ما جرى أمس من هجوم للجيش بالرصاص الحي على المتظاهرين يعتبر «تعقيدا إضافيا، فيما البحرين لم تعد تحتمل أي تعقيد إضافي».
وعند سؤاله عن الموقف من تصريحات ولي العهد البحريني قال المزعل «من دون الخوض في التفاصيل، من المفترض أن يكون أصل وجود هذه المبادرة خطوة إيجابية»، فيما أكد أن الجمعية «تتدارس الموقف لحظة بلحظة. الامر يتعلق بالمستجدات». وفيما كان مئات آلاف المواطنين بحسب مصادر «السفير» يشيعون قتلاهم الذين سقطوا في احداث دوار اللؤلؤة، في مناطق الدراز وكرزكان وسترة، سار مئات المؤيدين للنظام حاملين صور الملك في العاصمة المنامة.
أما أميركياً فقال المتحدث باسم البيت الأبيض جاي كارني إن الرئيس باراك اوباما «قلق للغاية بشأن التقارير عن العنف في البحرين وليبيا واليمن. الولايات المتحدة تدين استخدام الحكومات للعنف في مواجهة محتجين مسالمين في هذه الدول وفي أي مكان تحدث فيه». وأضاف اوباما «الولايات المتحدة تحث حكومات البحرين وليبيا واليمن على التحلي بضبط النفس في التعامل مع الاحتجاجات السلمية وباحترام حقوق شعوبها».
وأعربت تركيا عن قلقها من القمع الدامي للحركة الاحتجاجية في البحرين، داعية سلطات المملكة الى احترام حقوق الانسان. ودعا بيان لوزير الخارجية أحمد داود اوغلو الاطراف الى ضبط النفس وتجنب استخدام القوة. وأضاف البيان ان «الطريق نحو الاستقرار الدائم يمر عبر احترام الحريات وحقوق الانسان الاساسية». وأشادت الوزارة بالاصلاحات التي بدأتها السلطات البحرينية، وأعربت عن الامل في عودة الاستقرار في اسرع وقت الى المملكة.
إلى ذلك، ارتفعت تكلفة تأمين ديون البحرين والسعودية لأجل خمس سنوات إلى أعلى مستوياتها في 19 شهرا. وارتفعت مبادلات الالتزام مقابل ضمان لديون البحرين لأجل خمس سنوات إلى 310 نقاط أساس بعدما أغلقت عند 261 نقطة الخميس الماضي وفقا لما ذكرته مؤسسة

«ماركت».
(«السفير»، أ ف ب، رويترز، أ ب) 
‫------------------------------‬
الأقلام الغربية تواكب الأزمة في البحرين: واشنطن محرجة.. والسلاح البريطاني يقمع الاحتجاجات
تطرح الاقلام الاميركية والبريطانية تساؤلات كثيرة تظلل الأزمة المتفاقمة في البحرين بعد أيام قليلة على اندلاعها، بدءاً بأسباب الغليان الشعبي وخلفياته مرورا بنوع الازمة الحالية، وصولا الى صورة البلاد المستقبلية في حال نجحت «الثورة» بقلب النظام.
اتفقت الصحف الغربية على موقع الولايات المتحدة الحرج في التعاطي مرة أخرى مع أزمة تضرب حليفا جديدا. فبحسب «واشنطن بوست» الأميركية «من الصعب جدا أن يعود الاستقرار إلى البحرين بعد تفاقم العنف، ما يهدد المصالح الأميركية الحيوية بشكل مباشر»، مشيرة إلى الأسطول الخامس للبحرية الأميركية في البحرين والذي «يلعب دورا أساسيا في حماية أمن دول الخليج واحتواء ايران المجاورة». ورأت الصحيفة انه فيما تهدف المواجهة في الشارع البحريني اليوم إلى إضعاف حكومة حليفة لواشنطن، ترى الاخيرة نفسها في موقع لا يسمح لها بدعم «نظام يقمع بلغة العنف، الاندفاع العربي باتجاه التحرر السياسي». واعتبرت الصحيفة ان إدارة الرئيس باراك اوباما فشلت في التصرف إزاء مفاسد النظام البحريني طيلة الفترة الماضية والتي ادت إلى ما وصلت اليه البلاد اليوم مع نزول متظاهرين من المجتمعين السني والشيعي إلى الارض»، مضيفة انه مع إبداء واشنطن قلقها إزاء إجراءات قوات الأمن البحرينية داعية إلى «تغييرات ذات مغزى بالنسبة للشعب»، تحاول الولايات المتحدة «العمل على عدم تلبية الملك لدعوة الراعي السعودي إلى قمع الثورة الشيعية كما جرى في التسعينات»، خصوصا ان الهدف الاميركي واضح: «الضغط على الحكومة البحرينية لوقف القمع واتخاذ خطوات اصلاحية سياسية واقتصادية صارمة قبل فوات الأوان.»
هذا ما اظهرته سطور «ذي تايمز» البريطانية رغم اعطائها الازمة البحرينية بُعدا مذهبيا، اذ اعتبرت أن «الإجراءات الصارمة في البحرين تشكل معضلة للرئيس أوباما، حيث إن هناك 20 سفينة حربية - بما في ذلك حاملة طائرات وغواصات - متمركزة على مسافة 150 كيلومترا من الساحل الإيراني، و450 كيلومترا من مضيق هرمز. وليست هناك إشارة إلى أن الأسطول الخامس الأميركي على وشك أن يُطرد من البحرين، لكن هذا الأمر يجبر واشنطن على الانحياز إلى أحد الجانبين في مواجهة حاسمة بين النخبة السنية وحركة الاحتجاج التي تحركها غالبية شيعية.»
وفي السياق المذهبي نفسه، نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» الاميركية عن السفير الاميركي السابق لدى العراق كريستوفر هيل قوله ان «السعوديين قلقون جدا من الموجة الشيعية في البحرين وان تحدي الجمهور الشيعي للسلطة الملكية هو اهم ما يركزون عليه». وتحدثت الصحيفة في مقال آخر بعنوان «بالنسبة إلى السنّة في البحرين، خيار الدولة الملكية جيّد»، عن «تخوّف المجتمع السني من مطالب المعارضة الشيعية». ونقل كاتب المقال مايكل سلاكمان عن احد مؤيدي الملك البحريني قوله «لا اريد الديموقراطية، بل النظام الملكي. احبّ ما انا عليه، لي عملي ومنزلي وتأمين صحي مجاني»، في انعكاس لشريحة سنية مؤيدة للنظام تدعم خطوات الملك الحالية، وعدم الاجماع على التغيير في البلاد.
في المقابل، جاء في تعليق في صحيفة «الغارديان» البريطانية أن «الإجراءات الصارمة التي تتخذها البحرين ضد المواطنين ستجعلهم أكثر تصميما، ورغم أن الإستراتيجية كانت تنظيم تظاهرة سلمية، فإن الهجوم على النشطاء البحرينيين حطم آمال التوصل إلى اتفاق مع الحكومة». وقالت الصحيفة «إن 14 شباط يمثل الذكرى العاشرة لميثاق العمل الوطني الذي يعتبر برنامج عمل لمشروع الإصلاح البحريني. فقد قوبل ميثاق 2001 بشبه إجماع من المصوتين بهدف أن يؤدي إلى نظام ملكي دستوري». واضافت انه كان من المفترض أن ينهي هذا الفصل «عقودا من الحكم الاستبدادي وقانون الطوارئ وقمع النشطاء السياسيين في البحرين»، وان النتائج أتت مختلطة لكن المحصلة الرئيسية هي «ديموقراطية سطحية»، اذ أرادت الدولة أن تستغل الذكرى السنوية لهذا العام لخلق مشهد اُبّهي لإضفاء الشرعية على الأسرة الحاكمة. وأشارت «الغارديان» في مقال لها الى أن «البحرين لم تستوعب كما يبدو درسي تونس ومصر، وأن قمع المتظاهرين ليس في مصلحة أي نظام، وأن هذه الأحداث تشكل نقطة تحول. وبعد ما حدث الآن من الصعب تخيل إمكانية إجراء مفاوضات»، مضيفة أن لبريطانيا نفوذا وتأثيرا في البحرين، وأنه ينبغي أن تنتهز هذه الفرصة للوقوف إلى جانب شعب البحرين.
وكتبت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية أن حكومة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون «انتُقدت بشدة لسماحها ببيع أسلحة لعدد من الحكومات العربية التي استخدمتها في قمع الاحتجاجات» المؤيدة للديموقراطية في الأسابيع الأخيرة وقتل فيها عشرات الأشخاص وجرح الآلاف. وقالت الصحيفة إنه «منذ أن تقلدت الحكومة البريطانية السلطة سمحت ببيع أسلحة لدول في أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا، بما في ذلك إعطاء رخصة لمصانع الأسلحة ببيع قنابل الغاز المسيل للدموع لإدارة البحرين، كما أقرت الحكومة مبيعات ذخيرة مكافحة للتظاهر لليبيا ومروحيات قتالية للجزائر ومركبات مدرعة للسعودية».
(«السفير») 
‫------------------------------‬
مذابح النظام تزلزل شـرعيّته والمعارضة بيـن نارين
مازن السيد
سقط النظام البحريني. لأن السقوط ليس مرادفا للتنحي ولا التخلي، بل يكون عندما تجتمع قوى الجيش والأمن والميليشيات المجنّسة على تصويب الرصاص الحيّ إلى صدور المواطنين العزّل، فمن أين يؤتى بعد ذلك للنظام بشرعية؟ المعارضة السياسية تبحث عن إنقاذ هذه الشرعية، لانتشال البلاد من انفجار يبدو وشيكاً، بعدما اشتعل في صدور البحرينيين باختلاف مذاهبهم وأصولهم، غضب عارم، فحملوا جثث شهدائهم، وهتفوا لخلع الأسرة الحاكمة.
مذبحتان في يومين
مذبحتان في أقل من 48 ساعة، الاولى نفذتها القوى الامنية والمرتزقة المجنسون فجر أمس الأول في دوار اللؤلؤة، والثانية نفذتها قوات الدفاع العسكرية قريبا من الدوّار مساء أمس. ويروي رئيس لجنة المفقودين في البحرين فاضل علوي السيد حسن لـ«السفير»، تفاصيل مذبحة الفجر، بأن «غالبية المعتصمين كانوا في خيامهم نائمين. وعند حوالى الثالثة فجرا انقضت قوات الشغب والاستخبارات علينا فجاة، انطلاقاً من فوق جسر محاذ، وبدأوا بإطلاق الرصاص المطاطي وقنابل الغاز ونيران سلاح الشوزن، خلال حصار محكم على ساحة الاعتصام السلمي».
كما يؤكد السيد حسن أن «القوى الأمنية قامت بتصفية أحد الشباب بطلق ناري في رأسه بعد تقييده في ساحة الدوّار»، مضيفاً «انهم اعتدوا على الفرق الطبية ومنعوها من العناية بالمصابين، ما دفع بها إلى التظاهر والإضراب» تضامناً مع المعتصمين.
أما مذبحة الأمس بنيران الجيش البحريني، الذي من المفترض به أن يكون «قوات دفاع» عن الوطن تحمي أبناءه، فكانت حينما حاول بعض المتظاهرين العودة إلى الميدان إثر تشييع شهداء الأيام الماضية. ويروي الشاب حمد المرهون لـ«السفير» ما شاهده خلال هجوم الجيش مؤكدا سقوط 4 شهداء، وعشرات المصابين بينهم 3 في حالة خطرة جدا، يقبعون في غرف العمليات. «الجيش اطلق الرصاص الحيّ على المتظاهرين لمدة ساعة متواصلة. وكان هناك رصاص ينهال من أعلى برج قريب من المكان، يرجح أن يكون من قناصين متمركزين هناك، إذ كان الناس يتهاوون فجأة، كما شاهد البعض ومضات نارية من أعلى البرج».
المعارضة بين نارين
«أول رصاصة يطلقها الجيش البحريني كانت إلى صدور المواطنين»، يقول النائب عن جمعية الوفاق محمد يوسف المزعل لـ«السفير» بأسى يشير إلى الموقف الصعب لأكبر الكتل البرلمانية المعارضة (18 مقعداً من أصل 40) المعلّقة بين غليان الشارع الذي يدفن شهداءه الواحد تلو الآخر، ودموية السلطات حيال حركات احتجاجية ذات طابع سلمي تامّ وشعارات وطنية بحتة. ويضيف المزعل أن «البحرين لا تحتمل بعد ذلك تعقيداً إضافياً»، داعياً السلطات إلى «اتخاذ إجراءات سريعة» لتدارك الموقف.
«الوفاق» سحبت نوابها نهائياً من البرلمان بعد مذبحة فجر اللؤلؤة، ويؤكد المزعل أن ذلك جاء امتداداً لموقفها منذ ان قاطعت العملية السياسية قبل دخولها، ولهدفها المعلن بالوصول إلى تداول سلمي للسلطة «لا يمكن أن يكون إلا عبر حكومة منتخبة» تستمد شرعيتها من الشعب، ويكون هو مسؤولا عن أفعالها ومحاسبتها.
لكن، أين تقف المعارضة الأبرز من السقف المتصاعد للشارع الثائر الذي تحولت مطالبه إلى إسقاط النظام كاملا بعد تراكم الجثث وسيل الدماء؟
المزعل يؤكد «نحن نبقى ضمن الموقف المتبلور، الذي يدعمنا فيه المجتمع الدولي المتحضّر. أما المطالبة بإسقاط النظام فتتولد من ردة فعل عفوية ازاء الأحداث الأخيرة. لكن البلورة الحقيقية لمطالب الناس تقوم على موقف تجمع عليه القوى الأساسية في البلاد، بما لا يتعدى حدود ميثاق العمل الوطني» الذي تم التوافق عليه عام 2001، ولم تلتزم به السلطات البحرينية. ويعتبر المزعل أنه لو كانت السلطات قد استجابت مسبقاً لمطالب الشعب، «لكانت البحرين اليوم رائدة في تجربة حضارية مميزة ترعاها مؤسسات الحكم، تفادياً للوصل إلى نقطة تظهر فيها مجاميع شعبية لتطلق شعارات» كخلع الأسرة المالكة.
وإذا سئل عن توقعاته ازاء خطوات إيجابية ممكنة للسلطة، يجيب المزعل سائله بسؤال يفي بالجواب: «إذا لم أتوقع خطوة كهذه، فكيف احب وطني؟». هذه العبارات الصادرة عن المزعل، الذي لا يرتدي اللباس الديني ويعده الوفاقيون من «التكنوقراط» رغم دراسته الدينية، تنمّ عن ثقافة مواطنيّة متقدمة، لكن الكثير من وسائل الإعلام تحاول تصوير المشهد البحريني على انه مشهد «انشقاق» مذهبي بين السنّة والشيعة، بحسب عبارات وزير الخارجية. ويجدر التساؤل حول الحقيقة خلف هذه المحاولات.
أسطورة «الإنقسام» المذهبي
فاضل علوي السيّد حسن يقول لـ«السفير» إن هناك جمعيات سنّية أصولية قد نشأت أساساً برعاية النظام الذي يستخدمها لطرح الخطاب الطائفي»، في المقابل «هناك العديد من السنّة الذين يؤكدون أن القضية وطنية، ومن بينهم الكثير من الناشطين والحقوقيين والمهنيين الذين يؤازرون مطالب المتظاهرين». أما المزعل فيفاجئ سائله بموقف فيه الكثير من العبر للمراقب اللبناني بشكل خاص.
ويقول المزعل لـ«السفير»، «إننا لا ننظر إلى القوى المختلفة على أساس انتمائها المذهبي أو الديني أو العرقي. كلّ مواطن بحريني له الحق في إبداء رأيه السياسي، ونراه على هذا الأساس»، مشدداً على أنه «ليس مقبولا المطالبة بأهداف خاصة بهذه الطائفة او تلك، أو هذه القبيلة والأخرى. لأن من يقول: أريد حقاً للطائفة، يفتح أبواب جهنم على البلاد. من حق كل مواطن أن يطرح رأيه السياسي، إذا كان رأيه من أجل كل الوطن».
وتصويراً لذلك، يتساءل المزعل «أليست المطالبة بالفرص المتكافئة للمواطنين من مختلف التوجهات تصب في خدمة الوطن؟ هل يجوز التمييز ضد أشخاص لأنهم ينتمون إلى تيار سياسي أو توجه ديني؟ الطائفية لا تجوز شرعاً ولا أخلاقاً ولا قانوناً».
وبالفعل، لم تكن التحركات الاحتجاجية ولا المواقف التضامنية حكراً على طائفة دون أخرى، وقد أصدرت 19 منظمة من منظمات المجتمع المدني بياناُ أدانت فيه الهجوم الوحشي على المعتصمين، ودعمت مطالبهم، معتبرة «إنزال الجيش إلى الشارع تصعيداً خطيراً»، ومطالبة الملك «بالتدخل الفوري لوقف عنف قوات الأمن ومحاسبة المتسببين في تلك الاحداث». كما أصدرت مجموعة من اعضاء جمعية المهندسين البحرينية بياناً طالبت فيه بمحاسبة المسؤولين عن سقوط الضحايا العزّل، وأكد إصابة مهندسين في الاعتداءات.
الخليج المزدوج
هذه هي الوقائع، لكن البحرين محاطة بواقع خليجي ثقيل الازدواجية بين سلطات تداعت إلى المنامة أمس الأول، في اجتماع لمجلس التعاون الخليجي صدر عنه بيان مسيء للمتظاهرين وداعم للحكومة البحرينية، وبين أصوات متصاعدة من المجتمع المدني الخليجي أكدت «سقوط فزاعة الإسلاميين والشيعة» وأعربت عن تضامنها مع المحتجين البحرينيين.
وقد نقلت منتديات خليجية عن مصادر عديدة قولها إن «التحالف الخليجي للمحكمة الجنائية الدولية» الذي أنشأه حقوقيون خليجيون قبل 3 سنوات، سيتقدم بشكوى إبادة جماعية للمحكمة الدولية بشأن مذبحة دوار اللؤلؤة، فيما أعرب «منتدى المجتمع المدني الخليجي» عن إدانته لـ«الهجوم الوحشي».
واعتبر المنتدى المدني في بيان أن «اليوم يتم استخدام الفزاعة الشيعية ومنذ فترة ليست بالقصيرة ولكن الشعوب العربية واعية بما يكفي لكي تسقط هذه الفزاعة من قاموس الأنظمة ويكفينا بأن ندلل على ذلك بأن من كان متواجداً بدوار اللؤلؤة هم شباب البحرين بكافة فئاتهم من شيعة وسنة فاختلط الدم الشيعي بالدم السني وهذا أكبر دليل على أن ما تروجه السلطة الحاكمة في مملكة البحرين ما هو إلا محض افتراء وكذبة كبيرة».
اما عن موقف مجلس التعاون الخليجي، فيقول المزعل «قرأنا الأمر على أنه محاولة لاستعطاف الخليج، فيما تنظر شعوب العالم اليوم إلى الشعب البحريني وتقف امامه بإجلال واحترام لاعتصامه السلمي ووقفته الشجاعة»، مضيفاً «لكنها محاولة يائسة لن تجدي شيئاً، ونرفض التـدخل الاجنبي من حيثما كان». ويؤكد المزعل «لكل دولة ظروفها الخاصة، ونحن لنا ظروفنا الخاصة سـياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ونحن لا نقول للأشقاء في الخليج ما يجب عليهم أن يفعلوا».
ورداً على سؤال حول ما إذا كان يرى في الموقف الخليجي هلعاً من إمكان وصول المد الثوري العربي إلى المنطقة يجيب المزعل «هل نتـوقف عن محاولة تحسـين واقعنا من اجل ألا نكون ملهمين للشعوب الأخرى؟ نحن ننظر إلى وضعنا الخاص في البحرين، وماضون في مطالبنا ولن نحيد عنها حتى تتحقق. الزمان زمن الشعوب وعلى بقية الشعوب أن تعي ذلك أيضاً».
السلطات دعت إلى «حوار وطني» بعدما تكدست جثث الشهداء وأنّت الأرض من أجساد العزّل المثخنة بالجراح، لكنها إذا حاورت الآن فإنما تقف في وجه جبّار الشعب الذي ثبّت قدميه في أرضه بالدماء، واستلهم من إخوته في مصر وتونس وليبيا واليمن والجزائر شجاعة لم تنقصه أصلاً. وسيكون للبنانيين موعد مع مراجعة حساباتهم المذهبية العفنة، إذا ما رأوا البحرين بين السعودية وإيران، تكسر أسطورتين في آن: اسطورة توقف التاريخ الخليجي، وأسطورة الانقسام الإسلامي. 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro