English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الحاجة إلى بوصلة سياسية
القسم : سياسي

| |
عبيدلي العبيدلي 2011-02-16 08:17:10


أول ما يبحث عنه القبطان الماهر، عندما تهب العواصف العاتية على سفينته في أعالي البحار، وعندما تتلاطم الأمواج من حولها، هو البوصلة التي تحدد خط سيره، فترشده نحو الاتجاه الصحيح، الذي يضمن سلامة الركاب ونجاة السفينة على حد سواء.
وحده الربان الماهر هو الذي يمتلك جرأة اتخاذ القرارات الشجاعة، التي يصعب على سواه من البحارة الآخرين حتى مجرد التفكير فيها، إما لنقص الخبرة، او لافتقاد الجرأة.
سفينة البحرين اليوم تبحر في لجة يم متلاطم الأمواج، ومن ثم فهناك حاجة ماسة لمثل ذلك الربان الماهر القادر على الإمساك بدفة هذه السفينة، كي ينقذها من مهالك الغرق، أو مخاطر ضل السبيل، ويوصلها، ومن عليها إلى شاطئ الأمان، بأقل التضحيات الممكنة.
ليس هناك من في وسعه أن ينكر أن سفينة البحرين السياسية تقف اليوم أمام مفترق طرق حاد وصعب ومعقد على حد سواء، ومن ثم فهي في أمسّ الحاجة إلى قرارات شجاعة جريئة قادرة على انتشال البلاد من مأزقها الذي تقف أمامه، قبل أن تفلت الأمور من عقالها، فتصل إلى مرحلة يصعب فيها السيطرة عليها أو التحكم في مسارها.
ولكي نضع الأمور في نصابها، كي يتسنى لنا فهمها، ومن ثم امتلاك القدرة على استقراء خط سيرها، ينبغي لنا أن نقرأ تفاصيلها، ونحن ممسكون ببوصلة سياسية، قادرة على السير في الطرق الوعرة، وإرشاد الجميع، على قاعدة فهم تطور الظروف التاريخية التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه اليوم.
ما يحدث اليوم في البحرين تحديداً، دون سواها من دول الخليج الأخرى، ليس من الصدفة في شيء، بقدر ما هو تعبير واقعي عن تراكمات كمية لطبيعة التجاذبات التي حكمت العلاقات بين السلطة التنفيذية والمعارضة السياسية، لما يزيد على نصف قرن، والتي توجت، بصدور قانون أمن الدولة في منتصف السبعينيات من القرن الماضي. غرست تلك التراكمات بذرة من عدم الثقة المتبادلة بين الطرفين عبّرت عنها الأزمات السياسية التي مرت بها البلاد، وسقتها، بمياهها المسمومة، وبعناية فائقة، بعض القوى المحلية والإقليمية والدولية التي تتعارض مصالحها مع أي شكل من أشكال الهدوء الذي يمكن أن يسود البلاد، أو نمط من أنماط التفاهم بين المعارضة وأهل الحكم. عبّرت عن ذلك، انتفاضة مارس/ آذار 1965، وما تلاها من اعتقالات واستشهادات، وعكستها إجراءات حل برلمان 1975، وسن قانون «أمن الدولة»، وكرستها حملات اعتقالات عقد الثمانينيات، وأبرزتها على السطح صدامات التسعينيات.
حط الطرفان الرحال، مع تدشين المشروع الإصلاحي الذي، بقدر ما أثلج صدر القوى الباحثة عن السلام، والمتعطشة لفتح أشكال مختلفة لنمط العلاقات بين المعارضة والسلطة التنفيذية، فهو أثار حفيظة القوى الأخرى التي لا تعيش إلا على توتر العلاقات بين السلطة التنفيذية والمعارضة، ويخنقها استنشاق أوكسجين الحوارات الإصلاحية الجادة غير العنيفة بين الطرفين.
مثل هذه القوى موجودة في صفوف الطرفين، وتأخذ أشكالاً مختلفة، تقوم من خلالها بزرع بذرات الصدامات والنفخ في نيران الصراعات الصدامية العنيفة.
نجحت تلك القوى المتدثرة بأردية بعض مؤسسات السلطة التنفيذية، تماماً، كما توفق، في المقابل، نظراؤها ممن تستروا بأردية بعض أشكال المعارضة، وتعانقت مصالح الطرفين، موضوعياً، فنجحتا في «وضع العصي في دولاب المشروع الإصلاحي»، الذي بدأ يواجه عقبات كأداء تحول دون تقدمه، جراء مساعي تلك الهادفة إلى إيقافه، وعندما تفشل في ذلك، فهي لا تكف عن مساعيها الهادفة إلى حرفه عن طريقه الذي رسمه له «ميثاق العمل الوطني»، والدستور على حد سواء.
ليس من العقل، ولا من مصلحة شعب البحرين إشاعة اليأس في صفوف المواطنين، من خلال ترويج مقولات من نمط، «ليس هناك من أمل في منع الأوضاع من العودة إلى الوراء»، أو القبول بأقوال مثل «ليس هناك من لغة للحوار سوى العنف»... إلخ، من الدعوات التي تريد أن تعود البلاد مرة أخرى إلى عهود «قانون أمن الدولة» المظلمة، وترجع العلاقة بين المعارضة السياسية والسلطة التنفيذية إلى سابق عهدها من التوتر، الذي يدفع بلغة الحوار نحو العنف بدلاً من السلم.
سفينة البحرين اليوم، بحاجة أكثر من أي وقت مضى، إلى قيادة شجاعة من الطرفين، السلطة التنفيذية والمعارضة، تمتلك الجرأة المطلوبة، كي تنتشل البلاد من طريقها الخاطئ الذي نخشى عليها سلوكه، والذي لا يمكن أن يقودها سوى إلى التهلكة.
المواطن اليوم، بحاجة إلى قيادة جريئة، تمسك بين يديها ببوصلة سياسية تنتشله من لجة البحر المتلاطم الذي يمكن أن يغرق السفن بمن عليها، بدلاً من أن يقود الجميع إلى بر الأمان. وفي المنعطفات الحادة، ليس هناك من أفضل من تلك القيادة التي قد يبدو أنها تسير في اتجاه معاكس للتاريخ، لكنها في حقيقة الأمر، وحدها القادرة على قراءة الواقع بشكل صحيح وبوضوح تام، يؤهلها لتقدم الصفوف وطرح البدائل التي تمنع الجميع من دفع ضرائب باهظة غير ضرورية، وتسير، حتى وإن لم يعِ الآخرون، على الطريق السليم.
ما زال هناك متسع من الوقت، كي تمسك القيادة بتلك البوصلة السياسية، وتأخذ بيد البحرين نحو الأهداف التي وعدنا بها المشروع الإصلاحي الذي لا يريد المواطن أن يفقد المكاسب التي ضحى شعب البحرين بكل طوائفه من أجل نيلها.
 
الوسط - 16 فبراير 2011

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro