English

 الكاتب:

من العربية

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

انتفاضة مصر في مواجهة الخداع والاحتواء
القسم : شؤون عربية

| |
من العربية 2011-02-09 07:30:54


بقلم د.سمير صباغ:
مهما يكن من امر سيسقط نظام حسني مبارك عاجلا أم آجلا.
عندما فجّر الشعب المصري بقيادة جمال عبد الناصر ثورة يوليو اهتز العالم وفي القلب منه الوطن العربي من الخليج الى المحيط.
وعندما سارت مصر في طريق الاستقلال والجلاء ورد العدوان والتنمية والوحدة العربية اهتز العالم وفي القلب منه اهتز الوطن العربي من أقصاه الى أقصاه. وعندما انتكست مصر في عام 1967 اهتز العالم وفقد العرب صوابهم . وعندما رحل القائد العربي اهتز العالم وتشرذم العرب وتفرقوا كغنم في قطيع بلا راعي. واليوم فجّر شباب مصر ثورة شعبية رائدة فاهتز العالم وانقلب العرب من حال الى حال.
ردت انتفاضة الشباب العربي في مصر الروح الى الاجيال العربية. فما حصل في تونس ومصر وسيحصل في اليمن وباقي الاقطار العربية سيكسر حاجز الخوف ويؤكد عودة الامل اليها بعدما أوصلتها الانظمة الى التهميش واليأس والجوع والتبعية.
تفجرت هذه الانتفاضة الكبيرة والعظيمة في تأثيرها والهامها وتنامي قدرتها وروعة اندفاعاتها فاستولدت نهوض كل العرب الذين طالما انتظروها، فجاءت ملبية لطموحاتهم ومحققة لمطالبهم في الحرية وعدم الخضوع وفي الحياة الحرة الكريمة.
ارحل.ارحل.
 كلمة سحرية سرت كالنار في الهشيم ووصل صداها الى دنيا العرب فبدأ عويل قادة انظمة كانت تنادي دائما بالبقاء في سدة الحكم مدى الحياة وبالتوريث وتغيير حكومات وتقديم اصلاحات كخطوات استباقية لاي انتفاضة غضب لشعبها. في هذه الانتفاضة التي أذهلت العالم وخاصة أميركا ودفعتها الى البحث ملياً بكيفية استمرار نفوذها ودورها ومصالحها ومدى تأثيرها على المجاور والبعيد. هذه الانتفاضة فرضت برامجها ومطالبها على سائر القوى المعارضة وخصوصا القوى العقائدية المختلفة منها فصارت هي التي تحدد الايقاع حتى مع تعددية الاحزاب التي لم تعد مرجعية لها خاصة اذا بقيت في تعددية تنافسية كما هي الان يسعى كل منها الى تسلق الانتفاضة محاولة التأثير فيها وقيادتها .
الانتفاضة التي تختبرها مصر ويبايعها العرب تبشر بفجر جديد بوضوح رؤياها وشعاراتها وانضباط ممارساتها وهي تؤكد اليوم ثقافة الشعور بالمسؤولية تجاه الجماهير  والاجيال الطالعة.
الشعب يريد اسقاط الرئيس شعار انطلق في اليومين الاولين لتفجّر الانتفاضة ثم أتبعه المنتفضون بشعار الشعب يريد اسقاط النظام وليس الرئيس وحده وكأنهم أدركوا مرامي أعداء الأمة من الأميركيين والصهاينة والرجعيين الذين يريدون التضحية بالرأس دون النظام .
اليوم فجّر الشباب في مصر لعبة يئسوا منها وهي على حساب مستقبلهم وازدهار اقتصادهم وهناء عيشهم فضلا عن وضع قرارهم الوطني رهن الارادة الاميركية الاسرائيلية التي أخرجت أكبر دولة عربية من ساحة الصراع ضد العدو الاسرائيلي وحولوها من دولة مواجهة لاسرائيل الى دولة مساندة لها ومحاربة اعدائها على طول حدودها من الجنوب الى الشمال ومن الشرق الى الغرب .. لعبة يئسوا منها لان في هذا تنكر لماضي مصر وثقافتها ودورها في تكوين الوجدان القومي العربي الذي انتشر مع جمال عبد الناصر.
ما يقوله المنتفضون اليوم وهم يطالبون بإنهاء الحكم العميل يعني فيما يعنيه أن أميركا لن تحكمنا بعد اليوم كما قالها اللبنانيون للرئيس سعد الحريري منذ ايام وسيقولها الشعب العربي في كل مكان.
ولكن عمليا ماذا يجري في مصر في اليوم السادس لجمعة الغضب؟
أربعة لاعبين أساسيين يمثلون المشهد الحالي:
 
·       أولاً: النظام الفاقد للشرعية الشعبية:
لم يكتفِي حسني مبار ك بدماء الاسبوع الاول فقرر أن يتحرك والدم والعنف يسيل في الشوارع انتقاما من شباب انتفاضة هزت عرشه الهش . لم يبق من نظامه الا مرتزقة مأجورين من بقايا نظامه يدافعون بكل الوسائل الاجرامية حفاظاً على وجودهم ونفوذهم. النظام فقد الشرعية الشعبية التي هي المصدر الحقيقي للشرعية الدستورية التي لا تخوله الان بعد انتفاضة شعبه عليه ممارسة صلاحيات واتخاذ قرارت وعليه فان تعيين نائبا له (عمر سليمان) ليست صحيحة رغم أن هذا التعيين يفرض نفسه في سياسة الخداع والاحتواء، و كذلك الحكومة التي شكلها
 
 
·       ثانياً: أميركا وخططها في الدفاع عن سياساتها ونفوذها ومصالحها ودورها:
في بادىء الامر بادرت اميركا في رسائل الرئيس المتعددة الى اوباما تبدي التعاطف مع الشعب المصري وخصوصا حقه في التعبير لكنها غير مطالبة بتنحي الرئيس . فيما بعد تبين أن أميركا تأمل عقد صفقة مؤداها: التخلي عن الرئيس مقابل عدم خسارتها واسرائيل دولة كبيرة مركزية حليفة لمصر، فبدأت - على ما يبدو- ادارة لعبة وفق خطة واضحة في مراميها وأهدافها وممارساتها غامضة في فصولها وتطوراتها. فبدأت برسائلها الثانية وعلى لسان أرفع مسؤوليها بالمطالبة بتنحي الرئيس خاصة بعد أن ظهر أنه يعتمد على الجيش المعروفة قياداته العليا بميلها الشديد للتوجهات الاميركية ويطلق قوى أخرى كالميليشيات التي ألفت من بلطجية مأجورين ومن سجناء فارين كتلك التي هاجمت المنتفضين وانخرطت معهم في مواجهات عنيفة امس بين مؤيدي الحكم ومعارضيه. أميركا تسعى في هذه الخطة لترتيب البيت المصري وفقا لما تريده من مصر.
 
·       ثالثاً: الجيش ومخابراته :
الجيش محايد حتى الان وحياده يثير الريبة خاصة بعد ان أفلت مبارك ميليشياته راجلة وممتطية الحمير والجمال والجياد للاعتداء على المتظاهرين العزل طيلة اليومين الماضيين وحتى اليوم السابع لازالت الاعتداءات مستمرة والمواقف نفسها. والجيش ماضٍ في ممارساته الحيادية ذاتها كذلك كمخابراته التي لا زالت تعمل في الخفاء كعادتها. ان محاولة النظام بتفويض عمر سليمان باجراء حوار مع المنتفضين هو الاحتواء والخداع بعينه. مهما حاول هذا الرجل المعروف بدهائهي ان يفعل وان يحاول ان يحتوي قيادات واحزاب فانه لن يفلح.
 
·       رابعاً :المنتفضون الشباب:
لازالوا رغم الاعتداءات عليهم مصرين على تحقيق مطالبهم لا حوار مع من يمثل رأس الحكم ، لا بد من تنحي الرئيس ولا بد من تحقيق المطالب المشروعة .
الادارة الاميركية أتخمت ايام الازمة ببيانات ترفع وتيرتها وتنخفض حسب الظروف، امور غريبة تحدث في العلاقة مع أرض الكنانة: هل يصدق أحد أن يطلب رئيس أميركا الكبير بدوره وبدولته وبطاقاته بمطلب يرفضه رئيس منهار فقد شرعيته الشعبية وهو يعتمد في كل شيء على دعمه ومساعدته؟ أمر آخر هو وقوف الجيش على الحياد فأي جيش في العالم  يقبل أن يبقى متفرجاً على احراق وطنه ويقتل العديد من شبابه ويروع شعبه ويساء الى سمعة بلده في العالم؟
الجيش عادة يحمي النظام في الداخل والحدود في الخارج فإذا كان صحيحا أن الجيش يتفهم ويتعاطف مع مطالب الشعب فلماذا لا يأخذ موقفا جديا من أولئك المتمسكين بالنظام والمتمسكين برأسه الذين يرفضون تلبية هذه المطالب؟
موقف محايد مريب يتخذه الجيش في هذا الحياد المزعوم ويندرج في نطاق خطة متكاملة تظهر فيها أصابع المخابرات التي أصبحت اليوم في نيابة رئاسة النظام. فهل ينتظر الجيش أن يظهر منه من يتقدم الصفوف ليكون البديل ويتبوأ القيادة. هذا الأمر يفرض تشخيص الابصار نحو الاتصالات المصرية الاميركية مع القيادات الاميركية العسكرية الاجارية اليوم.
السؤال: هو هل أصبحت أرض الكنانة اليوم تشبه لعبة الكلمات المتقاطعة؟ الشعب يطالب بحقوقه ويشمر عن سواعده ليفرض استعادتها ويقف الى جانبه العالم في الشرق والغرب. والحُكم يرفض التنازل ويشمر أيضا عن سواعده للحفاظ على وجوده ونفوذه وسياسته، ويطلق ميليشياته المجرمة ويهدد بتقاتل طويل شرس وطويل الامد بين أبناء الشعب الواحد. وجيش محايد يتفرج ولا يُقدم على أي موقف من شأنه حماية شعبه.
هكذا تسير الخطة وفق ما هو مرسوم في واشنطن ولا تتوقف حتى تحقيق أهدافها وفي المقدمة منها ترتيب البيت المصري على قاعدة حماية سياستها (سياسة اسرائيل) ونفوذها ومصالحها وهي مستعدة للذهاب الى ابعد مدى في تبني المطالب الاصلاحية الديمقراطية وللموافقة على دور في الفترة المقبلة لقوى متطرفة كجماعة الاخوان المسلمين اذا الاخيرة وافقت على عملية سلمية وديمقراطية. ولكن سرعان ما اعلنت هذه الاخيرة رفضها لكل المغريات التي يمكن أن تقدمها الخطة الاميركية.
عناد الرئيس لا ينفع وزجاجات المولوتوف الحارقة لن تنفعه أيضا. الجياد والجمال والحمير وراكبيها لن ينفعوه . الجيش مطالب بمغادرة وضعية الحياد وانقاذ البلد من نيرون العصر الذي يقبع في قصره يتفرج بسرور على الحرائق تلتهم بلده . شرط الادارة الاميركية هو أن تؤدي أي حكومة في مصر دورا بناءا في عملية السلام وان تقر بأهمية اقامة علاقة سلمية مع اسرائيل. ولكن الشعب يرفض ذلك ليعطي لحركته المنتفضة معناها الحقيقي ويقف بالمرصاد لكل ذلك. ان الخداع من أجل احتواء الانتفاضة واضح في تعابير المسؤولين في النظام ويظهر في تسيير مظاهرات تأييد للرئيس تجمع المتضررين من قلب الحكم من رجال أعمال ومرتزقة وبلطجية ومن سجناء فارين ومن بعض الاناس الخائفين وفي ألاعيب أجهزة المخابرات في محاولة لوأد الانتفاضة ومهما حاولت الدعايات المغرضة والاشاعات المسيئة لتلك الانتفاضة التي تنطلق قبل كل شيء من قلب تاريخ مصر العريقة المحروسة وهي تعبر عن  الذين يطالبون بالحرية والعيش الكريم .
في يوم 25 يناير عام 1952 احترقت القاهرة ومن ولهيبها ودخانها خرج جمال عبد الناصر بثورة عظيمة  فهل يجود التاريخ  بعبد الناصر آخر. 
عن رابطة العروبة والتقدم

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro