English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

خطورة عامل الزمن
القسم : شؤون عربية

| |
عبيدلي العبيدلي 2011-02-06 08:41:14


شابت مسحة من التشاؤم الممزوجة بشيء من الإحباط الكثيرين ممن كانوا يتابعون الأحداث في «ميدان التحرير»، نظرا لعدم رحيل مبارك، ولوصول الأمور إلى ما يشبه الركود.
مثل هذه الأعراض طبيعية ومتوقعة عندما تسيطر على حسابات النصر والخسائر، نسبة عالية من «التجريد»، وحين تتسع المساحات الرمادية التي يصعب التمييز فيها بين الأسود والأبيض. كما أن مثل هذه الحالات لابد وأن تسود أيضا الثورات عندما تصل عند منعطفات التغييرات التاريخية الحادة مثل التي مصر على أبوابها، وفي التجمعات البشرية الكبيرة، التي تنتمي مصر إليها، وفي الكيانات السياسية ذات التأثير العميق في محيطها الجغرافي، والتي، أيضا، تشكل مصر نموذجا حيا لها.
في البدء لابد لنا من أن نتفق على أنه، بغض النظر عما سوف تؤول إليه الأمور في مصر والدول العربية الأخرى المحيطة بها، فقد حققت ثورة يناير/ كانون الثاني المصرية، وبحسابات الربح والخسارة الملموسة، الكثير من المكاسب التي لا ينبغي التقليل من أهميتها، والتي يمكن رصد أهمها في النقاط التالية:
1. كائنا من سيأتي لخلافة مبارك، بل حتى، لا قدر الله، لو استمر مبارك في الحكم، فلابد لأي منهم أن يجري تغييرات جوهرية تمس صلب النظام السياسي المصري القائم اليوم.
لن يستطيع مبارك، أو من سيخلفه من الطاقم المحيط به، أن يقفز فوق مطالب ثورة 25 يناير، فيتجاهل مواد مثل المادتين 76 و77 في الدستور المصري، وليس في وسعه أن يسمح لزمرة صغيرة التصقت بشكل طفيلي بالنظام من خلال الإدارات الرسمية في الدولة، أو عن طريق الانتساب للحزب الحاكم، أن تعيث فسادا في الاقتصاد المصري. سيضطر من سيتسلم مقاليد الحكم أن يحسب ألف حساب ليوم حساب مثل الذي واجهه مبارك في 25 يناير.
2. أعلنت ثورة 25 يناير على الملأ، ونجحت في انتزاع اعتراف العالم، بانتهاء حقبة تاريخية طويلة حكمت نسبة عالية من الأنظمة العربية القائمة. وهذه ليست مهمة سهلة كما قد يتوهمها البعض، وعلى وجه الخصوص الأجيال الشابة التي لم تعش مراحل نضالات السبعينيات والثمانينيات، حيث «سرقت» من أطلقت على نفسها صفة «الأنظمة التقدمية»، المدعومة بحلفاء دوليين، حق المعارضة ومطالب التغيير من أيدي القوى الثورية التي كانت تسعى لذلك، وحولت الأحزاب السياسية المعارضة لها، في أعين قوى الثورة العالمية، إلى «عصابات عميلة»، و»شلل مغامرة» مشكوك في وطنيتها. وفرضت تلك الأنظمة، التي عزز بعضها، مثل العراق وليبيا والجزائر، تحالفاته السياسية بقدرات مالية ضخمة زودته بها ثرواته النفطية، بعد أن استفاد من الطفرة النفطية الأولى التي عرفتها المنطقة في السبعينيات من القرن الماضي.
3. أسقطت ثورة 25 يناير المصرية مفاهيم تنظيمية وسياسية وفكرية، ظلت تعشعش في أذهان القيادات السياسية العربية، التي كانت - تلك القيادات - بحاجة إلى «بولدوزر» ثوري قادر على كنسها من أذهان المنخرطين في العمل السياسي، الذين تكلس تفكيرهم السياسي والتنظيمي عند مجوعة من المفاهيم التنظيمية، والمقولات السياسية، والأنماط الفكرية، غير القادرة على التخلص من التشرنق الفكري الذي كان يخنقها، من دون وعي منها. فعلى المستوى التنظيمي هشم شباب «ميدان التحرير» تماثيل القوالب الفئوية المقيدة للعمل السياسي الجماهيري البعيد عن الولاء الحزبي الضيق، وعلى الصعيد السياسي، وأدت تلك الثورة المباغتة للجميع، مقاييس التحالفات الكهنوتية التي تضع حق اتخاذ القرارات المصيرية لثورات الشعوب في أيدي نخب صغيرة تتبوأ المقاعد القيادية في الأحزاب النشطة، وعلى المستوى الفكري النظري، تحررت الثورة المصرية، من كل طقوس الخضوع للمقولات الايديولوجية التي تدعو لها هذه النظرية أو تحظرها تلك.
كل هذه الإنجازات والمكاسب، لا تمنع المواطن العربي، أن يضع يده على قلبه، خوفا على مصير ثورة 25 يناير، خشية منه على إجهاضها أو إشاعة اليأس في نفوس من قاموا بها. يرى المواطن العربي، وهو يتابع تطور الأحداث وخط سيرها أن نظام مبارك يراهن، اليوم أكثر من أي وقت مضى، منذ اندلاع الثورة، على عنصر مهم وهو الزمن، إذ إن الزمن يعمل لصالحه وضد الثورة. وهنا تكمن خطورة هذا العامل، إذ يزود عامل الزمن النظام المصري بما يحتاجه من وقت كي يعيد ترتيب أوراقه، ومن بينها أوراق تحالفاته، التي لم تمهله الثورة القيام بها نظرا لعنصر المباغتة التي تمتعت بها وساعدتها على إرباك خطوات النظام في الأيام الأولى من الثورة. وكما يبدو، وبفضل الخبرة المتراكمة بين يدي النظام، فقد شرع مبارك في الإقدام على بعض الخطوات، والقيام بنسج نمط مختلف من التحالفات الجديدة التي يحاول من خلالها تحقيق شيء من الوسطية التي تمزج بين عدم إثارة مشاعر الجماهير أو مواصلة استفزازها من جانب، وتقلص من نسبة خسائره، آخذا بعين الاعتبار الظروف المستجدة، من جانب آخر. ولو قرأنا بعناية خطاب مبارك ومقابلاته الإعلامية منذ اندلاع الثورة، وربطناها بالإجراءات التي أقدم عليها، فسنجد في ثناياها مراهناته على عامل الوقت الذي نلفت إليه.
فبعد إصراره على البقاء في الحكم، وجدناه يعلن عدم ترشيح نفسه لولاية جديدة، ثم أتبعها بنيته عدم توريث أي من «ذريته»، كي لا تخلفه في السلطة. سوية مع ذلك بادر إلى تعيين نائب له، وهو أمر دأب على رفضه لما يزيد على ثلاثة عقود من الزمان، ثم أتبع ذلك بتغيير وزاري طفيف لكن فيه شيء من التنازل تجاه المؤسسة العسكرية، الذي لم يكف مبارك عن مغازلتها، ودأب على محاولة ضمان عدم انحيازها لأي من القوى الخارجة عن صفوفه.
مقابل ذلك، وفي سياق التحذير من عامل الوقت الذي يراهن عليه النظام، ينبغي مراعاة الواقع المصري الخاص، حيث يئن المواطن تحت أعباء العوز، ومن ثم فإن قدرة صموده وتضحياته تتناسب عكسيا والفترة الزمنية التي في وسعه الاستمرار في التظاهر خلالها. هذا لا يطعن في استعداد المواطن المصري للتضحية، وهو سلوك أكدته ثورة 25 يناير، لكن الموضوعية تدعونا أن نأخذ كل العوامل الفاعلة في مجريات الصراع، بعين الاعتبار.
وإلى جانب مبارك، فإن عامل الوقت يفسح المجال أمام تدخل المؤسسة العسكرية، وقطف ثمار الثورة، وهو أمر بدأت تلوح معالمه في الأفق. لكن، وكما قلنا في البداية، كائنا من كان المستفيد من الثورة، لن يستطيع أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ولا أن يمحو من التاريخ أن شباب «ميدان التحرير»، قد كتبوا فصلهم الخاص بهم في تاريخ تطوير الدولة المصرية أولا، والأمة العربية ثانيا
 
الوسط - 6 فبراير 2011

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro