English

 الكاتب:

د. أحمد عبدالملك

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

قراءة في ثورة يناير 2011
القسم : شؤون عربية

| |
د. أحمد عبدالملك 2011-02-01 22:22:03


لقد طفح الكيل بالشعب المصري ، الذي  عرف بصبره واستنفاذه كل الوسائل من أجل الحصول على أبسط حقوقه ، ولعلها حق العمل وحق المشاركة في القرار السياسي وحق المشاركة في الثروة وحق إبداء الرأي .  وجاءت ثورته الجديدة على يد شباب – لم يظهر منهم رائحة أية أيدولوجية – فار الدم في عروقه ، وعاش ثلاثين  عاماً متكئاً على وعود متكررة بتحسين الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، ولكن دون جدوى !  وللأسف ، لم تساهم الحكومات المتكررة في عهد السادات ولا في عهد مبارك بتوفير أدنى فرص العيش الكريم للشعب المصري العظيم اللهم للمستفيدين من النظام أو الحاشية التي تحيط بالحاكم .  كما لم تتحقق المشاركة السياسية بصورتها الأنصع بإشراك الأحزاب في الحكم ، وسيطرة الحزب الحاكم لثلاثين عاماً على مقاليد الأمور ، كما لم تساهم الهبات الأمريكية في دعم الاقتصاد المصري ، ولا في توفير السكن اللائق للمواطنين .  كما لم تنجح الحكومة في جذب الاستثمارات التنموية التي يستفيد منها المواطن العادي ، اللهم ( القطط السمان) الذين يكبرون مع اللحظة . ورغم توفر هامش كبير من حرية الإعلام في مصر – وهي الرائدة في تعليم الإعلام – إلا أن هذا الإعلام مارس ممارسات الإعلام التنموي المملوك للدولة ، وضل عن سواء السبيل . والشواهد هذه الأيام كبيرة وواضحة – خصوصاً في القنوات الفضائية الرسمية – حيث نلاحظ التناقض بين ما تبثه قناة الجزيرة وال(BBC) والسكاي ، وبين ما تبثه القنوات المصرية الرسمية ، ذلك أن الصورة لا يمكن نكرانها ، وواقع الحال فعلاً ينم عن ثورة عارمة في مصر ، إلا أن القنوات المصرية الرسمية تصر على تسمية ما يدور بأنه شغب غوغاء ؛ أو مثيري الشغب الذين تحركهم أياد من الخارج !؟ وهذه عبارات ما كنا نتمنى أن  تصدر من  الإعلام المصري .   ذلك أن السموات المفتوحة باتت توفر الفرصة للمواطنين سماع الحقيقة عبر أية وسيلة !  ثم جاءت الإجراءات الرسمية بمحاربة الرأي  الآخر بوقف الإنترنت والهواتف النقالة ، ثم إغلاق مكتب الجزيرة ووقف بثها وملاحقة صحافييها المصريين ، كل ذلك أعطى الفرصة للإعلام الخارجي أن يبحث أكثر عن الأحداث ، وأن يتفنن في كشف ما تحاول أجهزة الإعلام الرسمية  في مصر ستره .
كان الشارع المصري قد وصل إلى درجة اللارجعة ، وجاء خطاب الرئيس مبارك ليخيب آماله ، فكما قال محمد البرادعي – الذي وضع قيد الإقامة الجبرية حال وصوله القاهرة للمشاركة في الثورة – يجب أن يرحل مبارك ! . كما جاء تعيين نائب للرئيس (  عمر سليمان) و رئيس الوزراء (الطنطاوي) من المؤسسة العسكرية ليزيد من خيبة المصريين ، ويجعلهم أكثر إصراراً على الظهور في الشوارع حتى بعد إعلان الحكومة الجديدة .
 وحسب مصادر طبية وقت كتابة هذا  المقال فإنه قد سقط أكثر من 200 قتيل واستقبلت المستشفيات أكثر من 5000آلاف جريح ! ونزل الجيش إلى الشارع وتم إحراق بعض  الآليات العسكرية ومقر الحزب الحاكم .  لكن الإعلام الرسمي أيضاً حاول العبث في توجهات الثورة عندما أصرّ على اتهام المتظاهرين بأنهم هاجموا المتحف المصري ! بينما قالت مصادر إن أمنيين بلباس مدني هم الذين اقتحموا المتحف ، في الوقت الذي شكل المتظاهرون حزاماً بشرياً لوقف دخول المتسللين إلى المتحف كونه يمثل تراثاً إنسانياً عالمياً وليس مصرياً فحسب .  كما تنوعت استخدامات الفضائيات  المصرية للألفاظ ، فقناة المحور مثلاً سمت المتظاهرين " مثيري الشغب" وقالت إن القوات المسلحة قبضت عن 450 منهم ، في الوقت الذي أكدت القناة بوجود انفلات أمني وهروب الشرطة واستحواذ الناس على الأسلحة !؟
 وكعادة الدول الكبرى في هكذا ثورة ، فلقد اكتفت الولايات المتحدة ببيانات فضفاضة تسمح لها بالتراجع عنها ! أو بيانات توفيقية دون أن تركز على واقع الحدث . حيث حثت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون الحكومة المصرية على عدم استخدام العنف وفتح وسائل الاتصال وإجراء إصلاحات . ودعت إلى احترام حق المواطنين في التجمع . وقالت إن واشنطن تبذل ما في وسعها للتوصل إلى حل للمشاكل بطريقة سلمية . ودعت المستشارة الألمانية ( أنجيلا ميركيل) الرئيس حسني مبارك وحكومته إلى السماح بقيام المظاهرات . وأعربت عن القلق مما يجري في مصر، ودعت الحكومة المصرية بالسماح للمظاهرات السلمية في إطار حرية التعبير عن الرأي .  وقد انتقدت مفوضية حقوق الإنسان في الأمم المتحدة ما يجري في مصر ودعت لرفع قانون الطوارئ وإطلاق سراح المعتقلين .وقال مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ( نافي بيلاي) : قمع أصوات المواطنين وإسكات المعارضة وخنق الانتقادات لن يؤدي إلى انتهاء المشاكل . ورأت أن الأحداث التي وقعت تبرز أهمية معالجة الأمور ، ليس  بالإجراءات الأمنية الصارمة التي تفجر الأمور على نطاق واسع .
 والدول الأخرى ما زالت تنتظر نتائج الثورة بعد تشكيل الحكومة الجديدة ! ولم تتخذ مواقف واضحة تجاه ما يجري .
 المهم في قضية ثورتين خلال أقل من شهر واحد في الوطن العربي يركز الانطباع بضرورة الحاجة إلى الممارسة المدنية وبسط قواعد المجتمع المدني ، ورفض الحكم الشمولي الذي يلغي شرعية المواطن وسمو المواطنة ، ويجعل من الحاكم " إلها" بغير حق .  كما أن هاتين الثورتين تعطينا أيضاً الانطباع بأن صبر الشعوب على الضيم ، والممارسات الخاطئة للحكومات التوتاليتارية يمكن أن يطول لكنه لا يلبث أن ينفجر !؟ بل وأن غياب الشفافية بين الحاكم والشعب من أهم وأقوى أسباب الثورات والانفجارت الشعبية .  كنت أقول لمحدثي : إنك لا تستطيع البقاء في إدارة إذا كان مدير الإدارة أو الوكيل لا يريدك أو لا يستسيغ أفكارك ! فما بالكم ببقاء حاكم على صدر شعبه ثلاثين عاماً هو لا يريده .  بل إن النخب المثقفة تصرّ على رحيله !
 إن ثورتي تونس ومصر رسالة هامة لكل الحكام العرب الذين تمنعهم أسوار القصور من مشاهدة المواطنين وتلمس احتياجاتهم !؟ وضرورة أن يقلب هؤلاء الحكام الطاولة على حاشيات الفساد ومزوري الحقائق ، والمستفيدين من بقائهم ودعمهم لأنظمة شمولية أو عسكرية تهدر أموال الشعب في إقامة السجون وتحصين العسكر بدلا من إنفاقها على إنشاء جامعات راقية ومستشفيات تخدم المواطنين . كما تعين الرسالة على فهم مزاج الشعوب عندما يزداد الظلم ويتزامن مع الفقر والإقصاء وقمع الحريات . 
 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro