English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

التسونامي التونسي يصل إلى الشواطئ العربية (1 - 2)
القسم : شؤون عربية

| |
عبيدلي العبيدلي 2011-01-29 08:24:56


سبقتني الزميلة مريم الشروقي في إطلاق صفة «التسونامي» على الانتفاضة التونسية، تشبيهاً بتداعياتها العربية لما جرى في العواصم العربية الأخرى، وعلى وجه الخصوص القاهرة، التي مايزال الوقت مبكراً للتكهن بما سوف تؤول له الأمور خلال الفترة القصيرة القادمة. لكني رأيت إعادة استخدام الصفة ذاتها للمقاربة بين التأثيرات الطبيعية المدمرة التي يتركها التسونامي وراءه، والتغييرات الاجتماعية والسياسية العميقة التي ينبغي لنا توقعها بعد أن يضرب «التسونامي التونسي» تونس والعواصم العربية الأخرى. وأصل مصطلح تسونامي ياباني، حيث تعني (تسو) في اليابانية (مرفأ) في العربية، و(نامي) باليابانية (موجة) في العربية. وكما تُجمع المصادر، فقد «اشتق هذا المصطلح من مظهر التسونامي حيث يظهر كموجة مد عالية. وتتشابه التسونامي وموجات المد في فيضان تحركات مائية نحو اليابسة ولكن في حالة التسونامي تكون هذه الفيضانات أعلى وتستمر لوقت أطول، ما يوحي بدرجة عالية من المد والجزر. ومن أهم خصائص التسونامي، كما تصفه المصادر العلمية، أنه «لا يمكن منع أو التنبؤ به على وجه الدقة حتى ولو كانت مؤشرات الزلزال تشير إلى المكان بشكل صحيح». والتسونامي في حقيقته هو، كما تحدد معالمه تلك المصادر، «موجة ضخمة محيطية تحتوي على سلسلة من الأمواج وقدراً هائلاً من المياه تسببها الزلازل والبراكين وغيرها، وتنشأ الموجة المدية عندما يحدث انزلاق عمودي في قاع البحر من شأنه ضعضعة السطح الأفقي لقاع البحر فتنشأ على سطح البحر الموجة المديّة، وشأنها شأن أي موجة تتجه الموجة المدية إلى الشواطئ ويعتمد على حجم الانزلاق الأرضي في قاع البحر، تتحدد كمية وحجم الموجة المدية ومقدار الخراب الذي تخلفه».
ولو حولنا لوحة التسونامي الطبيعي إلى صورة ناطقة تشرح الانتفاضات السياسية التي تعم اليوم الكثير من العواصم العربية، فسوف نكتشف أن في مستوى التحولات التي يمكن يحدثها التغيير السياسي المحتمل الذي تواجهه العديد من تلك العواصم، الكثير من أوجه التشابه مع المتغيرات الطبيعية التي يتركها وراءه التسونامي البحري. لكن ما يميز بين الإثنين، أن تأثيرات الأول، أي السياسي الذي نتحدث عنه، بنَّاءة، في حين مخلفات الثاني الطبيعي مدمرة. ومثلما يصعب تحديد مكان انطلاق التسونامي، كذلك عجز الكثير من المحللين السياسيين عن رؤية النقطة التي سيبدأ منها التغير المحتمل، والتي كانت تونس، بدلاً من أية عاصمة عربية أخرى، بعيدة، كل البعد، عن احتمال أن يبدأ التسونامي من شواطئها.
لكن، وعلى الرغم من أن التسونامي السياسي التونسي، مايزال في مراحله الأولى، لكنه ولد مجموعة من الحقائق الراسخة على مساحة واسعة من خارطة التطور التاريخي للمجتمع العربي، يصعب نكرانها ويستحيل التراجع عنها، ويمكن تلخيص أهمها في المحاور التالية:
1. تهالك الأنظمة العربية القائمة، دونما أي استثناء، فقد كشفت تطورات الأوضاع الأخيرة في العديد من العواصم العربية، مدى العجز الذي تعاني منه تلك الحكومات العربية التي فشلت، وهو سلوك طبيعي يعكس عمق ذلك العجز، في ستر عوراتها أولاً، وافتقدت إلى فن إدارة التعامل مع أزماتها ثانياً، وجردت نفسها من حنكة التصدي للانفجارات التي عمت شوارع مدنها ثالثاً. باختصار أثبت «التسونامي التونسي»، في تداعياته العربية حقيقة «السقوط التاريخي للحكومات العربية»، التي لم تجد أمامها، ولم تكن تتقن، سوى العنف كلغة لمخاطبة الجموع التي خرجت محتجة على الفساد، ورافضة للقمع، وباحثة عن لقمة العيش.
2. تخلف المعارضة العربية عن حركة جماهيرها، فلم يستطع أي من الأحزاب العربية من إسلامييها، وليبرالييها، وقومييها... إلخ أن يمتلك روح المبادرة كي يركبوا، حتى بشكل انتهازي كما عودنا البعض منها، موجاتها، ويجيّروها لمصالحهم الحزبية الضيقة، حتى وإن أدى الأمر إلى إفراغها من محتواها الوطني، وسحب البساط من تحت أقدام قياداتها الحقيقية، لصالح هذا الحزب أو ذاك التيار. تماماً كما عرى «التسونامي التونسي» الأجهزة الحاكمة العربية، فضح أيضاً، وبالقدر ذاته، القيادات السياسية المعارضة، فكلاهما وقف خارج تاريخ ذلك «التسونامي الشعبي»، الذي طالب الفئتين: الحكم والمعارضة، بأفكار غير قادرين على استيعابها، وأدوات لا يملكون مهارات استخدامها، وخطط تنموية ليست لديهم الذهنية الانفتاحية القادرة على رسمها، وبرامج تطويرية متقدمة ليسوا مؤهلين للانخراط فيها.
3. تداعي النظام العربي برمته، بمعنى لم يعد النظام العربي على النحو الذي هو قائم عليه من مؤسسات تعليمية، وهياكل اقتصادية، وتنظيمات سياسية، وخلفيات فكرية، ومقومات حضارية، قادر على الصمود في وجه متغيرات العصر، الذي بات يطالب المجتمعات العالمية، ومن بينها العربية، بامتلاك النظرة البعيدة المدى القادرة: على قراءة التاريخ كي لا تقف ضد حركته التغييرية، وامتلاك المهارات المتفوقة التي بحوزتها ملكة تحريك أدوات التغيير بما يتماشى وقوانين حركة التحولات الجديدة، كي تتحاشى اعتراض طريقها أو الاصطدام بعواملها. هذا السقوط التاريخي غير القابل للتراجع، بات حقيقة راسخة على الأرض، لن ينتشله منه مجموعة من الإصلاحات التجميلية هنا، أو التغييرات الشكلية هناك. لذا فلن يكون التغيير المطلوب القيام به، كما قد تتوهم القوى التي في قمة العمل السياسي، محصوراً في رموز النظام العربي القائم، بل في طريقة إدارة الحراك المجتمعي، والذين يتولون تلك الإدارة، معارضة كانوا هؤلاء أم أهل حكم.
4. سقوط ورقة الاعتماد على الدعم الخارجي، الذي أثبت أنه أول المتراجعين عن التزامات الإسعاف والحماية عندما يفقد المحميون قدرتهم الذاتية على الدفاع عن دوائرهم. لقد ولت تلك العصور التي تتدخل القوات الخارجية كي تحمي الأنظمة القائمة، أو عندما تدعم القوى العظمى أحزابها المعارضة كي ترفع من رصيدها السياسي فتشركها في الحكم. لقد باتت ساحات الصراع المحلية، تخضع وإلى حد بعيد لموازين القوى الخاصة بها، فهي التي تدير الصراع، وهي الوحيدة التي تحصد ثماره. وليس هناك فئة خاسرة أكثر من تلك التي لا تستطيع إدراك أن الحيز الذي باتت تشغله القوى الخارجية في الصراعات المحلية هو آخذ في الانكماش، ومن الخطأ الاعتماد عليه، أو الرهان على دوره، في توفير الحماية لها، أو قلب موازين القوى لصالحها.
 
الوسط - 29 يناير 2011

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro