English

 الكاتب:

من العربية

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

ملاحظات وتساؤلات حول الثورة الشعبية التونسية
القسم : شؤون عربية

| |
من العربية 2011-01-28 10:33:14


بقلم د. أشرف البيومي:
حلو لمثقفى «النخبة» أن يصموا الشعوب العربية بأنها سلبية محبطة وأحيانا ميتة خصوصا عندما لا تتفاعل إيجابيا مع شعاراتها أو قياداتها. قلنا كثيرا، ونؤكد مرة أخرى أن الشعوب العربية لم تمت، وأنها تثور عندما تتوافر فيه عوامل محددة تمكنها من التمرد على قوى الاستبداد الباطشة. فها هو الشعب التونسى يثور على نظام عميل فاسد يستمد شرعيته من القهر البوليسى، ومن الدعم الإمبريالى الصهيونى.
أهنئ الشعب التونسى العربى لصموده الطويل، ثم انقضاضه على السلطة التابعة الفاسدة والمستبدة، ولكن يجب ألا نخدع أنفسنا، فالانتصار فى المعركة الأولى لا يعنى بأى الأحوال كسب الحرب فالمعارك القادمة أكثر صعوبة وخطورة، فتاريخنا المعاصر فيه العديد من الأمثلة على تحركات شعبية أزالت رموز أنظمة مستبدة، ثم جرى احتواؤها من قبل النظام نفسه، الذى أعاد إنتاج نفسه بوجوه جديدة. فى هذه الظروف وفى ظل التطورات المتلاحقة أقدم الملاحظات السريعة والتحذيرات التالية للشعب العربى فى كل مكان:
■ إقصاء رأس النظام لا يعنى بأى حال من الأحوال تغييراً للنظام، كما أن أى إيحاء بأن الثورة الشعبية قد انتصرت واكتملت مهامها هو تبسيط معيب أو خداع كبير. إن الثورة الشعبية بتونس تمر الآن بمرحلة حرجة وخطيرة، فعناصر السلطة التى شاركت الديكتاتور السابق جرائمه لسنوات طويلة فى الفساد والاستبداد وانتقاص الإرادة الوطنية ما زالت فى الواجهة. فها هو الوزير الأول للديكتاتور لسنوات طويلة هو الذى يقرر الأمور بما فى ذلك من يدعوه للحوار ومن يقصيه، وها هو الحزب الحاكم الفاشى يحتفظ بالوزارات السيادية. هذه الحكومة التى سمت نفسها حكومة وحدة وطنية هى فى الواقع امتداد للنظام السابق، وهدفها الحقيقى حماية الطبقة الحاكمة وتأمين مصالح الغرب، ولذا أصبح إسقاطها شرطاً أساسياً لنجاح الثورة. إن «المعارضة» الرسمية التى تشارك فى الحكم هامشيا لا يمكن أن تكون معارضة حقيقية، ولا يمكن وصفها إلا بالانتهازية، وهى لا تختلف نوعيا عن المعارضة الرسمية فى مصر. كما أنه لم يتضح بعد مدى الانحياز الفعلى من قبل الجيش للقوى الشعبية. إن التقليل من قدرة النظام على المناورة، وإعادة إنتاج نفسه واحتواء الحراك الشعبى تمهيدا لضربه هى جريمة لا تغتفر.
■ إن جريمة النظام التونسى ليست فقط لاستبداده بالشعب وممارسة التعذيب والقتل ضده، وليست فقط لإفقاره وتجويعه، ولكن أساسا لإهدار كرامته ولتبعيته للإمبريالية والصهيونية، التى ساندته كعميل مخلص لها، ولنتذكر أن بعض وسائل القمع كالغازات المسيلة للدموع، التى استخدمت ضد الشعب التونسى كما شاهدنا فى وسائل الإعلام هى مستوردة من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.
■ إن مقولة أن الشعب لا يهمه إلا قوته وغذاؤه هى مقولة تنم عن احتقار الشعب، وعدم احترامه، كما أنها لا تعبر عن واقع الأمر فالمواطن البسيط الذى يسعى لتأمين قوته تهمه أيضا وبدرجة كبيرة حريته وكرامته وفوق كل اعتبار كرامة الوطن.
■ إن الإسراع فى إجراء انتخابات قبل ممارسة الحريات السياسية لفترة انتقالية، وتغيير الدستور بعد سنوات من الديكتاتورية والقهر البوليسى لا يخدم إلا القوى التى سمح لها النظام السابق بالتواجد سواء الحزب الحاكم أو أحزاب المعارضة الرسمية. إجراء انتخابات قبل ممارسة الحريات السياسية بفترة معقولة هو فى الواقع وسيلة لإعادة إنتاج النظام السياسى، والالتفاف حول الحركة الشعبية التى قدمت التضحيات.
■ عدم الالتزام الصارم بتحرير الإرادة السياسية من الهيمنة الإمبريالية والصهيونية وأدواتها من مثقفين وصحافة تابعة وتمويل لمنظمات سميت مدنية، ومن أجهزة مخابراتية سيؤدى حتما لإهدار أى إنجازات وطنية. من هذا المنطلق نؤكد دائما الربط العضوى بين مطلب الاستقلال الوطنى ومطالب الحريات السياسية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. إن عزل النضال من أجل تحرير الإرادة السياسية من الهيمنة الأجنبية، عن المطالب الأخرى بدعوى وحدة القوى السياسية هو السقوط فى فخ المخططات الإمبريالية التى تسوق منهج التجزؤ والاختزال، ولابد من إدانته بوضوح. إن حرية الوطن واستقلاله لا يمكن فصلها عن حرية المواطن، فلا حرية لمواطن فى وطن غير حر.
■ إن الاستقواء بالقوى الإمبريالية علناً أو سراً من قبل حكومات عربية هو الخيانة الوطنية نفسها، كما أن استقواء بعض فصائل «المعارضة» بقوى الهيمنة الأجنبية بحجة تحقيق ديمقراطية أو إزاحة نظام فاسد مستبد تابع أو لدرء الظلم والاضطهاد عن فصيل من المجتمع، هو أيضاً خيانة وطنية. إن الطريق الصائب الوحيد هو الاعتماد على القوى الوطنية وحدها.
■ إن التهنئة الرقيقة من قبل الإدارة الأمريكية أو رفض الحكومة الفرنسية استضافة الرئيس المخلوع، أو التعبير عن احترام الإرادة الشعبية التونسية من قبل حكومات عربية ترتعد فرائصها لا تخفى نفاق هذه الحكومات، ومواقفها المؤيدة للنظام التونسى السابق المستبد. يجب ألا تخدعنا التمنيات الطيبة من دوائر الحكم الإمبريالى أو من حكومات عربية فهى الآن مشغولة بتدبير المؤامرات ورسم سياسات لاحتواء القوى الشعبية الصاعدة، ثم ضربها وإعادة السيطرة بوجوه جديدة.
■ نتساءل لماذا صمت الإعلام الأمريكى على أحداث تونس الدموية فى حين كان صوته يصم الآذان عندما قامت المظاهرات فى طهران؟ لا بد من التأكيد على أن الإعلام الغربى جزء لا يتجزأ من السلطة، وإلصاق صفة «حر» له هو الوهم والجهل بعينه. إن ديمقراطية القوى الإمبريالية والشركات العملاقة التى تشن الحروب الإجرامية على الشعوب هى ديمقراطية زائفة وكاذبة.
■ اعتماد نظام على القوى الإمبريالية ليس ضمانة لاستمراره. وعلينا أن نتذكر أن قوى الإمبريالية دائما تتخلى عن عملائها أو تتخلص منهم جسديا عندما يصبحون عبئا عليها. إن قوى الاستبداد أيضا تستخدم المنهج نفسه فهى لا تتردد عند اللزوم فى تقديم بعض من أتباعها كباش فداء، لإنقاذ النظام ولتمديد فترة هيمنته.
■ غرور السلطة، أى سلطة، واعتقادها بأن قدرتها على الهيمنة مطلقة ونفى التجارب السابقة فى مجتمعات أخرى واعتمادها الأساسى على أدوات بطشها يكونان من عوامل انهيارها.
■ كثيرا ما تكون السلطة المستبدة وراء التخريب لإلصاق تهمة العنف والمسؤولية على المعارضين لها، فهناك مسجلو خطر فى بعض البلاد وميليشيات حزبية فى بلاد أخرى. ولا ننسى دور المخابرات الغربية(عزل مصدق فى إيران واغتيال لومومبا فى الكونجو على سبيل المثال) ودور الموساد (اغتيال العلماء مثل المشد فى مصر والعالم النووى بإيران والبحبوح ومحاولة اغتيال مشعل مثلا).
■ صفة «المعارضة» ليست ضمانا للانحياز للشعب، فكم من معارضة رسمية كانت داعمة للسلطة فى الواقع، وكم من معارضة انتهازية باحثة عن الزعامة والأضواء عطلت صعود ونمو معارضة حقيقية.
■ يجب التيقظ من خطورة المثقفين الانتهازيين، الذين دعموا السلطة، وارتموا فى أحضانها لفترات طويلة، فهم لا يمكن أن يكونوا قادة لتغيير حقيقى.
المصري اليوم
23 يناير 2011

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro