English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

البطالة والتضخم في مصر (2-2)
القسم : شؤون عربية

| |
عبيدلي العبيدلي 2011-01-24 09:07:51


بعد أن كشفت الأرقام المصرية والعالمية استمرار تفشي البطالة وارتفاع معدلاتها في مصر، نعود اليوم كي نتوقف عند الوحش الاقتصادي الثاني وهو التضخم. ومرة أخرى سنستعين هنا بالأرقام الرسمية المصرية، دون أن نغفل العالمية، كي نثبت أن خطر معدلات التضخم المرتفعة لاتزال تتربص بالاقتصاد المصري، ولن تحد من ارتفاعها ادعاءات إعلامية هنا، أو إغماض عين هناك.
وكي يكون في وسعنا الحكم على ما إذا كانت معدلات التضخم عالية في الاقتصاد المصري أم لا، ينبغي مقارنتها بمعدلات مثيلاتها في أسواق أخرى. ففي الصين، على سبيل المثال، عادة ما تراوحت معدلات التضخم - خلال السنوات العشر الماضية - بين 4.5 في المئة و6.5 في المئة. أما الهند فمن المتوقع ان تصل نسبة التضخم إلى 8.8 في المئة بعد أن كانت 8.3 في المئة. وفي دولة صغيرة مثل تايوان، تراجع معدل التضخم في العام 2009 كي يصل إلى حوالي 1.3 في المئة فقط. إذاً، وباختصار شديد، تتراوح معدلات التضخم في الدول الآسيوية، كما تُرينا تلك الأرقام، وباستثناء الدول الخليجية، نظرا لطبيعة اقتصاداتها المعتمدة أساسا على النفط من جهة، ولارتباط عملاتها بالدولار من جهة ثانية، بين 2 في المئة و9 في المئة. ولم تتجاوز إلا في حالات نادرة ومؤقتة، وبفعل عوامل خارجية محضة، كما حصل إبان الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة، نسبة الـ 10 في المئة.
أما في مصر، ووفقا لأرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري، فقد بلغت «معدلات التضخم في مناطق الحضر المصرية 10.3 في المئة، من 10.2 في المئة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2010، بينما سجلت 10.4 في المئة بالريف». ويشكك رئيس غرفة الصناعات الغذائية طارق توفيق في معدلات التضخم التي تصدرها الهيئة العامة للتعبئة العامة والإحصاء المصرية، «موضحا أن مؤشر قياس التضخم الذي يصدره البنك المركزي المصري أكثر تعبيرا عن التضخم في مصر، لأنه يستبعد في قياسه السلع الغذائية الموسمية، التي تطرأ عليها تغيرات سريعة وتكون عرضة لتغيرات المناخ، مثل الطماطم التي قفزت بمؤشرات التضخم عند ارتفاع سعرها بأكثر من 600 في المئة». ونقلت بعض المصادر الرسمية عن وصول التضخم في نهاية 2010 إلى حوالي 13.1 في المئة. وأرجع رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أبوبكر الجندي، ارتفاع التضخم «إلى زيادة أسعار المواد الغذائية بنحو 22.5 في المئة، مشيراً إلى أن الزيادة في أسعار الخضراوات بلغت 76 في المئة والفاكهة 42.9 في المئة».
هذه المعدلات تعتبر منخفضة مقارنة بمعدلات العام 2008 عندما اعترفت هيئة الاحصاء الحكومية أن «معدل التضخم السنوي في اسعار المستهلكين في مصر وصل في مايو/ أيار من ذلك العام الى 19.7 في المئة، وذلك اعلى معدل للتضخم في مصر في غضون 19 عاما»، لكن دون ان يعني ذلك أن معدلاتها الحالية متدنية، وتحت السيطرة الحكومية، كما يقول وزير التجارة والصناعة المصري، رشيد محمد رشيد.
فقد حذر الخبير الاقتصادي المصري في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أحمد النجار من أن «ارتفاع الأسعار... خلال السنوات الأخيرة دق أيضا ناقوس الخطر بالنسبة للحكومة». ويحذر كبير الاقتصاديين لدى بنك الاستثمار المجموعة المالية- هيرميس في القاهرة سايمون كيتشن من أن «ارتفاع التضخم يجعل خفض الدعم أكثر خطورة من الناحية السياسية لكن ارتفاع الأسعار العالمية يجعله ضروريا أكثر من أي وقت مضى من الناحية المالية».
الأرقام المصرية تعترف، أقر بذلك الوزير، أم أصر على الإنكار، بأن معدلات التضخم في مصر، ووفقا لأرقام مصادر موثوقة، تراوحت بين 10 في المئة و13 في المئة. وهي، كما شاهدنا، معدلات مرتفعة مقارنة بدول أخرى.
لا أحد يستطيع أن ينكر أن هناك أزمة عالمية، ذات طبيعة مزدوجة، ومصدرها كما يذهب العديد من الباحثين «اضطراب الأسواق المالية الدولية وارتفاع معدلات التضخم في العالم بصفة خاصة في الدول النامية، التي تخلق مناخا اقتصاديا معقدا يصعب التعامل معه من خلال الأدوات التقليدية لسياسات الاستقرار الاقتصادي. فقد عاد التضخم العولمي مرة أخرى، بعد فترة طويلة عاش فيها العالم في حالة غياب الضغوط التضخمية، بصفة خاصة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وأسعار المعادن وأسعار السلع الغذائية».
لذا فليس من الممكن، وليس من المطلوب أيضا، في عالم اليوم التستر على مشكلات تهدد معظم الاقتصادات العالمية بما فيها تلك السليمة مثل الهند والصين، فما قد تخفيه الحكومات المحلية، تكشفه المؤسسات العالمية، بل ولربما يؤدي الاعتراف والمصارحة إلى إشراك المواطن في حل المشكلة، تهيئته للتعايش معها، بدلا من التمرد عليها، أو الانفجار العفوي ضدها.
بقيت كلمة، نجد ضرورة وصولها إلى آذان، ومن ثم إلى أذهان المسئولين العرب، وهي أن ما حصل في تونس ليس، كما يتوهمون هم أو غيرهم، مجرد تعبير عفوي، وردة فعل مباشرة على ارتفاع في الأسعار، أو غياب للديمقراطية، أو لتفشي الفساد فحسب، إنه خطاب طبيعي متكامل رد به المواطن التونسي على محصلة تلك العوامل الثلاثة مجتمعة، أدت في نهاية المطاف إلى أن يجد نفسه أنه أمام خيار واحد فقط بوسعه ان ينتشله من ذلك الواقع المأساوي الذي أوصلته السلطات هناك إليه، وهي الرفض العنيف، والانتفاضة الشاملة.
لا يدري المواطن العربي، ولا يريد، وليس من حقه، أن يعرف، كيف توصل الوزير إلى ما توصل إليه بقدرته على إبعاد «شبح سيناريوهات شبيهة بما جرى في تونس»، لكن من واجب الجميع أن يلفت نظر الوزير إلى أن الأرقام تخالفه فيما ذهب إليه، وأكثر من ذلك، وإذا ما افترضنا جدلا انه نجح في التحكم في «البطالة والتضخم»، فهناك ما هو أخطر من ذلك، مثل جوع المواطن وفساد الحاكم، وكلاهما لا يقل خطورة عن استبداد أي نظام من البطالة والتضخم، وإخفاء النعامة لرأسها في الرمال، لا يحميها من الأخطار المحدقة بها. وليس ما يجري في تونس سوى «بروفة» قد تكرر نفسها وبسيناريوهات مختلفة، وممثلون آخرون، في دول عربية أخرى. واللبيب من يستفيد من أخطاء غيره، من غير مكابرة ولا ادعاء، سواء كان ذلك في القاهرة أو سواها من العواصم العربية الأخرى.
 
الوسط - 25 يناير 2011

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro