English

 الكاتب:

عبدالهادي خلف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

على قوى المعارضة أن تقفز على دورها الهامشي... ومن الخطورة أن تتحول الاختلافات إلى خلافات
القسم : سياسي

| |
عبدالهادي خلف 2011-01-16 08:39:29


اعتبر أستاذ علم الاجتماع عبدالهادي خلف اختلاف فصائل المعارضة «أمرا طبيعيا» مؤكداً أنها «انعكاس للشعب وأن الشعب ينتمي إلى فئات مختلفة، فنحن لا نستطيع أن نغيِّب هذا الاختلاف أو نتعامى عنه. ما هو أخطر من اختلافاتنا هو عجزنا عن تجاوزها أو على الأقل التقليل منها» وطالب خلف بضرورة أن تسعى قوى المعارضة بمختلف فصائلها إلى توفير القدرات التي تمكنها من أن تقفز على دورها الهامشي، وأن تواجه السلطة وتطرح مشاريع مضادة لمشاريع السلطة ولصالح غالبية الناس. وقال «نحن مدعوون للبحث عن طرق أخرى غير التي استخدمناها في المرحلة السابقة إذا ما أردنا إعادة وضع البلاد على السكة التي تقودنا إلى دستور عقدي، أي دستور ينص على أن السلطة للشعب، ويكرس مفهوم المواطنة الدستورية التي تحميها المؤسسات والتشريعات».
وعن اهتماماته بالتاريخ أوضح أنه «مهتم بالتاريخ بشكل عام وجزء من هذا الاهتمام ناشئ من تربية نشأت عليها، ولكنني لست متخصصاً في التاريخ ولستُ مهووساً به. لابد من معرفة ماذا حدث في الماضي لفهم ما قد يجري في المستقبل».
وتحدث عن الظاهرة الدينية في المجتمع مشيراً إلى أن الدين «هو أمران في الوقت نفسه, هو مؤسسة كما هو مشاعر. في داخل المؤسسة تتنافس المصالح والأهواء لذلك يزداد ميلها نحو الانشقاق والاستبدال والتكاثر، فالمؤسسة تتعدد باختلاف المصالح، وهي أيضا تمثل علاقات بين الناس، والعلاقات لا تكون ثابتة ودائمة، وبالتالي فإنها عرضة للتبدل الدائم».
ورداً على اتهامه بالرومانسية الأكاديمية أوضح أن «الرومانسية ليست بالأمر الخطأ، إنما عدم الواقعية هي الخطأ، وتتمثل عدم الواقعية في أن تشيح ببصرك عن الواقع الظالم، أو أن تستنكر رغبة الناس في تغييره أو إزالته، فهذا الواقع يزداد ضراوة كلما ووجه بالصمت».
وقال إن المعارضة قبلت أن تكون ناقدة للسلطة، ولكنها حصرت نفسها في دور الناقد فحسب، وهذا الدور المحدود لا يزعج السلطة بل نراها تشجع انحصار المعارضة فيه».

 
جاء ذلك في حوار مع «الوسط» هذا نصه:


تبدو متشائماً دائما في حديثك عن واقع حال القوى الوطنية في البحرين؟ ألا ترى أن الخطاب التشاؤمي يكرس حالة من حالات الجمود إذ سيعتقد الجميع بأنهم لا حول ولا قوة لهم؟
- لا أنطلق من خطاب تشاؤمي. على العكس تماما نحن مدعوون جميعاً كقوى سياسية و تشكيلات مجتمع مدني وأفراد إلى أن نتسلح بالتفاؤل والإصرار على تغيير الواقع اعتماداً على فهمٍ عقلاني لهذا الواقع. نعم أشدد على الجوانب السلبية في واقعنا ما قد يدعو البعض إلى اعتبار كلامي تشاؤميّاً أو يسبغ عليه تأويلاً سلبياً. دعني أعطيك مثلاً من التراث الذي تربيْنا عليه، وهو تراث غني بالمرْويات التي ستجد فيها ما يدفع للتشاؤم وستجد فيها أيضاً ما يدفع للتفاؤل. فمثلاً ستجد إن شئتَ فيما نحفظه عن ثورة الإمام الحسين دليلاً على انتصار قوى الشر على قوى الخير، كما أنك إن شئتَ ستجد دليلاً على عكس ذلك التأويل، أي الدعوة للتضحية في سبيل الحق.
الشيء المؤكد أن تراثنا القديم كله تراث يحتمل ازدواج التأويل، فهناك من يستنتج منه أنه «لا فائدة من فعل أي شيء» ونراه يكرر «لا ترم نفسك في التهلكة» وهناك من يصل إلى استنتاج مفاده ضرورة مواجهة الظلم باعتبار ذلك جزءًا من واجبات الإنسان ودليلاً على اعتزازه بنفسه. لا لستُ متشائماً. بالعكس أنا إنسان واقعي جدا، باعتبار أنه عندما ترى الواقع بمساوئه وإيجابياته يمكنك أن تتحرك لتدعيم العناصر الإيجابية في هذا الواقع ومقاومة المظاهر السلبية فيه. فتجاهل سلبيات الواقع تجعل الإنسان ضحية الأوهام الخادعة ليتفاجأ في النهاية بأنه يراوح في مكانه وأن منطلقاته كانت خاطئة.

تحدثت في ندوتك الأخيرة في جمعية «وعد» عن الانقسام الحاصل لدى القوى الوطنية، واعتبرته أحد أبرز العوامل التي ساهمت في استفراد السلطة على رسم المشهد السياسي.. ولكنك ذكرت أن الانقسام في أوساط المعارضة كان موجوداً أيضا في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، أما ما يحصل الآن فهو عدم قدرة المعارضة على تجاوز انقساماتها... ألا ترى أن ظروف الأمس تختلف كلياً عن ظروف العقود الماضية؟
- الانقسام في المعارضة هو صورة لتركيبة مجتمعنا المعقدة، ففيه عائلات وطوائف وقبائل وأهالي مدن وقرى وفيه فئات وشرائح ذات مصالح مختلفة بل ومتضاربة. المعارضة تعكس هذه التركيبة المجتمعية المختلفة، ولهذا كانت المعارضة منقسمة طول حياتها بحكم هذا الواقع، ولكن المحاولات لم تنقطع منذ الخمسينيات لتوحيدها والوصول لخطوط مشتركة ما بين هذه الفصائل والشخصيات التي تنتمي للمعارضة بهذا القدر أو ذاك. ولعلك تتفق معي على أن أعظم مكاسب هيئة الاتحاد الوطني في الخمسينيات هو تأسيسها لهذا الخط التوافقي بين القوى المجتمعية. لقد كانت الفروقات الاجتماعية والثقافية والديمغرافية بين القرية والمدينة فروقات هائلة ًفي حينه. وكان الانقسام بين الطوائف واضحاً ناهيك عن الانقسام بين المتمدنين/الحداثيين والتقليديين. ولا تنسَ أن مستوى التعليم كان بسيطاً، ومع ذلك تمكنت الهيئة من الوصول إلى الحد الأدنى الذي يجمع أغلب الناس. وكان ذلك الحد الأدنى هو الرغبة في «المواطنة» واستحقاقاتها، فهذا هو الإنجاز الأكبر للهيئة. ولقد انعكس هذا الإنجاز في حقيقة أن من بين شخصيات الهيئة وقيادييها هناك أفراد من القرى وآخرين من المدن و بعضهم ينتمي لكبار العائلات، وفيهم من ليس لهم عزوة اجتماعية ولكنهم جميعاً تجمعوا تحت مظلة الهيئة ومن أجل أهدافها. بالطبع لم يكونوا كلهم يحبون بعضهم البعض إلى حد الانصهار، ولكن كان هناك توافق على الحد الأدنى من المطالب. وكانت قرارات الإضرابات التي تدعو لها الهيئة مؤثرة جداً. وكانت هذه الإضرابات التي تشل حركة السوق بالكامل كانت تعبر عن قدرة الهيئة على تعريف الناس – رغم تنوعهم - إلى أنهم ينتمون لمعسكر واحد في مواجهة معسكر السلطة. ولقد تكرر الأمر طوال السنوات التي تلتها، وفي الانتفاضات التالية. ولقد شهدنا في الفترة التي أعقبت الاستقلال في 1971 وفي بداية التجربة الدستورية في 1973، أن الناس كانوا يرفعون شعارات المواطنة والمطالبة باستحقاقاتها رغم الاختلافات بين الشرائح الاجتماعية.
ما يحدث الآن من انقسامات يشبه تماماً ما حدث في الماضي ولا شك أنه سيحدث غداً أيضاً. هذا أمر طبيعي في أي مجتمع. لهذا فإن الاعتراف بوجود الانقسام المجتمعي ضروري. فنحن ننتمي إلى شرائح اجتماعية مختلفة وإلى طوائف مختلفة ولنا مصالح وأهواء مختلفة، فعلينا الاعتراف بهذه الحقائق، أي أن المعارضة هي انعكاس للشعب، وأن الشعب ينتمي إلى فئات مختلفة. لا نستطيع أن نغيِّب هذا الاختلاف أو نتعامى عنه. ما هو أخطر من اختلافاتنا هو عجزنا عن تجاوزها أو على الأقل التقليل منها. علينا ألا ننسى أن هناك ما هو أخطر من تفاصيل اختلافاتنا، ألا وهو أن هناك من يعاملنا على أننا مجرد «رعية» وأن البلاد مزرعة.

 
غداة المشروع الإصلاحي في فبراير/ شباط 2001 قامت تحالفات سياسية أخذت صيغاً متعددة «رباعية» و «سداسية» وغيرها ويحدث بالفعل تنسيق عال بين هذه القوى الوطنية... ولكن ما إن يحل موسم الانتخابات حتى «يتفركش» هذا التحالف... هناك من يقول إن المعارضة اتحدت في الخمسينيات لأنها كانت متفقة على مواجهة نظام الحماية البريطانية ولو كانت هناك انتخابات نيابية ربما كانت سببا لانهيار صيغة توافقية مثل صيغة هيئة الاتحاد؟
- أيام الهيئة (الخمسينات من القرن الماضي) جرت انتخابات بلدية وانتخابات لمجالس الصحة والمعارف. وكانت الحركة الوطنية ممثلة في الهيئة تطرح قوائم موحدة بأسماء أفرادٍ من أعضائها وأنصارها. ولقد صوّت الناس لتلك القوائم. لم يتفرق الناس ولم «تتفركش» الأمور بسبب الالتزام بذلك الحد الأدنى من القضايا والأهداف المشتركة. أما إشارتك إلى أن الهيئة كانت تستهدف مواجهة نظام الحماية البريطانية فيعكس بعض اللبس الذي شاع مؤخراً وخاصة إبان الحملة الانتخابية الأخيرة. فليس صحيحاً القول أن الحراك الوطني الذي قادته هيئة الاتحاد الوطني في الخمسينيات أو الذي ساهمت فيه القوى الوطنية في العقود التالية كان يستهدف نظام الحماية فقط، بل إن الثابت أن حراكنا الوطني بأشكاله المختلفة كان يستهدف تحالف القوى الرجعية مع نظام الحماية. وكان هناك كلام واضح في جميع البيانات الصادرة عن الهيئة والتنظيمات السرية التي ورثتها، فهي لم تكن تتحدث فقط عن الإنجليز، بل كانت تتحدث عن الاستعمار والرجعية باعتبارهما توأميْن متلازميْن.

 
ألا تجد أن الحديث عن الاتفاق على موضوعات مشتركة، كالحريات والمستقبل السكاني لهذا البلد، والمتغيرات المعيشية والاقتصادية وضرورة اكتشاف المشتركات بين القوى الوطنية فيه شيء من الرومانسية الأكاديمية ؟
- من قال إن الرومانسية أمرٌ سلبي؟ لقد انطلق العمل الوطني في البحرين في الخمسينيات من حلم بسيط. ولقد استمر الحلم طوال العقود الماضية. ومازلنا نحلم بدولة دستورية تكفل حقوقنا وتحمينا من كل أنواع الظلم والعسَف. ولسنا وحدنا في هذا. عندما ننظر إلى كل الثورات في التاريخ القديم والحديث نراها تنطلق من أحلام. وفي كل الحالات نرى من يتهم الداعين للثورة والتغيير بأنهم أناس حالمون وغير واقعيين. وفي كل الأحوال نتعجب من كيف يتمكن شعبٌ ضعيفٌ ومكبل بالقيود المادية والمعنوية أن ينتصر على من هو أقوى منه؟ فكما يُقال يبدأ الانتصار بالجرأة على تشكيل الحلم به، ولكن هناك من الناس من يعتبر أن السعي لتحقيق الحلم أي التخلص من القيود ضرب من الجنون.
أقولُ مرة أخرى ليست الرومانسية بالأمر الخطأ، إنما عدم الواقعية هي الخطأ. وتتمثل عدم الواقعية في أن تشيح ببصرك عن الواقع الظالم أو أن تستنكر رغبة الناس في تغييره أو إزالته. فهذا الواقع يزداد ضراوة كلما ووجه بالصمت. ولهذا يُقال إن من يسكت عن الظلم في الواقع فهو يقدم عوناً للظالم من حيث يدرك أو لا يدرك. لذلك فإنني لا أعتبر اتهامي بالرومانسية ـ إذا كان ذلك حقاً - سبة أو انتقاصاًً. فأنا أعتبر الادعاء بعدم جدوى النضال تحت حجة أننا حاولنا ولم ننجح هو انهزامية. نعم نواجه ظروفاً صعبة وعلينا أن نتفاكر جميعاً للبحث عن مخارج مما نحن فيه. أمأ أين هي هذه المخارج وكيف تتغلب على الظروف الصعبة فيأتي بالبحث الدؤوب عن طرق جديدة لمواجهة الطرف الخصم، أي ابتداع طرق جديدة ووسائل أخرى غير التي استخدمناها خلال الفترة السابقة. ولا تنسَ هناك ميزان قوى بين الناس والسلطة، ولابد من تغيير ميزان القوى هذا لكي نتمكن من إحداث إصلاح جدي في تغيير الواقع الذي نعيشه. انظر إلى التسعينيات، فما كان لميثاق العمل الوطني أن يكون لو لم تكن هناك تضحيات جسيمة في عقد التسعينيات أوصلتنا إلى مشارف تغيير في ميزان القوى القائم آنذاك. ويتذكر جميع الناشطين في تلك الفترة أن تحركات سنة 1992 كانت تعد مغامرة غير محسوبة العواقب حسبما قيل. وتكررت العبارات نفسها حين طُرحت العريضة الشعبية في 1994. فلقد اعتبر البعض أن العريضة الشعبية كانت تطرفاً شديداً وخطراً، حتى أن كثيراً من الوثائق الموجودة اليوم تتهم القائمين على هذه العريضة بأنهم مغامرون وأنهم يخدمون أجندات خارجية، وأنا لا أتحدث عن السلطة، بل أتحدث عن أناس ينتمون الآن إلى صفوف المعارضة ويتصدرون التوجهات الناعمة فيها.
المعارضة قبلت أن تكون ناقدة للسلطة، ولكنها حصرت نفسها في دور الناقد فحسب. وهذا الدور المحدود لا يزعج السلطة بل نراها تشجع انحصار المعارضة فيه. يشكل الإسلاميون الآن الجزء الأكبر من جسم المعارضة، إلا إن للإسلاميين الآن أولويات معروفة وتكليفات تجعلهم اليوم غير راغبين أو مستعدين لمواجهة السلطة بأي شكل يعيد البلاد إلى أجواء التسعينيات... نعم هم ينتقدونها بنعومة أحياناً وبشدة أحياناً أخرى ولكنهم لا يرغبون في مواجهتها إلى حد المفاصلة. المطلوب هو غير هذا الدور المحصور في إطار الانتقاد، فحتى ديوان الرقابة ينتقد بعض ممارسات السلطة. المطلوب أن تسعى المعارضة سواء على المستوى اليساري أو الإسلامي أو اللبرالي إلى توفير القدرات التي تمكنها من أن تقفز على دورها الهامشي، وأن تواجه السلطة وتطرح مشاريع مضادة لمشاريع السلطة ولصالح غالبية الناس. قد لا يكون لازماً أن يجتمع اللبراليون والإسلاميون واليساريون كلهم في إطار موحد، إلا أننا في حاجة إلى الاتفاق على حدٍ أدنى يستند إلى ما توافقت عليه الناس حين صوتت على ميثاق العمل الوطني. المعارضة اليوم أصبحت ضحية لخطاب سياسي روجته السلطة أن المواجهة هو تطرف وتصعيد، وأن رفع السقوف السياسية ستعيد البلاد لا محالة إلى أجواء التسعينيات. نحن مدعوون إذن للبحث عن طرق أخرى غير التي استخدمناها في المرحلة السابقة إذا ما أردنا إعادة وضع البلاد على السكة التي تقودنا إلى دستور عقدي، أي دستور ينص على أن السلطة للشعب، ويكرس مفهوم المواطنة الدستورية التي تحميها المؤسسات والتشريعات.

 
انطلاقا من دعوتك إلى الاتفاق على الحد الأدنى بين فصائل المعارضة... هل ساهمت أنت فعلاً في الدعوة إلى هذا الاتفاق من خلال لقاءات ضمتك مع قوى المعارضة بمختلف توجهاتها الدينية واليسارية؟
- نعم، حصلت لقاءات.

 
حدثنا عن هذا الأمر؟
- (يبتسم) حدثت لقاءات مع الجميع. فيما عدا المنبر التقدمي للأسف رغم أنني طلبتُ من أحد قيادييهم دعوتي لإلقاء محاضرة في مقرهم وذلك قبل تحديد موعد ندوتي في جمعية «وعد»، إلا أن ذلك القيادي لم يأخذ طلبي بجدية حتى بعد أن كررته عبر إحدى الشخصيات الوطنية المعروفة. على أية حال لا أرى سبباً جدياً يمنع قيادة المنبر من إفساح المجال لأعضاء جمعيتهم لمحاورتي مباشرة بل ولتفنيد ما أردده من انتقادات لتوجهات المنبر ومواقفه.

 
بدوت متحمساً لفكرة قيام ائتلاف ثنائي يجمع المنبر التقدمي والتجمع القومي يعمل على استقطاب شخصيات وطنية... هل ستكون منضماً لهذا التحالف حال قيامه؟
- إذا استطاع أي طرف، التجمع القومي أو المنبر التقدمي أو أي فصيل آخر، أن يؤسس نواة أو يتخذ مبادرة يقول فيها نحن نؤسس الآن لحركة شعبية تطالب بدستور عقدي وبحقوق المواطنة وتطالب بوقف تراجعات السلطة بما فيها ما قامت به خلال السنوات العشر الأخيرة من تقييد لحركة المعارضة، فإنني أعتبر ذلك إنجازاً عظيماً جدا, بل سأكون واحداً ممن «يركضون» وراء ذلك الطرف صاحب المبادرة بهذا المشروع الكبير. فلا يهم من يدعو لهذه المبادرة. ما يهم هو مضمونها. فالمطلوب الآن هو تغيير خطاب المعارضة من خطاب انتقادي الى خطاب مواجهة. أقصد أن ثمة حاجة للابتعاد عن «المعارضة الناعمة» الى «معارضة حقيقية»، فنحن بحاجة لمعارضة تقول للسلطة نحن لسنا شركاء في هذا المشروع الذي يجري الآن تنفيذه، بل نريد ان نكون شركاء في مشروع بناء الدولة الدستورية وهو ما كنا قد تعاقدنا عليه حين صوتنا لميثاق العمل الوطني.

 
ما الذي يدعوك الآن الى التحمس لفكرة وجود ائتلاف وطني وخصوصا ان هناك تجارب عديدة قامت منذ عشر سنوات منيت جميعها بالفشل. لماذا الحماس للفكرة الآن؟
- لا لا، هذا الحماس ليس بجديد. فلقد شاركتُ في اجتماع تأسيسي قبل عشر سنوات بهدف إقامة تنظيم سياسي مشترك يجمع بين الجبهة الشعبية وجبهة التحرير وحزب البعث وعديد من الشخصيات الوطنية المستقلة. إلا أن تلك المحاولة باءت بالفشل لأن كل فصيل أراد ان يذهب بها في طريقه الخاص. على أية حال تبقى الحاجة لإيجاد هذا التنظيم المشترك الجامع ضمن قناعاتي الثابتة. فمازلتُ مقتنعاً بضرورة تأسيس تنظيم يجمع القوى والشخصيات المعارضة اليسارية كجزء من حراك سياسي يقود إلى إعادة تصويب خطاب المعارضة باتجاه المواجهة مع السلطة. أي ذلك الخطاب الذي لا يستنكف من مواجهة السلطة أو يكتفي بمجرد انتقادها.

 
كيف تصف علاقتك بالمنبر التقدمي بعد مقالك المثير ضد أمينه العام؟
- لم تنقطع علاقاتي مع أعضاء في المنبر التقدمي وهي مستمرة الى الآن. وهناك بالطبع لفيفٌ في المنبر لا يحب ما أكتب ويعتبره تعريضاً وتجريحا بهم. هذا على الجانب الشخصي. أما على الجانب السياسي فموقفي واضح منذ آخر محاضرة ألقيتها في ضيافة المنبر التقدمي في قاعة جمعية المهندسين قبل أكثر من عشر سنوات (في الأول من مارس/ آذار 2001). فلقد أصدرت قيادة المنبر يومها بيانها المشهور الذي شكل صدمة للكثيرين من المناضلين بمن فيهم أعضاء في جبهة التحرير الوطني. ولقد اختلفتُ مع ما جاء في البيان ورأيتُه خطوةً متسرعةً ومتهالكة. ومازلتُ مقتنعاً بأن قيادة المنبر تسرعت في إعلان تأييدها للدستور الجديد بعد أقل من أسبوعيْن من صدوره ومن دون إجراء مشاورات داخلية مع أعضاء المنبر أنفسهم في تلك القضية الجوهرية. ومعلومٌ أن البيان لم يكتفِ بتأييد الدستور الجديد بل سارع للدعوة للمشاركة في الانتخابات قبل التشاور مع أي من التنظيمات الوطنية الأخرى الإسلامية منها أو الليبرالية أو اليسارية.


رغم تخصصك في علم الاجتماع إلا انك أوليت اهتماما بالغاً في كتابك «بناء الدولة في البحرين» بالتاريخ وتحديداً الوجه السياسي منه، وهو نهج أسست له في أطروحتيك في الماجستير والدكتوراه بجامعة لوند السويدية بشأن الحركة النقابية في البحرين ومناقشة موضوع الإثنيات... الى أي مدى يمكن التوفيق بين هذه المجالات الثلاثة في تفسير الظواهر الاجتماعية؟
- في التاريخ دروس كثيرة تمكن الباحث من اختبار استنتاجاته. هذا لا يعني ان بالإمكان إعادة صناعة أحداث التاريخ أو تقليدها. ولكن فهم التاريخ ضروري للمضي قدماً. ولهذا مثلاً أكرر الدعوة إلى مراجعة ما حدث في البلاد منذ التصويت على الميثاق في ضوء من نعرفه عن تاريخنا. ففي السنوات العشر الماضية, كما أراها, بعض انعكاسات تاريخ القرنيْن الماضييْن.
نعم، أنا مهتم بالتاريخ بشكل عام وجزء من هذا الاهتمام ناشئ من تربية نشأت عليها. ولكنني لست متخصصاً في التاريخ ولستُ مهووساً به. لابد من معرفة ماذا حدث في الماضي لفهم ما قد يجري في المستقبل. فعندما تدرس مثلاً ماذا حدث عندما جاء الشيخ عيسى بن علي إلى البحرين في 1869 سترى نهجاً من الممارسة السياسية يفسر ما حدث لنا خلال السنوات العشر الماضية. فلقد استحدث آنذاك نظاماً يعتمد على توزير وكلاء محليين من أهل البلاد. وتولى هؤلاء تنظيم أهل المدن والقرى في البحرين. ومن خلال أولئك الوكلاء (الوزراء والوجهاء المحليين) استطاع النظام السياسي ان يضمن الهدوء في البلاد وان يضمن استقرارها لفترة طويلة.

أنت أحد أشخاص البحرينيين الذين أخذوا علم الاجتماع بجامعة بغداد على يد المفكر العراقي علي الوردي... ما تأثير هذه الشخصية على فكرك وتجربتك في مجال علم الاجتماع؟  
- استخدم المرحوم علي الوردي التاريخ استخداماً رائداً وإن كان على النمط الخلدوني. فدراسته لحكم الولاة العثمانيين ودورهم في تشكيل المجتمع العراقي كانت مهمة لفهم التطور السياسي والاجتماعي اللاحق. إلا انني أتصور أن من المهم أيضا إعادة قراءة تراث علي الوردي لمعرفة كيف تتدخل السلطة السياسية لتشكيل المجتمع، أو ما نسميه «الهندسة الاجتماعية» وهو مصطلح متداول في الدراسات الاجتماعية. لقد تحدث الوردي عن دور الولاة في تشكيل المجتمع العراقي بأمثلة عن مشاريع تبدو بسيطة وغير «اجتماعية» مثل بناء السدود أو بناء جدار حول مدينة بغداد أو بناء مدن جديدة. وكان يعطي هذه المشاريع تفسيرات اجتماعية غير مسبوقة.
ما يبقى راسخاً في ذهني من هذه الشخصية العظيمة هي دعوته المتكررة لنا لعدم اليقين باستنتاجاتنا. فكان يردد «لا تقل بالتأكيد» بل قل دائما «في الأعم الأغلب». وكان يصر على تصحيح الطالب الذي يكتب في إجاباته عبارة «لاشك أن» لأنه، أي الوردي، كان يقول اننا كاجتماعيين لا نملك الأدوات التي تمكننا من الوصول الى المعرفة اليقينية. فكل ما نستطيع الوصول إليه هو استنتاجات «الأعم الأغلب». أقولُ هذا رغم انني كثيراً ما أنسى نصيحة أستاذنا الوردي فأقع في اخطاء.
كنا نحو خمسة أو ستة طلاب بحريينين التحقنا بجامعة بغداد في 1961م في تخصص علم الاجتماع، وكانت فترة غنية بالنسبة لي، وكان أساتذتنا في جامعة بغداد شخصيات مؤثرة جدا، لكن الوردي أكثرها تأثيراً.
للأسف كنا نتعامل مع دروس الوردي باستسهال. فلقد كان يبدو لنا في ذلك الوقت كمن «يسولف» معنا. لم تكن كلماته صعبة أو متقعرة. بل كنا نظن أنه كان يقول ما يعرفه كل الناس. فلا جديد لديه حسبما كنا نظن. إلا انني حين كبرتُ عرفتُ أن طروحاته كانت أكثر جدية وأكثر تعقيداً مما تخيلنا إلا انه كان يطرحها بشكل مبسط. فعندما كان يتكلم عن المجتمع العراقي وما اعتبره انفصاما في شخصية الرجل العراقي. كان يطرح ذلك بتبسيط شديد رغم ان كلامه في غاية الأهمية والجدية. على أية حال فغالبية الاجتماعيين اليوم، يتحدثون ليس عن انفصام الشخصية بل عن عن تعدد الهويات وعن عدم وجود هوية نهائية لأحد. فلكل منا هويات متعددة يتجدد بعضها باستمرار ونحن ننتقي من هوياتنا المتعددة ما يناسب اللحظة أو الظرف. بالفعل كان المرحوم علي الوردي مدرساً عظيماً ولكني لسوء حظي لم أستوعب ذلك إلا بعد أن غادرتُ العراق لإكمال دراستي. عندها اكتشفت انه كان عليَّ ان اسمعه اكثر.

الظاهرة الدينية في البحرين شديدة الكثافة ولكنها أيضاً شديدة الانشطار... هل يدل ذلك على حيويتها وقوتها أم هشاشتها برأيك؟
- هكذا هو الدين بطبيعته. فالدين هو أمران في الوقت نفسه، هو مؤسسة كما هو مشاعر. في داخل المؤسسة تتنافس المصالح والأهواء لذلك يزداد ميلها نحو الانشقاق والاستبدال والتكاثر. فالمؤسسة تتعدد باختلاف المصالح، وهي أيضا تمثل علاقات بين الناس والعلاقات لا تكون ثابتة ودائمة وبالتالي فإنها عرضة للتبدل الدائم. فعلى سبيل المثال توجد في إحدى القرى الشمالية 19 حسينية 7 منها فقط تعود لعائلة واحدة. ليست هذه القرية استثناء بالطبع. ففي كل قرية ومدينة يوجد هذا الانشطار، مجموعة نساء أو مجموعة رجال لا يتوافقون فينشأ مأتم جديد لفئة منشقة. ولا ينحصر هذا الأمر على القرى ففي الحي الذي نشأت فيه مثلاً في فريق المخارقة والحمّام تتوالد المآتم من داخل بعضها.
أما المشاعر، فهي أكثر تعقيداً. فهي وإن بدت ساكنة إلا أنها في تغير مستمر. فقد تتخذ المشاعر الدينية أشكالاً فردية وقد تتخذ أشكالاً جمعية. وقد تكون الاثنيْن معا في الوقت ذاته. لدى كارل ماركس عبارة جميلة يقول فيها إن الدين هو «حسرة المظلوم وأنّته». فالدين، سماوياً كان أم وثنياً، يمثل ملجأ للناس، فحين لا يجد المرء وسيلة للتخلص من مسببات ما يعانيه من ظلم فإنه يجد في أحضان الدين ما يخفف عنه الإحساس بذلك الظلم. لهذا لا يمكن التقليل من أهمية الدين, مؤسسة ومشاعر. فهو يحتضن الناس سواء كانوا في البحرين أو في الفلبين أو في البرازيل وهو الذي يساهم في توجيههم نحو أحد طريقيْن. طريق يقود إلى القبول بالأمر الواقع باعتباره قدراً يمتحن الله به عبيده أو إلى طريقٍ يقود إلى تمكين المستضعفين على الوقوف في وجه الظلم بهدف إزالته وإزالة مسبباته.

كيف تفسر - كباحث اجتماعي - هذا الانبعاث اللافت للقوى الدينية في مجتمعات الخليج والعالم العربي بشكل عام، وحتى في الغرب هناك عودة الى الروحانيات؟
- الانبعاث الديني في بلادنا يختلف عن ظاهرة اللجوء الى الروحانيات في الغرب. فاللجوء الى الروحانيات في المجتمعات الغربية له صلة بتداعيات مرحلة ما بعد الحداثة وخاصة ازدياد حدة التوجه نحو الفرادة وغياب الجوامع الثقافية المشتركة. أما في بلادنا فهناك العديد من التفسيرات لنمو الحركات الإسلامية وازدهار الحركات الداعية للبحث في النصوص الدينية عن حلول لمشاكل الدنيا. أميل شخصيا إلى تلك التفسيرات التي ترى أن نمو الظاهرة هو نتاج الجهود الحثيثة التي بذلتها مختلف الأنظمة السياسية طوال العقود الأربعة الماضية. فشعار الإسلام هو الحل يلخص جامعاً مشتركاً بين صحوات متعددة تدعمها أنظمة سياسية متنافسة.

... أنظمة أم أنساق فكرية؟
- الاثنان يتداخلان في هذه الظاهرة. فالفكرة العامة لهذه الصحوات تقوم على طرح الإسلام كحل للمشكلات الدنيوية القائمة بما فيها غياب الحرية وتفاقم القهر الطبقي وانعكاسات سوء الإدارة السياسية والاقتصادية. فحين يقول ناشطو الصحوة على اختلاف مشاربهم «جرِّبونا» بعد ان فشل غيرنا في قيادة التغيير فإنهم يتجاهلون تاريخاً طويلاً من الحكم الإسلامي أي منذ بدء الخلافة الراشدة حتى نهاية الخلافة العثمانية. فباسم الدين حكم الطغاة والفاسدون. المٍسألة هنا، ليست محاولة تخطئة الدين نفسه بل تخطئة من تصدوا ويتصدون للحكم باسم الدين. على أية حال حين تقتنع الناس بأن الإسلام هو فعلاً الحل فلا بأس. ولكن أيُ إسلام؟ وما هو الحل الذي يمثله هذا الإسلام؟ هل هو إسلام السلفيين أم إسلام الخمينيين أو إسلام الطالبان؟

أشرت في ندوة وعد الأخيرة الى نتائج التعداد السكاني الأخير الذي أوضح أن عدد السكان قارب المليون والربع مليون، وبلغ البحرينيون منهم أقل من 570 ألفا أي ما نسبته 46 في المئة... أصبحنا أقلية في بلادنا، فبعد أن كنا في 2001 نحو 62 في المئة، صرنا الآن بفضل جهود ما أسميته بالهندسة الاجتماعية 46 في المئة في 2010... ما هي في اعتقادك التأثيرات الاجتماعية الناجمة عن هذا المعضلة؟
- من المبكر الآن الحديث عن نتائج اجتماعية لهذا الأمر، ولكن من الواضح ان البنية التحتية في البلد لا تتحمل هذا العدد الكبير والمتزايد بشكل مخيف، لأن كل في كل سنة يأتي في المتوسط 42 ألف وافد جديد للبلد، والبنية التحتية لا تتحمل هذا العدد، وما سيحدث ان جزءا كبيرا من هؤلاء لن يتمكنوا من الحصول على خدمات صحية واجتماعية كافية لأن تجعلهم على الأقل مساهمين إيجابيين من الناحية الاقتصادية. الأمر الآخر، سيشكل هؤلاء الوافدون ضغطاً كبيراً على المؤسسات الخدمية والطرقات والأسواق وهذا ليس أمرا إيجابيا لأي طرف. لا أقول ذلك لكي ابغض الناس في الأجانب وخاصة الفقراء منهم الذين يأتون دون ان تهتم الدولة بتوفير ما يجب توفيره لاستيعابهم.
ما يحدث هو ان الكثافة السكانية ستزداد بشكل مقلق. انظر اليوم الى العاصمة تحولت الى جيتو سيئ بكل ما للكلمة من معنى. هناك فوضى بيئية وسكنية نراها في المجاري الفائضة وفي الطرقات المزدحمة وفي إهمال احتياجات نظافة المدينة. ثمة مآسٍ حقيقية، وهذا ليس بسبب الأجانب بالطبع بل بسبب من أتى بهؤلاء دون توفير البنية التحتية القادرة على استيعابهم. وهنا نأتي للحقيقة المرة المتعلقة بالوفرة المالية المتحصلة من ارتفاع سعر برميل النفط والتي لا تستخدم لتوفير ما نحتاجه من تطوير في البنى التحتية بسبب الأولويات الإنفاقية في الدولة.
الخوف الآن على الهوية الوطنية للبلاد، فإذا استمر هذا التزايد السنوي في أعداد الوافدين أو قل الى 30 ألف وافد سنوي فإنه خلال ست سنوات فقط سوف يصل عددهم الى الضعف.
وينبغي ان نعرف ان تزايد البحرينيين السنوي وبضمنها عمليات التجنيس، لا يتجاوز 4 في المئة وهذا يعني انه خلال ست إلى سبع سنوات القادمة سيصبح عدد البحرينيين اقل من 30 في المئة.
يستخف كثيرون بهذه المؤشرات المقلقة، بل هناك من يعتبرها جزءًا من صورة خليجية مشيراً إلى أن هذا الوضع هو الوضع الذي تتسم به مجتمعات الدول الخليجية الأخرى. مثل هذا الكلام غير مقبول، فمن يريد ان تصبح البحريْن دبي ثانية؟ دبي ليست نموذجا يحتذى فيما يتعلق بالهوية الوطنية. فهذا ليس هذا هو المستقبل الذي نحلم به بل هو مصير يجب ان نتحاشاه.

لم تبتعد في أطروحتيك في الماجستير (عن الحركة العمالية في البحرين) والدكتوراه عن (الإثنيات في البحرين)... هل تضعنا في صورة هذا الاهتمام القديم؟
- موضوع الماجستير كان عن الحركة العمالية كيف نشأت الطبقة العاملة وما ظروف نشأتها، وكان ذلك موضوعاً مهماً بالنسبة لي لأنه كان موضوعا يناقش قضية الحداثة، وكيف تمَدْيَن المجتمع البحريني من مجتمع شبه إقطاعي تسوده صناعة الغوص والعلاقات الفلاحية الصغيرة الى ان يتحول الى مجتمع تغلب عليه العلاقات الصناعية، وتسوده علاقات سوق العمل الحديثة بما فيها العمل المنتظم والمأجور. وكان مهماً لي مقارنة البحرين في ثلاثينيات القرن الماضي مع ما حدث في بلدان أوروبية كثيرة في مطلع الحداثة الرأس مالية وتحول الناس من الريف الى المدينة وتحولهم من الفلاحة الى الصناعة ونشوء علاقات عمل تقوم على الأجر النقدي. فلقد كان للأجر النقدي أهميته التاريخية من حيث كونه أجراً فردياً يحصل عليه الفرد بصرف النظر عن خلفيته وأصوله ودينه، ما أسس لفكرة المساواة النظرية بين الناس على الأقل فيما يتعلق بالأجور وساعات العمل وشروطه. فهذا كان جزءًا من سلسلة تغيرات وضعت بذور الحداثة في المجتمع البحريني.
أما بالنسبة لموضوع الدكتوراه، فقد طرحتُ آنذاك ان الموضوع الاثني والمشكل الطائفي قد تم حله في البحرين. كان ذلك في سنة 1972. وتصورتُ وقتها بما لدي من معطيات أن البحرين قد تجاوزت المشكل الطائفي وإن لم تتجاوز الانتماء الطائفي. بمعنى أن اصبح للناس هوية فوق إثنية، أي ان البحريني سنياً كان أم شيعياً قد أصبح بحرينياً في المقام الأول, واضحٌ انني كنتُ مخطئاً إلا انني وصلت إلى ذلك الاستنتاج لأن المعطيات التي كانت وقتها متاحة لي تؤدي لهذه النتيجة.

الآن لو قدر لك أن تكتب أطروحتك عن الإثنيات ماذا كنت ستكتب؟
- كنت لن أكتب حول هذا الموضوع... كنتُ سأدرس العلاقة المعقدة بين الحاكم ورجل الدين وكيف يجدان دائماً المشترك فيما بينهما لإدامة سلطتيهما أو كنتُ أخترتُ دراسة عمليات «تسييس الهوية». حين كنتُ طالباً كان ذوبان المشكل الطائفي هو طابع المرحلة بل وشعارها. وكانت روح العصر تشمل مفهوم «الوطنية» التي تتجاوز الإثنيات وتتأسس ضمن دولة حديثة. وبالفعل عندما عدتُ الى البلاد وشاركتُ في التجربة النيابية في 73 أحسستُ بأن خبرتنا في كتلة الشعب تشير الى ذلك وتؤكد عليه. ولو كتبت الأطروحة في سنة 74 أو 75 لكتبتها في الاتجاه نفسه، ولأضفت معطيات إضافية تستند إلى تفاصيل عمّن انتخب مترشحي كتلة الشعب؟ فلقد انتخب شيعةُ منطقة رأس الرمان المرحوم خالد الذوادي، بينما انتخب محسن مرهون الميناويةُ في منطقة القضيبية. كان الناس ينتخبون الشخص لوطنيته وليس لاعتبارات طائفية. يكفي أن يكون المترشح قادراً على إقناع الناس بصدقية انتمائه لهم. إلا أن الحال وكما أشرتُ سابقاً تغيرت جراء القمع الشرس الذي تعرضت له الحركة الوطنية طوال حقبة أمن الدولة 


اجرى الحوار الاستاذ وسام السبع

الوسط -16 يناير 2011

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro