English

 الكاتب:

أحمد العنيسي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

ملك الموت يحوم في محطات الوقود
القسم : عام

| |
أحمد العنيسي 2011-01-01 09:53:18


استوقفني موقف أثناء ذهابي لمحطات التزويد بالوقود المتكررة، ألا وهي قضية عمالية يرثى لها الحال تتعلق بعمال هذه المحطات، الذين يتنفسون الموت بغير رئتيهم، بسبب أن الغازات المتطايرة في محطات الوقود تنفذ إلى أجسامهم بطرق شتى أولها، الأنف والأذنين، وآخرها ما يتغلغل في مسامات الجلد، الذي يتعرض له هذا الأخير، مما قد يسبب مرض سرطان الجلد، والذي يكون المسئول عنه بدرجة كبيرة مشتقات النفط.
كذلك استنتجت أثناء زياراتي المتكررة لملء السيارة بالوقود، بأن هذه القضية العمالية غير مكترث بها ولا تعنى بأدنى اهتمام لا من قبل الاتحاد العام لعمال البحرين المسئول الأول والأخير عن حقوق العمالة البحرينية، ولا من قبل الشركة المختصة بتزويد محطات الوقود، ولا صاحب العمل الذي يستنقص عليهم علاوة الخطر المتبعة في كثير من دول العالم، ولا حتى من الزبائن الذين يفترض عليهم غلق المحرك أثناء التزود.
وقد حصلت لي قصة بسيطة مع أحد العمال البحرينيين، حيث إنني دائماً ما أقوم بإطفاء المحرك أثناء التزود وتعجب من هو مسئول عن المضخة من تصرفي، وقال لي أنت إنسان تحس بالآخرين على لهجته، ففهمت ما يقصد ولكن لا يعي، أنني أقوم بغلق المحرك ليس بسبب إحساسي ولا ثقافتي ولا علمي، وإنما بسبب أن محرك سيارتي يحدث له خلل أثناء التزود بالوقود عندما لا أقوم بإطفاء المحرك، ولكنني على الأقل وصلتني الرسالة وفهمت أنهم يعانون كثيراً من اشتغال السيارات خلال ملئها من السلنسرات التي تضخ السموم بالمحطة.
بالرجوع إلى صلب الموضوع، هؤلاء الموظفون بمحطات التزويد، يتعرضون للمضخات، لما يقارب 8 ساعات متواصلة في اليوم لمدة أسبوع، فمن المؤكد هناك معاناة تضيق بهم وأمراض خطيرة تحدق بهم، إذا لم نغير من وضعهم، باقتراحات وتوصيات سوف نتناولها في نهاية المقال، علها تجد آذاناً صاغية، وعقولاً متفتحة من قبل أهل الشأن، وألا يتغافل أو يتهاون بها مسئولو الشركة ويسيرون في طريق اللا مبالاة بتطبيق المثل الشعبي «عمك أصمخ» على منوال ما هو مطبق في معظم وزاراتنا الخدمية والشركات العامة، وكثير من المرافق في بلدنا التي لا تأبه بالشكاوى والتوصيات بسبب قلة المحاسبة والمساءلة والمتابعة من السلطات العليا وأصحاب القرارات النافذة، وأتمنى لو تتغير هذه النظرة الدونية والسياسات البالية، إن كنا للتطور والتقدم طامحين.
دفعني الفضول وقد قمت بأسئلة بعض منتسبي المحطات عن عملهم أثناء التزويد وما ينتج عنه من كثافة دخانية هائلة، المتصاعدة من عوادم السيارات المتنوعة في المنطقة المحاطة بالمحطة، والتي تتألف من خليط من الغازات القاتلة منها أول أكسيد الكربون الذي يدخل إلى خلايا الدم ويصيب الإنسان بالموت المحتوم (عينات حصلت بكراج السيارات) وثاني أكسيد الكربون، فضلا عن تعرضهم واستنشاقهم للبنزين ومركباته السامة المتطايرة لهذه المدة الزمنية المتواصلة أثناء تأدية واجبهم الوظيفي.
بديهي أن تكون الردود متنوعة وبعضها متوقعة من قبل العاملين، بعضها تنم عن خبرة بمساوئ هذه القضية البيئية المميتة، حتى أن بعض العاملين قارن بين غاز ثاني أكسيد الكربون والبترول وأضرارهما على التنفس، وثانٍ يشكي الحال، ويفشي ما يعتريه بمضض وحرقة بترديده،ما باليد الحيلة، هذه لقمة العيش، وثالث يعبر بلسان اليأس «الموت واحد» بنص الآية الكريمة «إذا جاء اجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون» وآخر يهون على نفسه متجاهلاً أخطار المهنة، ومستسلماً وفقاً، لما تقول آية أخرى، يدرككم الموت لو كنتم في بروج مشيدة.
البعض الآخر أبلغ بلسان فصيح ومنطق، ويمتلك درجة من الإقناع للآخرين، ولكن مجافٍ للعقل وغير علمي، وقال لو لهذه الملوثات أضرار في محطات الوقود لنزل نصف العاملين مستشفى السلمانية والنصف الثاني تحت التراب، فتوجب الرد على هذه الفئة بشكل علمي، إن الضرر لن يأتي بشكل مباشر، أو كن فيكون، فالضرر يتم بتراكم التركيز على الأعضاء والأجهزة وخلاياها على مر السنين، وإذا لم يؤمن بنظرية التركيز - كثر الطق يفك اللحام - عليه أن يسأل منظمات الصحة العالمية عن عدد المصابين بأمراض السرطانات في الدول وأسبابها، التي يعتبر هذا الغاز المتصاعد من عوادم السيارات من ضمن الغازات الرئيسية المسببة لهذه الأمراض، علاوة على مركبات البنزين، وكذلك عن عدد الذين ماتوا وهم بسيارتهم بمملكة البحرين في مرآب السيارات المغلقة.
في موضوع ذي صلة، ننصح من يهمه الأمر بتشغيل مراوح التهوية في الأماكن المغلقة، ولا سيما مواقف السيارات للمجمعات التسويقية الضخمة، حيث إن الوضع لا يطاق أثناء زحمة المركبات في المناسبات، خاصة الأعياد، ونهاية الأسبوع، وذلك بسبب تعرض بعض العائلات وأطفالهم لغازات مميتة، فهذه المواقف عادة ما تكون خانقة وممتلئة بالغازات القاتلة الناتجة من حرق الوقود في السيارات.
أما بالنسبة لمنطقة العمل التي نسلط الضوء عليها في هذا المقال، نوصي بتطوير عملية شحن السيارات بالوقود، أي أن يقوم صاحب المركبة بملء سيارته بنفسه، ويقوم بالدفع عند أمين الصندوق قبل المغادرة على طريقة دولة الكويت أو الدول الأوروبية، كذلك يجب على الشركة عمل الفحوصات اللازمة للعمال لمدة لا تتجاوز ستة أشهر أو سنويا على الأكثر.
واقتراح أخير ومهم جدا، بأن يلتزم العامل والشركة، باتخاذ الإجراءات الوقائية للسلامة بلبس الملابس الواقية والكمامات والقفازات وغيرها، من أمور السلامة المهنية المتخذة في مواقع العمل الشبيهة، حتى يغادر المنطقة (محطات الوقود) ملك الموت، ودمتم سالمين.
الوسط - 1 يناير 2011

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro