English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

بسنا... معالجة خاطئة للإعاقة
القسم : عام

| |
عبيدلي العبيدلي 2010-12-03 08:09:00


بعد أن ألقت تحيتها عبر الهاتف، باغتتني بهجوم «نسائي» شنته على ما أتناوله في هذه الصفحة.
استهلت ذلك قائلة «أتابع ما تكتب... تتحدث عن الفساد، وعن لقاء القوى الوطنية الديمقراطية... إلخ، وهناك فئة مهمة في المجتمع أهملتها، وعن سابق إصرار وترصد». واستطردت في نبرة غاضبة «الا تستحق هذه الفئة من المجتمع أن تنال ولو نسبة ضئيلة من أوقاتك وأوقات أمثالك ممن لا يحلو لهم سوى تناول الملفات الساخنة التي تضعهم في قلب الأحداث؟». حافظت على هدوئي ولم أشأ مقاطعتها احتراماً لحماسها ولمعرفتي لما تقوم به من أنشطة في مجال العمل التطوعي في البحرين.
قبل أن ننهي المكالمة، استفسرتها، هل هناك مناسبة خاصة لها علاقة بالإعاقة تبرر الكتابة.
لا داعي لنقل ما تلقيته من لوم في ردها على ذلك الاستفسار، وأكتفي بإشارتها إلى أن اليوم (الجمعة) الموافق 3 ديسمبر/ كانون الأول 2010 يصادف اليوم العالمي للإعاقة.
وللعلم، لقد أعلنت الجمعية العامة في اختتام عقد الأمم المتحدة للمعوقين (1983-1992)، يوم 3 ديسمبر بوصفه اليوم الدولي للمعوقين، وتحديداً في العام 1992، في القرار 3/47 لنشر «الوعي واتخاذ التدابير اللازمة لتحسين حالة المعوقين وإتاحة الفرص لهم على قدم المساواة مع الآخرين. وفي وقت لاحق، ناشدت الجمعية العامة الدول الأعضاء إلقاء
الضوء على الاحتفال بذلك اليوم بغية زيادة إدماج المعوقين في المجتمع».
أول ما تبادر إلى ذهني، بعد إغلاقها خط الهاتف، هو هل هناك تعريف متفق عليه دولياً يحدد مفهوم الإعاقة، ربما يكتفي البعض منا بذلك التعريف التقليدي المسطح الذي ينص على أن الإعاقة ليست أكثر من «حالة تحد من قدرة الفرد على القيام بوظيفة واحدة أو أكثر من الوظائف التي تعتبر أساسية في الحياة اليومية كالعناية بالذات أو ممارسة العلاقة الاجتماعية والنشاطات الاقتصادية وذلك ضمن الحدود التي تعتبر طبيعية. أو هي عدم تمكن المرء من الحصول على الاكتفاء الذاتي وجعله في حاجة مستمرة إلى معونة الآخرين، والى تربية خاصة تساعده على التغلب على إعاقته. من هذا التعريف للحالة نصل لتعريف مسطح آخر، يعرَّف المعاق بأنه «الشخص الذي انخفضت إمكانيات حصوله على عمل مناسب بدرجة كبيرة مما يحول دون احتفاظه به نتيجة لقصور بدني أو عقلي».
لا يزال هذان التعريفان للإعاقة والمعاق هما المعمول بهما في البلاد العربية، ولذا غالباً ما نرى جمعيات المعاقين تحصر برامجها وخططها للتوجه نحو تلك الفئة، لكن من مداخل، أعتقد أنها خاطئة، لأنها تضع، بوعي أو بدون وعي، ما تعتبره معاقاً، في خانة سفلى في سلم العلاقات الاجتماعية، وعلى وجه الخصوص التنموية منها.
المفاهيم الحديثة للإعاقة تنطلق من مقولة متطورة تقول «إننا جميعاً معاقون من جانب، وليس بيننا من هو معاق من جانب آخر». والترجمة العملية لهذا المفهوم أن أياً منا لابد أن يعاني من نقص خُلقي أو خَلقي، يمكن أن يشكل عنصرا من عناصر الإعاقة التي نتحدث عنها. لكنه بالمقابل، يمتلك مواهب أخرى تمكنه، كإنسان سليم معافى، من المساهمة في حراك المجتمع وحركته.
على سبيل المثال هناك نسبة عالية في المجتمع تصنف على أنها «منفذة جيدة»، لكنها في الوقت ذاته ليست قادرة على التخطيط الاستراتيجي. مهارتها التنفيذية الفائقة، يقلص مساحة دائرتها عجزها التخطيطي المحدود. ويمكن أن نسوق مثالاً آخر، فالكثير من النابغين في الرياضيات والمصنفين في خانة العباقرة، غير قادرين على تحديد الاتجاهات، ومعرفة معالم طرق المدن التي يعيشون فيها، دع عنك تلك التي يزورونها.
لا أريد أن أكون مبالغاً، لكن ألفت نظر القارئ الكريم هنا إلى أكبر معاق في القرن العشرين، وهو العالم الفيزيائي أستاذ الرياضيات بجامعة كيمبريدج البريطانية ستيفن هوكينغ، الذي يشغل كرسي لوكاس ذي المكانة العلمية المرموقة عالمياً، والحاصل على مرتبة الشرف الأولى في فصله الدراسي في العلوم الطبيعية، وهو الذي نقلت عنه صحيفة «الديلي تليغراف» البريطانية، عندما نقلت، في العام 2001، فصولا من كتابه الموسوم «العالم باختصار»، الذي أكد فيه، وهو المعاق، بالمعايير التقليدية أنه «متفائل بأن البشرية ستصل يوما إلى الكواكب وتستعمرها، وحذر هوكينغ من ان الجنس البشري لن يتمكن من الحياة على الأرض على مدى الألف عام القادمة وربما كان يتعين عليه ان يتعلم كيفية العيش في مستعمرات فضائية لكنه أثار مخاوف من ان البشرية قد تنتج فيروساً يقضي على وجودها». وللعلم بالشيء فقط، يعتبر هوكينغ، أهم عالم فيزيائي بعد واضع قانون النسبية ألبرت آينشتين.
أما في البحرين، فتجربة ابنة مدينة المحرق الدؤوبة منيرة بن هندي ليست بعيدة عن ناظرينا. فجميع من احتك بمنيرة، ومنذ أن كانت طفلة، يعرف أنها دوماً، وما تزال، ترفض التعامل معها على أنها معاقة، وتصر على نسج علاقاتها على أسس متكافئة، مما قادها، وبكفاءة مميزة، إلى ما وصلت إليه اليوم. وهناك الطبيب البحريني محمد أحمد العبيدلي الذي لم تمنعه إعاقته السمعية من نيل جوائز عالمية، كان آخرها، كما تناقلت وكالات الأنباء قبل أيام، جائزة «أفضل ابتكار مفيد للمجتمع» في أوروبا. وكان قد سبق لمحمد أن ألف 6 كتب في ميدان العلاقة بين تقنيات المعلومات والخدمات الطبية، ترجم بعضها إلى لغات أخرى من بينها الصينية والإسبانية.
مثل هذه الحالات تدعونا أن نكف عن النظر إلى من نصنفه معاقاً من زاوية «الشفقة والإحسان» على حد سواء، وأن نغير ذلك إلى النظرة الحديثة التي أشرت لها، والتي تحثنا على بناء علاقة سليمة مع المعاق تنطلق من الندية، وتحافظ على التكافؤ. ومثلما رددنا، بشكل صحيح «بسنا... فساد» يمكننا أيضاً أن نطالب، وعلى نفس المنوال «بسنا... نظرة خاطئة في علاقتنا مع المعاق».
ربما تساهم هذه اللفتة، بمناسبة اليوم العالمي للإعاقة، في مساعي تغيير نظرتنا لمن نعتبره معاقاً من جهة، وتساعد الأخت التي اتصلت هاتفياً في أعمالها التطوعية لصالح المجتمع، من جهة ثانية.
 
الوسط - 3 ديسمبر 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro