English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

التحالفات بين الأخلاق والمبررات السياسية
القسم : سياسي

| |
عبيدلي العبيدلي 2010-11-09 08:40:18


من بين التعابير التي طفت على سطح العمل السياسي، وكثر تكرارها كان تعبير «التحالفات»، أو دعوات تنادي بضرورة «العمل من خلال التحالفات». وقد حاول البعض تفسير نتائج الانتخابات بناء على ما رشح من أخبار بشأن تحالفات نشأت بين القوى السياسية المختلفة، ممن شاركت في تلك الانتخابات.
وفي سياق تقويم تلك التحالفات والنتائج التي تمخضت عنها، برز، من خلال الحوار الذي ساد النقاشات التي سخنت على هامش عمليات الانتخابات، مدخلان أساسيان: الأول، هو الذي أخذ بالمذهب المكيافيللي، القائل بأنه في العمل السياسي، «الغاية تبرر الوسيلة».
فحسبما يرى مكيافيللي، طالما أن الأهداف نبيلة، وهو ما يعتقده كل من يسعى للتغيير أو حتى أولئك الذين يقفون ضده، فمن حق الواقفين وراء تلك الأهداف أو ضدها، أن يلجأوا إلى السبل كافة التي بوسعها توفير المشروعية التي يحتاجها تنفيذ خططها التي توصلها إلى تلك الأهداف. من ثم، فليس هناك من داع للتوقف عند تلك الوسائل لمنافشة مدى قسوتها على الآخرين، أو ظلمها لهم.
يغض مكيافيللي نظره عن «أخلاقية الوسيلة»، ويكتفي بنبل الهدف الذي يبيح اللجوء لتلك الوسيلة. المدخل الثاني هو التمسك بالقيم الأخلاقية وجعلها جزءاً من نبل الأهداف. مثل هذا المدخل، ينظر بشكل متكامل لكنه يفصل، بشكل واضح، بين الأهداف والوسائل. ومن ثم فهو يرفض، قطعياً أية اجتهادات تحاول أن تبرر الوسيلة المتبعة بربطها بنبل الهدف المرجو تحقيقه. هاتان المدرستان، برزتا في الأدب السياسي، سواء عند مناقشة كتابات مكيافيللي، أو حتى عند محاولة فهم ما طرحه المفكر الإجتماعي - السياسي الإسلامي إبن خلدون، في كل المهام السياسية التي كلف بها.
أما اليوم، ونحن نحاول أن نقوّم نتائج الانتخابات في ضوء النتائج التي تمخضت عنها، فيمكننا الإشارة إلى لوحة التحالفات البحرينية من خلال المواصفات التالية:
1. غياب خطط التحالفات بالمفهوم السياسي الناضج، فمن أهم الملاحظات التي يمكن أن يستخلصها المتابع لخط سير الانتخابات، هو غياب خطة تحالفات متكاملة، يقدمها فصيل معين، أو كتلة محددة، يتم طرحها للتداول والغربلة، اللهم إلا إذا اعتبرنا تصريحات بعض القيادات السياسية حول رفضها التحالف، وتمسكها بحق الاستفراد بالترشيحات الذاتية في المناطق ذات الأغلبية المؤيدة لها شكلاً من الأشكال السلبية للبرامج التحالفية. مثل هذا النمط من التحالفات، غالباً ما تكون آثاره محبطة على المدى القصير، ومدمرة على المدى المتوسط وكذلك البعيد، لأنه لا يؤسس لعلاقات تحالفية غير قابلة للصمود، ناهيك عن النمو.
2. سيادة التحالفات القصيرة المدى، المبتورة عن أية جذور سياسية أو حتى عقيدية محددة. فقد جاءت تلك التحالفات فيما يشبه ردة الفعل الآنية والتلقائية لمواجهة عامل طارئ في هذه الدائرة الانتخابية أو تلك، نيابية كانت أم بلدية؛ ما جعل نتائج تلك التحالفات، هي الأخرى محدودة على الصعد كافة: سياسية كانت أم زمنية، بل وحتى المكانية منها، إذ لم يكن في وسعها الانتشار على المستوى الوطني، ولم تكن تمتلك مقومات الاستمرار على المستوى التاريخي.
مثل هذه التحالفات، غالباً ما تكون آثارها، هي الأخرى سلبية، على أي شكل من أشكال التحالفات الأخرى التي تفوقها على المستويين الزمني والمكاني، فمن الطبيعي أن تجد القوى المتحالفة نفسها مجبرة على التصادم مع بعضها البعض في مناطق مختلفة، أو فترات لاحقة، ناهيك عن الخلافات التي تثيرها تلك التحالفات بين تلك القوى ككتلة واحدة، وأخرى ليست منضوية داخل ذلك التحالف المحدود.
3. تنامي النزعات الانتهازية في صفوف بعض القوى الانتخابية، التي امتدت سلبياتها، حتى طالت بعض أولئك المرشحين الأفراد. فبتنا نسمع أو نشاهد الدعوات المنادية بتشكيل تكتل سياسي، ليس وراءه أي هدف أكثر من تشويه منافس لذلك التكتل.
مثل هذا السلوك، لا تتوقف مضاره عند الحدود الانتهازية، بل تتجاوزها كي تمارس دورها في حرف مسيرة القوى المعارضة عن أهدافها الصحيحة، كي تجيّر قواها ضد ذلك المرشح، عوضاً عن الاستفادة عنها في برنامج وطني متناسق يعالج المشكلات التي يعاني منها المجتمع، ويفترض أن يستأصلها البرلمان.
أدى مثل هذا السلوك التحالفي السياسي المرفوض أخلاقياً، بغض النظر عن التبريرات التي قد يسوقها، هذا الفصيل أو ذاك، دفاعاً عن الممارسات الضيقة الأفق التي كرست ذلك السلوك، إلى تدمير الكثير من القيم والمفاهيم السياسية التي راكمتها الحركة الوطنية البحرينية على مدى ستة عقود من العمل السياسي في ظروف قمعية كالحة، كما كانت لها إفرازاتها السلبية الخطيرة أيضاً على مسار العلاقات المطلوب تبلورها في أعقاب ظهور النتائج بين القوى المعارضة، سواء تلك التي فاز مرشحوها، أو تلك التي لم يحالف الحظ مرشحيها.
لذا ربما آن الأوان الآن، وبعد أن خفّت حدة الصراعات التي ولدتها الانتخابات، أن تعيد القوى السياسية البحرينية النظر في ممارساتها الانتخابية، وتقرأ بشكل موضوعي سياسة التحالفات التي اتبعتها، ومدى اقترابها أو ابتعادها عن المذهب المكيافيللي، وبالقدر ذاته، درجة تمسكها بالقيم الأخلاقية المطلوبة، التي تحرص على الوصول إلى الهدف دون التفريط في المبادئ الأخلاقية. وفي ضوء ذلك التقويم، ربما يستطيع الشارع السياسي البحريني أن يشيد طريقاً جديدة يسلكها، تقضي على النزعات الانتهازية الضيقة الأفق، وتوصلنا جميعاً إلى أهدافنا دون التفريط في قيمنا أو أخلاقنا.
الوسط - 9 نوفمبر 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro