English

 الكاتب:

د. علي فخرو

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الانتخابات المعارضة والمستقبل
القسم : سياسي

| |
د. علي فخرو 2010-11-04 08:44:25


ما معنى وأهداف المعارضة السياسية؟ سؤال يطرح نفسه أمام مواكب الانتخابات البرلمانية في طول وعرض بلاد العرب، والتي تنتهي دائماَ وأبداً بفوز الأحزاب الحاكمة أو جماعات السلطة المتنوٍّعة وبهزيمة متفاوتة في الشدَّة لمرشحي المعارضة. ما يجعل السؤال المطروح مهمًّاَ ما يلاحظه المراقب، بعد كل تمثيليَّة انتخاب، من قنوط ويأس في صفوف أعضاء ومناصري المعارضة ومن شعورهم بأن الطُّرق مسدودة أمامهم، فقط لأنَّهم لن يدخلوا البرلمان أو سيدخلونه بأعداد رمزية صغيرة غير مؤثٍّرة.
إنًّ ذلك اليأس يعني أنًّ حركة المعارضة لم تبيٍّن بوضوح لأعضائها وأنصارها طبيعة عملها ومدى إتٍّساع الأفق الذي تعمل فيه. فعدم الوصول إلى مقاعد البرلمان لا يعني أكثر من فقدان منبر للتعبير السياسي ووسيلة من وسائل الضغط على الحكم والتأثير على إتٍّخاذ القرارات، ولكن تبقى هناك عشرات المنابر والوسائل والسًّاحات الأخر. ذلك أن المعارضة السياسية المنظًّمة يجب أن لا تنسى قط بأنها، إضافة لهدفها الأساسي وهو الوصول إلى سلطة الحكم يوماً ما، تمثٍّل قوى مجتمع في المجال السياسي غير ممثًّلة على الإطلاق أو غير ممثًّلة بما فيه الكفاية في مؤسَّسات الحكم المختلفة. ولما كان الحكم في الغالبيًّة السَّاحقة من بلاد العرب يمثٍّل أقليًّة عسكرية أو حزبية غير ديمقراطية انتهازية أو مذهبيًّة دينيًّة أو قبيلة أو عائلة، فان من الطبيعي أن تمثٍّل المعارضة القوى والشرائح المجتمعية الأخرى. في قلب تلك القوى والشًّرائح المجتمعية الأخرى من الرجال والنساء يقبع الفقراء والمهمَّشون اقتصادياً واجتماعياً، والمظلومون سياسياً وحقوقياً، والموصدة في وجوههم أبواب الفرص المتكافئة في مجالات التعليم والصحًّة والإسكان والعمل وغيرها.
المعارضة إذن يجب أن ترسٍّخ في أذهان أعضائها ومناصريها وعياً عميقاً وإيماناً لا يتزعزع بمهمٍّتها الاجتماعية ـ السياسية تلك، تلك المهمًّة التي ستبقى مفصليٍّة في حياة الشعوب، ومن بينها شعوب أمًّة العرب، إلى حين حدوث تغييرات كبرى في تركيبة ووظائف ومرجعية سلطات الحكم. من خلال هذا الفهم لن يكون هناك قنوط، بل تجديد للعزم والإرادة لطيٍّ صفحة الانتخابات مؤقًّتاً والانتقال إلى مجالات نضالية أخرى، وما أكثرها، للدُّفاع عن حقوق قوى وشرائح المجتمع التي تدًّعي المعارضة بأنها تمثٍّلها.
لكن قبل الإنتقال إلى مسؤولياتها الأخرى ينبغي أن تطرح المعارضة على نفسها سؤالاً يتعلق بعدم فوزها في الانتخابات وتجيب عليه بصدق وموضوعية السؤال هو: هل أظهرت نتائج الانتخابات، إضافة لمواضيع من مثل التدخٌّلات وشراء الذمم، حاجة المعارضة لإجراء تغييرات في خطابها السياسي والاقتصادي والاجتماعي وحاجة لإجراء تعديلات جوهرية في طرائق عملها وفي علاقاتها مع الناس وفي آلياتها التنظيمية ؟ الإجابة على هذا السؤال ليست فقط ضرورية للنجاح في الانتخابات المستقبلية، وإنًّما أيضاً للتأكًّد من أنها بالفعل قادرة في عملها اليومي طيلة السنة على تجسيد مصالح القوى والشرائح التي تدًّعي تمثيلها، نضالاً وتوعية وتثقيفاً وتجييشاً وتحالفات وتوسًّعٍا أفقيا في العضوية والأنصار. ومن المهم أن لا يقتصر نشاط المعارضة على السياسة، بل يشمل أيضاً النشاطات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والإعلامية والشبابية والنسائية والرياضية حتى ولو لم تكن لها أية تأثيرات على المجال السياسي العام. إن الناس يجب أن يشعروا بأن المعارضة تهتم أيضاً بالأمور التي تخصُّهم هم كأفراد وكجماعات محليًّة وليس فقط التي تخّص المجتمع ككل.
إضافة إلى كل ما سبق ذكره تحتاج المعارضة العربية أن تذكٍّر نفسها بأنها تختلف عن مثيلتها في دول الغرب الديمقراطية. في الغرب، حيث حسمت الأسس التي تقوم عليها الدولة وحسمت شرعية الحكم، وتوافق الجميع على هوية الأمة، واستقرًّت المرجعية الدَّستورية كضابط لحياة المجتمع، أصبحت المعارضة توصف بالمعارضة الموالية وأصبح تبادل السلطة من خلال العملية الانتخابية لا يؤدٍّي إلى أكثر من تغييرات تفصيليًّة محدودة في البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهناك توجًّه في الغرب إلى اعتبار المعارضة جزءا من مؤسسة الحكم وظيفتها أن تمارس النقد والتوازن وتتدرًّب لإستلام سلطة الحكم في المستقبل. أما المعارضة العربية فإنها تحمل مسؤولية تاريخية أثقل وتتعامل مع وضع مجتمعي لم تستقر أسسه بعد. المعارضة العربية لاتزال تناضل في سبيل قضايا كبرى من مثل أسس الدولة ونظامها الحياتي، وقضية وحدة الأمة في وطن واحد، ومرجعية الأمة الحاكمة لكل مرجعيًّاتها الأخرى والشرعية بكل أنواعها. وهي لاتقل أهميًّة عن السُّلطة الرابعة، أي سلطة الإعلام، في مراقبتها ومحاسبتها للأداء الحكومي. وهي تحمل العبء الأكبر في تصدٍّيها للمشروع الأمريكي ـ الصهيوني الاستعماري ولمشاريع الإمعان في تجزئة الأمًّة. وعليه فانًّها، بعكس المعارضة عند الأمم الموحًّدة المستقلًّة ذات الأنظمة الديمقراطية المستقرًّة، لا تختلف مع سلطات الحكم حول هذا البرنامج الفرعي أو ذاك وإنًّما حول الأسس والإيديولوجيات التي تقوم عليها الدولة. إنها إذن تناضل من أجل تغييرات كبرى، وبالتالي فانًّ عدم وصولها للمنبر البرلماني ليس أكثر من خسارة صغيرة في معركة ملحميًّة كبرى.
وأخيراً دعنا نذكٍّر بان كسب الانتخابات في بلاد العرب هي، كما عبًّر عنها الصحافي الأمريكي فرانكلن آدمز، نتيجة لتصويت أغلب الناخبين ضدًّ أحدهم وليس من أجل أحدهم، وأننا مازلنا بعيدين عن اليوم الذي يفاخر فيه مسؤول كبير، كما فعل رئيس وزراء بريطانيا بنيامين دزرائيلي منذ قرنين، من أن 'لا حكومة تستطيع الشعور بالأمان دون وجود معارضة قوية'. الطريق طويل والأفق بعيد.
القدس العربي
4 نوفمبر 2010  

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro