English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

محاربة الإرهاب... مدخل بناء (2 - 2)
القسم : سياسي

| |
عبيدلي العبيدلي 2010-10-14 08:18:28


تأسيساً على ذلك، ومن أجل مغادرة المدخل السلبي المضر لمكافحة أي شكل من أشكال الإرهاب، يمكن تحديد المعالم الرئيسية للمدخل الإيجابي البناء لمحاربة الإرهاب في النقاط التالية:
1. وقف الأسباب التي تقود إلى تفريخ الإرهاب، وزرع بذوره، سياسية كانت تلك الأسباب أم اجتماعية. ففي غياب سياسة واضحة لتشخيص تلك الأسباب، والوصول إلى جذورها، ستبقى المعالجة محصورة، سطحياً في الأعراض، دون الوصول إلى لب المشكلة وجوهرها، ومن ثم فلن يتجاوز دور برامج المعالجة تأثير المخدرات التي قد توقف الألم، لكنها لا تستأصل الداء.
2. الاتفاق على مفهوم الإرهاب، وتحديد معالمه من الناحيتين السياسية والقانونية على حد سواء، إذ لا يكفي الوقوف عند تخوم النصوص القانونية، وهي متوافرة، كما أشرنا في الحلقة الأولى من هذه المقالة، في الكثير من وثائق المنظمات الحقوقية العالمية والإقليمية. ما هو مهم هنا هو التوصل إلى صيغة اتفاق بين الأطراف المتصارعة حول مفهومها المشترك، والمستند، بطبيعة الحال، إلى خلفية قانونية، للإرهاب. وهنا أيضاً، لابد من التأكيد على ضرورة التمييز بين «التجاوزات السياسية» التي قد ترتكبها هذه الفئة أو تلك، بما فيها المعارضة، والتي قد تتلقى جراءها بعض العقوبات القضائية، لكن دون أن تصل تلك العقوبات إلى تلك التي تنص عليها المواد المتعلقة بــ «جرائم الإرهاب».
3. تطبيق القوانين، وضمان سيادة مواد الدستور، إذ لا يحق لأي من الأطراف السياسية تجاوز أي منهما، والدعوة هنا للتطبيق الشمولي على المستويين الموضوعي، من حيث تطبيق مادة العقاب المعنية على من يقوم بالمخالفة، وعلى المستوى الزمني، حيث يخضع من تثبت إدانته بارتكاب «جرائم إرهابية» لما يستحق من عقاب، دونما أي تدخل، غير قانوني، يبرئ ذمته، أو يخفف عنه كما جاء في مادة تلك العقوبة.
هذا التقيد بالدستور والقوانين المبنية عليه، مطلوب الالتزام به من قبل أطراف الصراع كافة، بمن فيهم السلطة التنفيذية، إذ لابد لها من إعطاء من هم متهمون بارتكاب «جرائم الإرهاب»، حقوقهم الكاملة التي تعينهم على نفي التهمة عن أنفسهم، بطرق سلمية وفي نطاق القوانين المعمول بها. وبالمقابل ليس من حق من ثبتت إدانته الاستعانة بالطرق الملتوية، بحثاً عن عفو هنا أو مكرمة هناك، مستغلاً في ذلك علاقات طائفية أو اجتماعية تنقذه بشكل خاطئ من جريمة ارتكبها بحق وطنه البحرين.
4. التحري الدقيق للوصول إلى الأفراد، أو الفئات التي تمارس «الإرهاب»، بوعي وعن سبق إصرار، وينبغي هنا تحاشي «قذف» الأبرياء، وإلصاق تهم «الإرهاب» بهم قبل توافر الأدلة الكافية لإدانتهم، سياسية كانت تلك الإدانة أم قانونية. والمقصود بالتحري هنا هو تحاشي ممارسة أي شكل من أشكال القمع غير المبرر تحت طائلة تصورات وهمية تخلقها بعض أجهزة السلطة التنفيذية، من أجل «شرعنة» سياساتها غير المستندة إلى قرائن ملموسة.
5. عقلنة الإعلام، فليس خافياً على أحد ذلك الدور الذي يمارسه الإعلام في تكوين الرأي العام حول قضية معينة، وفي الاتجاه الذي تقرره الجهات القائمة على محركات الإعلام وآلاته.
ولابد من التمييز هنا بين العقلنة والمراقبة، فليس المطلوب في هذه الحالة إعادة العمل بمواد «قانون أمن الدولة»، بحيث تخضع المؤسسات الإعلامية العاملة في البحرين، بما فيها تلك التابعة للدولة لأجهزة رقابية صارمة تفقدها الكثير من المرونة التي تحتاج إليها. لكن بالقدر ذاته، وخاصة عند الحديث عن الإعلام الرسمي، لابد من توافر مقاييس العقلنة تلك التي تحول المادة الإعلامية المبثوثة، مرئية كانت أم مسموعة، إلى أحد مكونات نسيج الخطط التنموية المرسومة لتطوير البحرين.
6. الثقة المتبادلة بين المواطن والكتل من جهة والتي تُعبّر عن مصالحه، اقتصادية كانت أم مهنية، وبين الدولة بمؤسساتها وأجهزتها المختلفة. فمتى ما تفشى الشك بين الدولة والمواطن، وخاصة عندما ينتشر ذلك الشك في اتجاهين متزامنين، بمعنى يفقد الاثنان، الدولة والمواطن، الثقة في بعضهما البعض، يتحول المجتمع إلى مستنقع تنتعش فيه طحالب «الإشاعات الضارة»، وبؤرة تتوالد فيها «إميبيات» تبادل التهم، التي تتطور، وبشكل تدريجي، إلى أن تصل إلى مستوى متقدم، تصبح فيه تلك «الطحالب» و «الجراثيم» بمثابة الرافعة التي تتحكم في حركة للعلاقات التي تسير المجتمع، وترسم أطر العلاقات بين فئاته ومؤسسساته.
7. تعزيز دور منظمات المجتمع المدني، التي تبقى في نهاية المطاف، وعندما يتم تأسيسها وفق مقاييس حضارية متطورة وراقية، بمثابة صمامات الأمان التي تحمي المؤسسات الدستورية والمهنية من تسلط الدولة من جهة، وفي الوقت ذاته تتحول إلى ما يشبه السياج الحصين الذي يحيط بمصالح المواطن، ويحول دون الإمعان في تسييسها بشكل مفتعل، وغير «قانوني» من قبل المعارضة السياسية. رويداً رويداً، تتحول، بفضل ذلك التأسيس الراقي المتحضر، مؤسسات المجتمع المدني، إلى خلايا حية، تمتلك مقومات النمو والتطور الذي يؤسس لمجتمع المملكة الدستورية الذي يدعو له مشروع الإصلاح السياسي.
كل هذه الخطوات تبقى «طروحات نظرية» وغير قابلة للتطبيق، ما لم تقف وراءها قوى سياسية تؤمن بها، وتعمل على تنفيذها، وتدافع عنها ضد أية قوة، مهما كانت ادعاءاتها، تحاول أن تنال منها أو تسعى لإجهاضها.
قد تبدو هذه المهمة مستحيلة عندما ينظر لها من الخارج، أو من مصالح فئوية ضيقة الأفق قصيرة المدى. لكنها، ومهما بلغت صعوبتها، فهي ليست مستحيلة، عندما تدرك القوى المتصارعة اليوم، والتي تتقاذف تهم الإرهاب دونما توقف، مدى الدمار الذي تلحقه، بنفسها، وبمختلف فئات المجتمع الأخرى من جهة، وقواها السياسية الناهضة من جهة ثانية.
وما لم يتم ذلك، فليس هناك من يستطيع أن يوقف النزف الذي نعاني منه اليوم، من جراء حديث لا يكف عن «إرهاب» مبهم لا نعرف أسبابه، ولا نفقه في كيفية وضع حدٍّ له.
 
الوسط - 13 اكتوبر 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro