English

 الكاتب:

عبيدلي العبيدلي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

أضرار الانسحابات من الانتخابات
القسم : سياسي

| |
عبيدلي العبيدلي 2010-10-07 09:25:44


ظاهرة جديدة بدأت تنتشر في الأجواء الانتخابية البرلمانية والبلدية على حد سواء هي الانسحاب من حلبة التنافس من مرشح.
الغرابة التي تثيرها هذه الظاهرة أنها تتم في صمت، ودون أن يصاحبها أي مبررات سياسية أو حتى شخصية. وأخطر من ذلك هو التقبل الذي باتت تحظى به في صفوف المنتخبين والمترشحين على حد سواء. كان يمكن أن ينظر لظاهرة الانسحابات على أنها طبيعية، لو أن عدد المنسحبين لم يبلغ خمسة من الانتخابات النيابية، واثنان من البلدية، لكن والحالة كذلك، فهناك ما يستدعي التوقف عندها، وخاصة أن الانسحابات تأتي من وجوه جديدة، ولصالح الأخرى القديمة التي أمضى البعض منها أكثر من دورة انتخابية.
يمكن حصر مبررات الانسحابات، مستثنين من ذلك تلك الشخصية والفردية، في مجموعة من الأسباب، نرى أن أكثرها أهمية، وثباتاً هي:
1. التعويضات المالية، التي قد يعرضها المرشح الطامح للفوز بالمقعد النيابي على منافسه، وهي تحقق مصلحة للطرفين، خاصة عندما يتنافس على أصوات الدائرة المعنية مرشحان فقط. حينها ينال المنسحب مبلغاً من المال وقدره، ويفوز الآخر بالمنصب دون الحاجة لخوض العملية الانتخابية وتحمل أكلافها المالية.
محصلة ذلك، بطبيعة الحال، مبلغ إضافي للمنسحب، الذي يكون في الوقت ذاته قد وفر أيضاً تكاليف حملته الانتخابية. مقابل ذلك تحمل المنافس الباقي في الساحة تلك الدفعة فقط، والتي لن تبلغ، مهما كانت قيمتها، تكاليف تمويل حملة انتخابية تبلغ أضعاف المبلغ المدفوع للمنافس المنسحب، بما في ذلك تلك الساعات التي يضطر فيها المرشح «الصامد» إلى الجلوس في خيمته، وفتح حوارات مع من يريد ضمان أصواتهم. هذه الحالة تنطبق فقط على من ينسحب، خشية عدم الفوز أمام منافس له حضوره في صفوف منتخبي الدائرة المعنية.
2. أوامر من جهات معينة، فهناك خلايا صامتة ومتأهبة لها مصلحة في بقاء تركيبة المجلس على النحو التي هي عليه، فذلك يؤمن لها استمرار العمل بالمعادلة السياسية الراهنة التي تحول المجلس النيابي إلى مؤسسة مشلولة، عند الحاجة لذلك، وأمام المنعطفات الحادة.
هذه الجهات، لا تريد أن تباغتها نتائج الانتخابات بصيغة جديدة، فيها أرقام صعبة، يصعب عليها التعاون معها. ومن يتابع مسيرة المجلس النيابي منذ تأسيسه، وحتى اليوم، لا يمكنه إلا أن يتلمس بصمات تلك الجهات في تلك المنعطفات التي نتحدث عنها.
3. حداثة التجربة البرلمانية، فمهما قيل عن غنى التجربة السياسية للمعارضة البحرينية، لكن ذلك الغنى، وحتى لحظة تدشين المشروع محصور، وإلى حد بعيد، في العمل السري، بفضل مواد «قانون أمن الدولة». هذه الحداثة مصدرها الأساسي قصر فترة ممارسة العمل العلني الشرعي، الذي لم يكمل عقده الأول، ومن ثم فمن غير المتوقع أن ترقى العلاقات بين المتنافسين إلى تلك التي نراها في دول أخرى لها تجربة غنية في هذا المجال، تنعكس مباشرة في سلوكهما أبان الفترة الانتخابية، وتتبلور في إطار علاققات معقدة تجعل من الصعب على أي منهم الانسحاب على النحو الذي يتم فيه في البحرين.
بعد تشخيص الأسباب، ننتقل إلى مضار مثل هذه الظاهرة وانعكاساتها السلبية على مجريات الحياة السياسية البحرينية بشكل عام، وفي إطارها البرلماني، وفي نطاقها الخاص. ويمكن تحديد أهم الأضرار في النقاط التالية:
1. تكريس ذهنية الولاء للفرد بدلاً عن الدفاع عن البرنامج، إذ تغرس عقلية فوز البرلمانيين، ولفترات متعاقبة ومتكررة بكراسي البرلمان، عميقاً في أذهان الناخبين مقولة «اللي تعرفه أفضل من الذي لا تعرفه»، ومن ثم تنحرف أصوات الناخبين من الاختيار الذكي المسئول القائم على قراءة البرامج المختلفة، إلى ذلك الانتخاب المنطلق من ولاء سلبي، محاولاً الاستمرار فيما هو سائد، بشعور متنامٍ بأن ليس هناك ما يستدعي التغيير.
2. تغييب حضور، ومن ثم تقليص دور، المرشحين الشباب، فحتى هذه اللحظة لم نشهد انسحابا من «مرشح شيخ» لصالح منافس «شاب». فما يحصل هو العكس من ذلك تماماً. هذا يعني حرمان المواطن المنتخب (بكسر الخاء) من إمكانية إيصال رموز شابة إلى قبة البرلمان، الذي سيحرم هو الآخر من عضوية تلك الدماء الجديدة، وستتحول ردهات البرلمان «المنتخب»، إلى ما يشبه قاعات المتاحف التاريخية التي تتحدث عن تاريخ شعب ما، دون أن تكون هناك أية لوحة تشير نحو المستقبل.
3. تنمية عقلية الاحتكار القبلي، حيث تتحول الجمعيات السياسية، بوعي أو بدون وعي، إلى قبائل «معاصرة»، رؤساؤها هم شيوخ القبائل الجدد، ومجلس إداراتها، هم أيضاً «وجهاء القبيلة وأعيانها». هذه العقلية، ترفض موضوعياً التغيير، وتقف عقبة حقيقية أمام كل مساعي استبدال الوجوه القديمة، بأخرى جديدة، قد تكون أكثر كفاءة منها، وأكثر رغبة في العطاء، وقدرة على إجراء التغيير المطلوب لتطوير المجتمع، ومن قبله البرلمان ذاته.
تبقى هناك مسألة ينبغي التأكيد عليها هنا، وهي أن معالجة قضية الانسحابات، لا يرمى من ورائها توجيه الاتهمات لأحد، أو النيل من صدقية هذا المرشح أو ذاك، بقدر ما كان الهدف من وراء تناولها، معالجتها كظاهرة ينبغي التصدي لها، والعمل من أجل الحيلولة دون انتشارها، وترسخ قيمها. فمتى ما تم ذلك يصبح عملية وضع حد لها مهمة صعبة ومعقدة، ومن هنا تأتي ضرورة محاربتها، وهي ما تزال صبية في المهد، قبل أن تشب عن الطوق، وتتحول إلى ظاهرة سياسية مقبولة، وعلى الجميع القبول بها، وممارسة حقه الانتخابي ضمن قوانيها، ووفقاً لشروطها.
 
الوسط - 7 اكتوبر 2010

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro