English

 الكاتب:

عزمي بشارة

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

محاولة في الإجابة عن سؤال ما العمل؟: نحو مشروع عربيّ ديمقراطيّ
القسم : شؤون عربية

| |
عزمي بشارة 2010-10-02 09:15:40


ارتبط مصيرُ الشعوب والمجتمعات العربيّة منذ بداية العصر الحديث بمدى قدرتها على تقبُّل مهمّاتِ هذا العصر وتحدّياته، واستعدادِها لمواجهة التحدّيات هذه بمشروع بناء الأمّة دولةً واقتصادًا ومؤسّساتٍ من جهة، وارتباطِها بثقافتها وحضارتها العربيّة الإسلاميّةِ وإدراكِها لذاتها ولكيانيّتها التاريخيّة من جهة أخرى، كما ترتبط بإدراك غنى التعدّديّة والتناقضات وصراع المصالح التي تضمّنتها المجتمعاتُ العربيّة في تاريخها. وترتبط مهمّة تجديد الفكر العربيّ بمشروع بناء الأمّة، وببلورة برامجَ وتحديد مطالبَ تكون مفهومةً للناس، ويمكن للناس ربطُها بمصالحهم كمواطنين ومواطناتٍ، وبالمستقبل الذي يتوَخّوه لأبنائهم.
لا شكّ في أنّ غيابَ مفهوم الحقوق والضمانات الاجتماعيّة، مثل الحقّ في التعليم والتأمين الطبّيّ والمسكن اللائق، وغيابَ التعامل من قِبل المؤسّسات الحاكمة مع المواطن على أساس مواطنته وبمعاييرَ محدّدة ومعروفة مثل الحقوقِ والواجباتِ والكفاءاتِ داخل المؤسّسات وتوسّعَ الفجوةِ الطبقيّةِ مع ضمور الطبقة الوسطى وتغيّر وظيفتها نتيجةً للاقتصاد الريعيّ، وتقييدَ الحريّات السياسيّة، ومسألةَ الهويّة العربيّة في مواجهة التفتّتِ العشائريِّ والطائفيِّ... كلّها قضايا مترابطةٌ تتعلّق بحياة البشر اليوميّة وبمستقبل أبنائهم.
من العبث طرحُ أيِّ مشروعٍ سياسيٍّ لا يتعامل مع قضايا المواطن العينيّة هذه ولا يحدِّد موقفًا منها؛ فلقد أصبح النجاحُ في طرح قضايا الوحدة العربيّة وبناء الأمّة مرتبطًا بمدى تفاعلها مع قضايا المواطن العربيّ وخدمتها لمصالحه. كما تشكِّلُ مسألةُ التبعيّة للاستعمار سياسيًا واقتصاديًا، بل وأمنيًا أيضًا ـ إلى درجة تحالف النخب الحاكمة معه ضدّ حقوق شعوبها، قضيّةً تواجه الأمّةَ جمعاء، لا دولةً قطْريّةً بعينها: فهي نابعة من تجزئة هذه الأمّة، وتصبُّ في تخلِّف اقتصادها ومؤسّساتها السياسيّة والاجتماعيّة. كذلك فإنّ الصراع العربيّ مع إسرائيل، ككيانٍ استعماريٍّ استيطانيٍّ في قلب المنطقة، هو قضيّةُ الأمّة، لا مسألة تضامنٍ مع الفلسطينيين، ولا هي قضيّة الفلسطينيين، أو للدقّة، ليست "مشكلتهم" التي ينبغي أن يتعاملوا معها وأن يتدبّروا أمرَهم بشأنها.
وما يصحّ بشأن فلسطينَ يصحُّ بشأن العراق وبشأن كلِّ أرضٍ عربيّةٍ محتلّةٍ نتيجةً للعجز العربيّ في الدفاع عن تكامل هذا الوطن، أو نتيجةً لتواطؤ دولةٍ عربيّةٍ ضدّ دولةٍ عربيّةٍ أو شعبٍ عربيٍّ آخر. كلّ أرضٍ عربيّةٍ محتلّةٍ هي قضيّة العرب، ومركزيّةُ فلسطين نابعةٌ من أنّها عنصرٌ مكوِّنٌ أساسيٌّ في الهويّة والوعي العربيَّين، ولأنّ استعمارها استيطانيٌّ يرمي إلى الديمومة ويُعاد تصميمُ المنطقة على قياسه، ولأنّ كيفيّة التعامل معها حدّدَتْ إلى مدًى بعيدٍ نمطَ تعامل العرب مع أنفسهم ومع العالم.
إنّ النظام السياسيّ العاجز عن الدفاع عن حقوق المواطن وكرامته هو نفسه النظامُ العاجزُ عن الدفاع عن الوطن العربيّ، والرافضُ للانضواء في إطارٍ مفهومٍ للأمن القوميّ العربيّ. إنّه النظام السياسيّ الرسميّ العربيّ الذي لا يعترف أصلاً بالوطن العربيّ، مفهومًا وممارسةً، إلاّ لأغراض التحريض الطائفيّ والمذهبيّ.
هنالك علاقةٌ جدليّةٌ بين التحرّر العربيّ والتحرير: فلا يُقَدَّمُ أحدُهما على الآخر آليًا، ولا تُؤَجَّل مهمّةٌ تاريخيّةٌ انتظارًا لأخرى. ويشكِّل كلُّ تطوّرٍ اقتصاديٍّ سياسيٍّ اجتماعيٍّ على الساحة العربيّة دفعًا لقضيّة التحرير، إذا كان مرتبطًا بأجنداتٍ وطنيّةٍ لا بمعايير الاستعمار. ويساهم كلُّ إنجازٍ في الصراع ضدّ الاستعمار الاستيطانيّ لفلسطين، أو ضدّ احتلال مناطقَ عربيّةٍ أخرى، في تعزيز نزعة التحرّر العربيّة من التخلّف ومن قيود الاستبداد. طبعًا، قد تلتقي المصالحُ الوطنيّة أحيانًا مع السياسة الخارجيّة لنظامٍ بعينه، ولكنْ ـ من حيث المبدأ ـ لا يمكن أن نتوقّع من نظام يضطهد شعبَه أن يَحمل خيرًا لشعبٍ آخر.
وقضيّة الاستتباع الثقافيّ للاستعمار هي تحصيلٌ حاصلٌ لغياب مشروعٍ حضاريٍّ ثقافيٍّ للأمّة يرافق عمليّةَ بنائها وإعادة إنتاجها، رغم توافر الكفاءات والمواهب الفرديّة، ورغم توافر التعدديّة الدينيّة والثقافيّة والإثنيّة والعمق الحضاريّ ـ وكلُّها عواملُ مساعِدةٌ تُغْني عمليّةَ الإبداع العلميّ والأدبيّ والفنّيّ. ولكنّ الاستتباع السياسيّ والاقتصاديّ والثقافيّ يحوِّلُ العربَ من منتجي ثقافةٍ ومعارفَ وعلومٍ إلى مجرّد مستهلكين. وبدلَ التفاعل المتكافئ المطلوب، تنشأ تبعيّة للقشور والمظاهر إلى درجةٍ تحوِّلُ الدولَ الغربيّةَ الرأسماليّة المتطورة إلى الحاكم والحَكَم، لا في شؤون السياسة والأمن والاقتصاد فحسب، بل في شؤون الثقافة أيضًا (ليس المقصودُ هنا، طبعًا، الغربَ المبدع، الذي لا بدّ من التفاعل معه علميًا وثقافيًا، بل الغرب الذي يولِّي نفسَه وصيًا).
ويُفترض بأيِّ مشروعٍ عربيٍّ ديمقراطيٍّ مُقبلٍ أن يتحلّى بالواقعيّة والعقلانيّة، ولكنّها واقعيّةٌ من أجل تغيير الواقع لا من أجل تكريسه. كما يُفترض أن يتمتّع بالثوريّة النقديّة من أجل ترشيد الحلم وعقلنته وأنسنته، حتّى لا يتحوّل إلى طوبى غاضبةٍ أو تقريعيّةٍ أو تبشيريّةٍ عابرة ـ ونقول "عابرة" لأنّها سرعان ما تتحوّل من إيديولوجيّة شموليّة إلى انحلال شامل. وهذا الموقف من إحلال المشروع العقلانيّ محلَّ الوعظ الأخلاقيّ ليس موقفًا سلبيًا من الأخلاق والأحكام القيميّة؛ إذ يجب ألاّ تَحِلَّ الواقعيّةُ والعقلانيّةُ المطلوبتان مكانَ الموقف القيميّ من الظلم ـ فلا شيءَ يعوِّض من الموقف القِيَميّ المطلوب توافرُه وتعميمُ ثقافته ضدّ الظلم والعنصريّة والاستغلال والفساد والاستبداد.
الأقدام ثابتةٌ على الأرض؛ ولكنّ الأقدام وحدها على الأرض، لا الصدورَ ولا الرؤوس، وإلاّ تحوَّلْنا إلى زواحف. والرأس في السماء؛ ولكنّ الرأسَ وحده في السماء، لا الأقدامَ، وإلاّ حلّقنا كالطيور. والطيور ليست حرّةً، بل هي كالزواحفِ مُسَيَّرةٌ بغرائزها وبالضرورات الطبيعيّة، حتى حين تمارسها في الفضاء. وحده الإنسان أُهِّلَ لأن يمشي منتصبًا مُحرَّرَ اليدين، وأن يفكِّر بحريّةِ تتيح له صنعَ خياراته الأخلاقيّة. والحريّة والواقعيّة النقديّة خياران متلازمان، شرطُهما الإنسانيّةُ الواقعةُ بين السماء والأرض.
الحريّة هي شرطُ الخيار الأخلاقيّ. ولا حريّةَ حين يُستعبد المرءُ طوال حياته من أجل تحصيل لقمة العيش أو البحث عن السقف الذي يؤويه، ولا يمكنه تأمينُ العلاج لأطفاله. الحقوق الاجتماعيّة والمساواة في الحقوق هي من شروط ممارسة الحريّات السياسيّة، خلافًا لمحض توفّرها في المجتمع الحديث.
ومن ناحيةٍ أخرى ثَبَتَ أنّ تأمين الحقوق الاجتماعيّة من دون حريّةٍ هو أمرٌ عابرٌ وموقّتٌ في أفضل الحالات. فقد ثَبَتَ أنْ لا ضمان لحقوق المواطن الاجتماعيّة من دون ديمقراطيّة. وثَبَتَ أنّ دولة العدالة الاجتماعيّة من دون ديمقراطيّة تتحوّل إلى رأس مال دولةٍ بيروقراطيٍّ وفاسدٍ لا رقابةَ عليه، ولا يلبث أن يتحوّل إلى أسوإ أشكال الرأسماليّة في العلاقة بالمواطن. وثَبَتَ أنْ لا أخلاق ولا حريّة ولا مساواة خارج سياقٍ ثقافيٍّ وسياسيٍّ سياديّ.
ومن هنا، فإنّ أيَّ مشروعٍ عربيٍّ ديمقراطيٍّ يجب أن يستفيد من العناصر التي تبقى من الفكر الديموقراطيّ، وفكرِ اليسار، والقوميّةِ العربيّة، ومن كلِّ ما هو إنسانيٌّ في التجربة والحضارة الإسلاميّة. ويجب أن يتخلّصَ ممّا آن الأوانُ للتخلّص منه بعد الاستفادة من نجاحات الماضي وإخفاقاته. وهذا ما تشترطه عروبتُنا الإنسانيّةُ الديمقراطيّة، ومشروعُنا العربيّ الديمقراطيّ المطلوب.
الدولة العربيّة
يبدو أنّه ما إنِ استقرّت الدولُ العربيّةُ القطْريّة مع نهاية عصر الانقلابات، وجمد الحراكُ السياسيّ والطبقيّ اللذان رافقاها؛ وما إنْ جَرَتْ مراجعةُ حالات التصنيع والتحديث بواسطة الدولة والقطاع العامّ؛ حتّى راحت تتّجه جميعًا نحو الاشتراك في السمات التالية:
أ. غلبة الاقتصاد الريعيّ على الاقتصاد المنتِج. ب. ضمور الطبقة الوسطى التي نشأتْ في المدينة وقادت عمليّة البناء بعد الاستقلال. ج. القضاء على إرثٍ من التعدّديّة الحزبيّة، وعلى بقايا الحريّات المكتَسبة من مرحلة النضال ضدّ الاستعمار، ومن المرحلة الليبراليّة بين الحربين في القرن الماضي، ومن بدايات مرحلة ما بعد الاستقلال. د. التوجّه نحو تحالف البرجوازيّة الناشئة في مجالات الخدمات والبناء والتجارة والوكالات، مع المسؤولين وأقاربهم ومحاسيبهم، ورجالات الأمن والسياسة، في "كارتِل" حاكم. نشأ هذا النوعُ من "الكارتِل" عن البنية الاقتصاديّة الاجتماعيّة، التي تَجْمع بين الأمن والسياسة والإثراء السريع لدى فئاتٍ اجتماعيّةٍ متقاربة، ونجمَ عن الفراغ السياسيّ وتفريغ الحيّز العامّ اللذين خَلَّفهما قمعُ الحريّات والاستبداد.
ويكاد هذا التحالفُ يَحكم الدولَ العربيّة كافّةً، المَلَكيّة التي تقوم أصلاً على شرعيّة الأسرة الحاكمة والبنى التقليديّة للمجتمع، كما الجمهوريّات. فالملَكيّات لم تعد ملَكيّات بالمعنى الدقيق للكلمة، أيْ بمعنى حُكمِ الملك الفرد، بل هي أسرٌ حاكمةٌ يَغلب عليها نظامُ حكم الأقارب. وقد تتّسع الأسرةُ الحاكمة بحيث يتولّى أبناؤها عددًا كبيرًا من الوظائف، إلى درجة تعويق بناء المؤسّسات أكثرَ مّما يُعوّق بناءَها النظامُ الملكيُّ بتعريفه الضيّق. وبدأ هذا النمط في الحكم بالانتقال إلى الجمهوريّات.
وينسجم التحالفُ أعلاه مع فكرة الأُسَر الحاكمة وواقعها ونظام المحاسيب، أكثرَ مّما ينسجم مع الأحزاب الحاكمة ومجالس قيادة الثورة وغيرها، أكان ذلك في حالاتها الفاسدة أمْ غير الفاسدة. فالأسَر الحاكمة تشكِّل حالةً قابلةً للتنبّؤ بالنسبة إلى رأس المال. ومن هنا يتحالف هذا الكارتِل بقوّةٍ مع تحويل النظام الجمهوريّ إلى أسرٍ حاكمة، إذ يمكن التخطيطُ للعلاقة مع الأسرة في شراكة مصالح على المدى البعيد.
ينزع هذا النمطُ من ائتلاف القوى الاجتماعيّة السياسيّة السائدة إلى تحويل الفساد من استثناء (كان قائمًا دائمًا بدرجاتٍ متفاوتة) إلى نظامٍ اقتصاديٍّ بديلٍ كامل. ويقدِّمُ نظامُ الفساد بديلاً من الضرائب العائدة إلى خزينة الدولة، إذ يتجسّد في الخوّات والنسب المئويّة والشراكات لرجالات الدولة. كما يُعفي البرجوازيّةَ السريعةَ الثراءِ من الضرائب التصاعديّة، ويَربط النخبةَ السياسيّة والأمنيّة معها في وحدةِ مصير، ويؤمِّن للنخبة السياسيّة والعسكريّة مصدرَ دخلٍ لنوعٍ من الإقطاع السياسيّ ولشراء الولاءات، ويَحرم المجتمعَ من خدمات الدولة التي يُفترض أن تجبي الضرائبَ التصاعديّة بموجب الدخل لكي تتمكّنَ من تقديم الخدمات والضمانات الاجتماعيّة لذوي الدخل المحدود. كما يحوِّل الفسادُ الحقَّ البسيطَ نفسَه، في أصغر دائرة، إلى أمرٍ غير مفروغٍ منه بالنسبة إلى المواطن، إذ لا بدَّ من علاقة محسوبيّةٍ أو رشوةٍ لتحصيله عند الحاجة وفي الوقت المناسب.
لم تنجح الدولةُ العربيّةُ القطْريّة نفسُها في إقامة أيِّ نوعٍ من الوحدة العربيّة أو من التعاون البنَّاء والممأسس والطويل المدى في إطار الأمّة العربيّة. ولم تنجحْ أيضًا في بناء أمّة المواطنين على المستوى الداخليّ، أيْ على مستوى الدولة القطْريّة. ويلاحِظ المواطنُ العربيُّ بأسًى كيف تجري محاولاتٌ لتفتيت دولٍ عربيّةٍ أو تقسيمها فدراليًا، كما في حالات العراق والسودان واليمن والصومال. كما يلاحِظ تحوّلاتٍ أخرى تنمُّ عن فشل الدولة في التحوّل إلى أمّة، وعن فشل مؤسّسات الدولة في إقامة مؤسّساتٍ اجتماعيّةٍ اقتصاديّةٍ ثقافيّةٍ تستبدل المؤسّسات التقليديّة القائمة مثل العشيرة والطائفة والناحية والعائلة الممتدّة وغيرها.
وبتسييس هذه الأخيرة من جديدٍ في ظلّ فشل الدولة في تأسيس دولة المواطنين، طرأ أيضًا تغيّرٌ حادٌّ في وظيفتها التعاضديّة التكافليّة المباشرة، إذ تمَّ تشويهُ هذه الانتماءات وهذه الجماعات الأهليّة من خلال أدلجتها وتسييسها. وقد كانت في الماضي تُدْفَع لتصادرَ وظيفةَ المجتمع الأهليّ كحاجزٍ بين الفرد والدولة فتحميه من عسفها، في مرحلة قمع الأحزاب والمؤسّسات الحقوقيّة وغياب مفهوم المواطَنة. وهي حين حمَتِ المواطنَ المنتميَ إليها من عسف السلطة نسبيًا، إنّما فعلتْ ذلك مقابلَ خضوعه لها. كما شكّلتْ حاجزًا بين الأفراد، مُعوِّقةً عمليّةَ انخراطهم في مجتمعٍ وطنيٍّ من المواطنين. ولكنْ، مع تآكل مصادر شرعيّة الدولة التقليديّة والإيديولوجيّة، وتراجعِ قدرتها على تقديم الخدمات والضمانات الاجتماعيّة، بما فيها الحفاظُ على الأمن ضدّ العدوان الخارجيّ، سيطرت الجماعةُ الأهليّةُ على المجتمع والمؤسّسات في العلاقة مع الدولة ومع الجماعات الأهليّة الأخرى. وزالت حواجزُ كانت الدولة والثقافة السائدة تضعها وتعوِّق الجهودَ التي بذلتْها نخبٌ سياسيّةٌ وقياداتٌ لبعث المذهبيّة السياسيّة مستغلّةً التعدديّةَ المذهبيّةَ القائمةَ ومستثمرةً تغيُّرَ وظيفتها. وما لبثتْ هذه الكياناتُ المذهبيّةُ السياسيّة، والعشائرُ السياسيّةُ، أنْ تحوَّلتْ إلى قوًى سياسيةٍ تفتِّتُ الدولة القطْريّة. وتتجلّى نتائجُ ذلك بشكلٍ خاصٍّ في الحالات التي تَضْعف فيها الدولةُ نتيجةً لضربةٍ خارجيّة، أو نتيجةً لأزماتها الاقتصاديّة الاجتماعيّة التي تمنعها من القيام بواجبها. وقد أُطلقَ النذيرُ لجميع الدول العربيّة التي تجنّبتْ توطيدَ الانتماء للأمّة العربيّة، ولم تنجح في الوقت ذاته في بناء دولة المواطنين، بل لم تحاول أصلاً بناء انتماءٍ على أساس مجتمع المواطنين.
لقد بدا في الكثير من الحالات أنّ دولة الاستبداد، على سطوتها الظاهرة، تشكِّل قشرةً هشّةً. فحالما تتصدّع داخليًا أو تُزال بالاحتلال الخارجيّ، يعود المجتمعُ إلى بُناه التقليديّة من مرحلة ما قبل بناء الأمّة، ليكتشف بُنًى تشوّهتْ وتغيّرتْ وظيفتُها، الأمرُ الذي يؤدّي إلى صراعاتِ سيطرةٍ ونفوذٍ وإلى استحضارٍ مسيّسٍ لعمليّات ثأرٍ قديمةٍ ولغيرِها من أدوات سياسات الهويّة التي يُعاد اكتشافُها، أو تُصنَع وتُرَكَّب لكي تكون أداةَ تحشيدٍ تتجاوز المصالحَ الاقتصاديّة والاجتماعيّة وتدفع الناسَ ـ بالهويّة والغريزة ـ إلى الالتفاف حول سياسات قطاعيّة وسياسات هويّةٍ تفتيتيّة.
إعادة الاعتبار إلى مفهوم الصالح العامّ كمركزٍ للسياسة
بغضّ النظر عن الموقف من أخطاء القيادات التاريخيّة السابقة التي برزتْ بعد الاستقلال، وخصوصًا في المرحلة القوميّة، إلاّ أنّها كانت قياداتٍ جمهوريّةً حملتْ مشاريعَ عامّةً. ويكمن أحدُ أهمِّ مصادر الأزمة السياسيّة والثقافيّة والأخلاقيّة التي تعصف بالمجتمعات العربيّة حاليًا في كون القيادات السياسيّة في أيامنا تحمل مشاريعَ خاصّةً سياسيّةً واقتصاديّةً، تسخِّرُ في خدمتها أدواتٍ حزبيّةً وأمنيّةً وعشائريّةً وطائفيّةً. ولا بدّ أنْ تنحلَّ معها الأعرافُ والأخلاقُ العامّة.
ليس الصالحُ العامُّ عبارةً عن مجموع المصالح الخاصّة. ولا يؤسِّسُ الدفاعُ عن المصالح الخاصّة في حربِ الكلّ ضد الكلّ لأخلاقٍ عامّةٍ، وإنّما يؤسِّس لخيارَيْن: إمّا الاستبداد وإمّا الفوضى. وهذان هما الخياران اللذان تحاول الدولةُ العربيّةُ فرضَهما كخيارين، وبخاصّةٍ بعد أنْ تبيّنَ أنَّ موجة الإصلاح فيها اقتصرتْ على ملامسة مستوياتٍ لا تملك القرار، وبعد أنْ تبيّنَ أنّها أَجهضتْ عمليّةَ التحوّل الديمقراطيّ بواسطة انتخاباتٍ صُوَريّةٍ، وبإفسادٍ للمعارضة من خلال احتواء بعض قياداتها وأفرادها في مناصب الدولة، من دون تغيير حقيقيٍّ في طبيعة النظام الحاكم.
تقوم الأخلاقُ العامّة على وجودِ صالحٍ عامٍّ وحيِّزٍ عامّ. وخلافًا لإدارة الامتيازات المَلَكيّة والأرستقراطيّة، تقومُ السياسةُ الجمهوريّة على فصل الحيِّز العامّ عن الحيِّز الخاصّ للحكّام، بما يحافظ على كلٍّ منهما. وبالطبع، يُعاد رسمُ الحدود بين الخاصّ والعامّ في كلّ مرحلةٍ تاريخيّة.
لقد زالت في أيامنا الفوارقُ الفاصلةُ بين النظام الملكيّ المطلَق والرئاسيّ المطلَق في الوطن العربيّ، مع زوال الفاصل بين المال العامّ والخاصّ. وما مسألة توريث (أو التحضير لتوريث) الأبناء في أغلبيّة الجمهوريّات العربيّة إلا آخرُ مظاهرِ زوالِ هذا الفارق. واكتسبتْ صلة القرابة معنًى سياسيًا وباتت تُترجَم إلى نفوذٍ في الدولة. ولم تعد الجمهوريّاتُ تَفْصل ثروةَ الدولة عن حياة الزعماء الخاصّة وحاجاتها ومتطلِّباتها. وهذه العناصر الثلاثة هي باختصارٍ الفوارقَ الرئيسيّةَ المنسيّة بين الجمهوريّة، أديمقراطيّةً كانت أمْ غيرَ ديمقراطيّةٍ، والنظامِ الملكيِّ (إذا لم يكن نظامًا دستوريًا): 1. تعتمد الجمهوريّة على مبدإ سيادة الشعب لا على شرعيّة التوريث القائم على حكم السلالة أو الأسرة. 2. وهي تقوم على تصوّر الصالح العامّ والإرادة العامّة. 3. وهي تفصل بين الحيِّز العامّ والخاصّ، سواءٌ كان ذلك من ناحية العلاقات الخاصّة للزعامة السياسيّة أو من ناحية الثروة.
يعيش في بلادنا، بالإضافة إلى زعماء الطوائف ومثقفيهم، والأجهزةِ وأقلامِها المأجورة، ناسٌ عاديّون يبحثون عن معنًى في السياسة ذاتها. وقد كانوا يجدون المعنى في خدمة الصالح العامّ نضالاً في سبيل وحدة الأمّة، أو في مشاريعِ بناءٍ يعلّقون عليها الأملَ لأبنائهم وأحفادهم تُشْعِرُهُم بالكرامة وتستحقّ أن يُضحَّى من أجلها لأنّها ليست مشاريعَ خاصّةً لهذا الزعيم أو ذاك ولأقربائه ولأنسبائه السياسيّين والعشائريّين. هذا تمايزٌ واحدٌ صغير، وهو يصنع كلَّ الفارق: إنّه تمايزٌ واحدٌ صغيرٌ يؤكِّد أهميّةَ طرح مشروعٍ سياسيٍّ ثقافيٍّ قائمٍ على الصالح العامّ.
على هذا التمايز الصغير يمكننا أن نقفَ بصلابةٍ واثقين بأنّنا هنا على حقٍّ حين نعبِّر عن رغبتنا في أنْ ننقذَ ما يمكن إنقاذُه من تلك المرحلة القوميّة بعد الاستقلال، لكي نقيمَ مشروعًا عربيًا ديمقراطيًا جديدًا.
القوميّة والعروبة
في ظلّ حالة التشرذم العربيّ، وضعفِ المقوِّمات الماديّة لبناء الأمّة العربيّة، والضربةِ القاصمةِ المتمثِّلة في التقسيم الاستعماريّ في دول بَلْوَرَتْ قياداتُها مصالحَ قطْريّةً لنفسها، عوّض التيارُ القوميُّ العربيُّ من هذا النقص بكثافة الإيديولوجيّة القوميّة وبالبعد الإرادويّ الحركيّ.
كانت هذه متطلّبات مرحلة. ولكنّها حَملتْ في طيّاتها أخطارَ تحويل القوميّة إلى إيديولوجيّة شموليّة، بدلاً من أنْ تكونَ مجرّدَ أساسٍ لبناء الأمّة والدولة ذاتِ السيادة؛ كما تضمَّنتْ في ثناياها التقليلَ من شأن مفهوم المواطَنة والحياة المدنيّة بعد الاستقلال بانتظار الوحدة العربيّة. وقد ثَبَتَ أنّ تأجيلَ المهامّ هذه إلى أن تتحقَّق الوحدةُ، حتّى حين حكمتْ أحزابٌ قوميّةٌ عربيّة، أودى بالمهمّتَين، وألحقَ الضررَ البالغَ بالتيّار القوميّ العربيّ وبعلاقاته مع التيّارات الأخرى.
نتيجةً للتطوّر التاريخيّ عام 1967، وما أضيف إليه من عواملَ إقليميّةٍ ودوليّة، تدهور المشروعُ القوميّ إلى إيديولوجيّةٍ تبريريّةٍ لأنظمةٍ مشغولةٍ بمسألة بقائها في السلطة. وتدهور في دولٍ أخرى إلى هويّةٍ سياسيّةٍ لأحزابٍ في المعارضة تنازلتْ سلفًا عن طرح مسألة وصولها إلى السلطة، وتخلَّت بالتالي عن التسييس وعن الهيمنة الثقافيّة على المجتمع، محافظةً على نوستالجيا ماضويّةٍ ممزوجةٍ بتعصّبٍ غير مفهومٍ للماضي ولمرحلة تقديس الشخصيّة والكاريزما، ومصرّةً على احتكارها للحقيقة ـ وهي سعيدةٌ بتفرُّدها وتمايزها، على الرغم من أنّ المشاريع السياسيّة لا توضع لغرض التفرّد والتميّز المتقوقع على ذاته، بل للتعميم والانتشار. ونشأ وضعٌ باتت فيه القوى الخصمُ للقوميّة العربيّة تتعامل معها كمجرّد إيديولوجية، بمعنى الوعي الزائف. وبلغ هؤلاء حدَّ إنكار وجود قوميّة عربيّة خارج إيديولوجيّة الأحزاب تصلح أساسًا لتشكّل الأمّة ـ وهو ما لا ينكرونه على شعبٍ من الشعوب، ولا حتّى على مجتمعٍ استيطانيٍّ مثل إسرائيل! وضاق الهامشُ حتّى باتَ كلّ من يعرِّف نفسَه كعربيٍّ، في نظرهم، قوميًا عربيًا، لأنّهم ينكرون على العرب مجرّدَ حقّ تعريف أنفسهم كعرب. وقد أدّى انحلالُ المشاريع القطْريّة إلى تركيباتٍ سكانيّةٍ طائفيّةٍ وعشائريّةٍ وجِهَويّة، سافرةٍ أو كامنة، وإلى تحوُّل المطابقة بين العروبة والهويّة العربيّة إلى نبوءةٍ تحقِّق ذاتَها؛ فقد بات التأكيدُ على العربيّة في وجه الطائفيّة والمذهبيّة والعشائريّة والجهويّة موقفًا عروبيًا. أنْ تكونَ عروبيًا في أيامنا يعني أن تتّخذ الهويّةَ العربيّةَ نقيضًا لتسييس الهويّات التفتيتيّة. أنْ تكون عروبيًا يعني في أيّامنا أن تكون بشكلٍ واعٍ عربيَّ الهويّة.
لقد جاء هذا التبسيطُ الحاليّ الذي قام به خصومُ القوميّة العربيّة من باب "عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم." يكاد هذا التبسيط يجعل مِن كلِّ مَن يعرِّف نفسَه على الساحة السياسيّة بأنَّه عربيّ عروبيًا. وهو، إذ يطابق بين العربيّة والعروبة، يَسمح لنا بأن نعيد صَوْغَ مفهوم العروبة. ولا بدّ من إعادة صوغه لأنّها قضيّةٌ مصيريّةٌ بالنسبة إلى الجيل الحاليّ والأجيال القادمة.
أن تكون عروبيًا يعني أنْ تُعرِّف نفسَكَ كعربيٍّ في فضاء الانتماءات السياسيّة. ليست القوميةُّ العربيّة إيديولوجيّةً شاملةً، بل هي انتماءٌ ثقافيٌّ يدّعي فيه العروبيُّ أنّه أصلحُ من الطائفة ومن العشيرة لتنظيم المجتمع الحديث في كيانٍ سياسيٍّ، وليكونَ أساسَ القوميّة. أنْ تكونَ عروبيًا يعني أنّك عربيٌّ في مواجهة الطائفيّة والمذهبيّة، وفي القناعة بضرورة التعاون والاتّحاد العربيّين وإمكانيّة تحقيقهما. ويُثبت الواقعُ البائسُ الحاليّ في الدول العربيّة أنّ هذا الانتماء أكثرُ توحيدًا لكلّ شعبٍ عربيٍّ في أيّة دولةٍ عربيّةٍ على حِدَةٍ من الانتماء القطْريّ، وهو بالتالي أضمنُ لوحدته من اختراع هويّةٍ وطنيّةٍ على أسسٍ طائفيّةٍ أو عشائريّة.
ولا يعني المشروعُ العربيّ الديمقراطيّ جعْلَ الانتماء إلى القوميّة أساسَ المواطنة، بل يعني أنّ العروبة أساسُ حقِّ تقرير المصير وبناء الدولة. فلا بدّ بعد الاستقلال من الفصل بين المواطَنة والأصلِ الإثنيّ أو الدينيّ أو القوميّ؛ ذلك أنّ الدولة تقوم على أساسٍ قوميٍّ يتلخَّص في تسييس الانتماء الثقافيّ، وعلى حقّ تقرير المصير. والقوميّة، كأساسٍ لبناء الدولة، هي أمرٌ طبيعيٌّ في الدول غير الاستيطانيّة، ولكنْ لا بدّ أنْ تقومَ علاقة الفرد بالدولة على أساس المواطنة. كما يعني المشروعُ العربيُّ الديمقراطيُّ السعيَ والتوقَ إلى تأسيس اتّحادٍ بين الدول العربيّة. وهو يسعى إلى طرح برامجَ واقعيّةٍ تدريجيّةٍ قابلةٍ للتحقيق، تقوم أساسًا على وجود مصلحةٍ للمواطن في تطبيقها.
العروبة انتماءٌ ثقافيٌّ تاريخيٌّ مُتشكِّلٌ ومُتغيِّرٌ باستمرار. وهي ليست انتماءً عرقيًا. ومن هنا فلا حدودَ لغِنى الشعوب، التي انتمت إلى العروبة لغةً وثقافةً وقوميّةً، ولا حدودَ لتنوُّعِها في النهاية. ومع ذلك بقيَ هنالك مَن يُعرِّفون أنفسَهم كَغَير عربٍ من الناحية القوميّة. ولا بدّ أنْ يُقِرَّ أيُّ مشروعٍ عربيٍّ ديمقراطيٍّ بالمواطَنة المتساوية للعرب، ولمن يُعرِّفون أنفسهم بغير عربٍ ويشكّلون كتلاً سكّانيّةً تاريخيّةً في مناطقَ محدّدة. ولا بدّ أنْ يعتَرفَ بخصوصيّة ثقافتهم ولغتهم في حال توافرها. ولا شكّ في أنّ الانفتاح العربيّ الإنسانيّ في ظروف المواطنة المتساوية من شأنه أنْ يدمجَ الجميع.
أسسٌ لا محيدَ عنها لأيِّ مشروعٍ عربيٍّ قادم
ـ إنّ العضويّة في الدولة الوطنيّة تعني المواطنة المتساوية، أكان المواطنُ عربيًّا أمْ غير عربيٍّ. أنْ تكون عروبيًا لم يعنِ، ولا يعني حاليًا بالضرورة، أنْ تكون ديمقراطيًا. بيْدَ أنّ التجربة التاريخيّة أثبتتْ أنّ نظامَ الحزب الواحد، مدعومًا بتعدّد الأجهزة الأمنيّة وتضخُّمِها وانتشارِها في جسد المجتمع، لم يحقِّقْ وحدةً، بل شَوَّهَ بنيةَ الدولة القطْريّة نفسها التي أُنشِئَتْ في مرحلة المدّ القوميّ. إنّ مَنْ يدعو إلى الوحدة العربيّة لا بدّ أنْ يستند إلى إرادة الأغلبيّة الساحقة من الأمّة. وإنّ خيرَ تعبيرٍ عن إرادة الأمّة، وأقصرَ طريقٍ لحقّ تقرير مصيرها، هو الديمقراطيّة، في حين يكمن شرطُ وجودها في حقوق المواطَنة والحريّات المدنيّة.
ويجب أن يسعى المشروعُ العربيّ الديمقراطيّ في أيامنا إلى التعبير عن إرادة الأمّة بواسطة الديمقراطيّة. وهذا لا يعني أن يدعوَ للديمقراطيّة ويبشّرَ بها كفكرةٍ، بل أنْ يكونَ صاحب برنامجٍ سياسيٍّ واجتماعيٍّ مطروحٍ على الناس كخيارٍ ديمقراطيٍّ في كلّ بلدٍ على حدة، وفيها جميعًا.
ـ لا يجوز ولا يمكن أنْ يكون المشروعُ العربيّ معاديًا للإسلام. ولا مجال للفصل بين العرب والحضارة العربيّة الإسلاميّة. وهو يشمل متديِّنين وغير متديِّنين ينهلون، معًا، من هذه الحضارة والثقافة ومصادرها نفسها، ويعتزُّون بانتمائهم إليها. ولكنّهم يتَّفقون على مشروع بناء الأمّة العربيّة، ويتَّفقون على أهميّة الإسلام دينًا وحضارةً في حياة الشعوب العربيّة. ويتّفقون أيضًا على أنّ الدولة لا تعمل بالإملاء والقَسْرِ الدينيّ، وأنّ الدين ليس بحاجةٍ إلى بطش الدولة كي يَفرضَ على الناس الإيمانَ مظهرًا أو جوهرًا. ويتَّفقون على أنّ الأحزاب السياسيّة وآراءَ البشرِ ليست مقدّسةً ولا منـزّهةً. ولا يملك أحدٌ الحقَّ بمثل هذا الادّعاء. الحزب المستنِد إلى قواعدَ دينيّةٍ هو حزبٌ سياسيٌّ له قراءتُه الخاصّةُ للإسلام وعلاقتُه بالمجتمع، وهي قراءةٌ بشريّةٌ اجتهاديّةٌ غيرُ مقدَّسة، إذ إنّ الدينَ يتّسِعُ لمختلف الاجتهادات، بما فيها المتعارضة. ومن هنا يرفض المنضوون تحت لواء هذا المشروع فكرة التكفير الدينيّ في السياسة جملةً وتفصيلاً.
ـ وكما يرفض المشروعُ العربيّ الديمقراطيّ أيَّ إملاءٍ دينيٍّ على المواطن، ويصرُّ على التعدّديّة الدينيّة وحقوق غير المسلمين كمواطنين كاملين ومتساوي الحقوق، فإنّه يرفض أيضًا الإملاءَ العلمانيّ الإيديولوجيّ، أو تحويلَ العلمانيّة إلى دينٍ بديلٍ يقسم الناسَ تقسيمًا متزمِّتًا إلى ظلاميّين ومتنوّرين، وكأنّه تقسيمٌ دينيٌّ بديل.
ليس من حقّ المتديّنين أو غير العلمانيّين في السلطة التدخّلُ في خيارات الأفراد الدينيّة. وليس من حقّهم تقييدُ حقوق أيِّ مواطنٍ بسببٍ من جنسه أو دينه، أو تديّنه أو مذهبه. فحقوق المواطنين والمواطنات، المتديّنين والمتديّنات، وغير المتديّنين وغير المتديّنات، حقوقٌ متساويةٌ يجب أنْ يَنصَّ عليها الدستورُ الذي تعمل الأحزابُ كافّةً تحت سقفه.
ـ ويجب أنْ يقومَ المشروع العربيّ في أيّامنا على العدالة الاجتماعيّة. العدالة الاجتماعيّة والحريّة وكرامة الإنسان أهدافٌ قائمةٌ بذاتها تستحقّ أنْ يناضلَ الإنسانُ من أجلها.
وأنْ يكون الإنسان عروبيًا لم يعنِ في الماضي بالضرورة أنْ يؤمنَ بالعدالة الاجتماعيّة. ولكنّ التجربة التاريخيّة أثبتتْ أن توسيعَ الهوّة بين الغنيّ والفقير يفتّتُ الأمّة، ويساهم أيضًا في التحزيب الهويّتي الطابع والتجييش الطائفيّ والعشائريّ.
وفي ظروفنا لا تُبنى أمةٌ يتلقّى أبناؤها التعليمَ بمستوياتٍ متفاوتة، ومناهجَ متنوّعة، ولغاتٍ مختلفة، في الدولة ذاتها، وذلك وفقًا لوضعهم الطبقيّ، لا وفقًا لهويّاتٍ إثنيّةٍ مختلفة، أو يتلقّى مرضاها العلاجَ طبقًا لوضعهم الطبقيّ. فلا تُترك مهامُّ كهذه لقوانين السوق، ولا بدّ للدولة من تبنّي سياسةٍ في العدالة الاجتماعيّة. لا بد إذًا في عصرنا من الجمع بين المشروع العروبيّ والديمقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة... وطبعًا يُفضَّل أنْ يكون هذا الجمعُ قِيميًا أصلاً، لا أداتيًا تُمليه الحاجة.
ـ لا يمكن أنْ تكون ديمقراطيًا في الوطن العربيّ وأنْ تكون معاديًا للعروبة، لأنّك ستجد نفسك داعيًا إلى قمع إرادة الأغلبيّة. ولا يمكن أنْ تكون ليبراليًا فعلاً ومرتبطًا بالتدخُّل الأجنبيّ، لأنّ هذا الارتباط سيقودك بالضرورة إلى التقليل من شأن قمع حريّة الأفراد وحقوقهم في مناطق النفوذ التي يَتسامح فيها الاستعمارُ مع القمع الذي يقوم به حلفاؤه. بل لا يمكنك أنْ تكونَ ليبراليًا اقتصاديًا وتدعمَ سياسات الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما في المنطقة، لأنّ هذه جميعها تساند أنظمةً تقوم على تداخل الامتيازات السياسيّة بالاقتصاديّة من خلال توزيع الوكالات كما تُوَزَّع الإقطاعيّات، ومن خلال نهب الدولة، والإثراء السريع ـ وهذا يناقض الليبراليّة الاقتصاديّة نفسَها. ولذلك نقول إنّ النيوـ ليبراليّ ليس ديموقراطيًا، بل ولا ليبراليًا، وإنما تختزله التجربة، ويَختزل هو ذاتَه، إلى مجرّد ممسوسٍ بلوثةِ عداءٍ فَقَدَ بريقَه لكلّ ما هو عربيٌّ وإسلاميٌّ، ومجرّدِ ساخرٍ سخريةَ العاجز المملّة من المقاومة والممانعة.
ـ المشروع العربيّ الديمقراطيّ يعني الرغبة في طرح الفكرة العربيّة بشكل يلتقي فيها بمصالح الناس، ويشكّل حلاً لهمومهم والقدرةَ على فعل ذلك. وليست هناك أيّةُ صعوبةٍ في شرح كيفية تأثير إلغاء التأشيرات بين الدول العربيّة في حياة الناس إيجابًا. كما ليست هناك أيّةُ صعوبةٍ في شرح ماذا يمكن أنْ يعني تنسيقُ سياسات الطاقة والبيئة والكهرباء لأمّةٍ عظيمةٍ من هذا النوع، وما وجهُ الفائدة في تنسيق السياسات الزراعيّة والغذائيّة والصناعيّة والتجاريّة، وتنسيق برامج التدريس وشروط القبول في الجامعات. وكلّ هذا قبل الحديث عن الوحدة السياسيّة.
ـ ولأنّ الاستعمار وإسرائيل قد حَدّدا موقفًا ضدّ العروبة هويّةً لشعوب المنطقة ودولها، ورَسَما موقفًا ضدّ الاتّحاد العربيّ ـ بدأ بفصل الشرق عن الغرب من خلال السطوِ المسلّحِ على فلسطين، وانتهى بالاستفراد بكلّ دولةٍ عربيّةٍ على حدةٍ في شؤون الثروة والثورة والاستراتيجيّة، وصولاً أخيرًا إلى ما يُسمّى بعمليّة السلام ـ فإنّ أيِّ مشروعٍ عربيٍّ في أيامنا لا بدّ بالضرورة من أنْ يدعم المقاومة.
ـ ثم إنه يجب التنبّهُ إلى ضرورة تقريب التيّارات الإسلاميّة المقاوِمة من الفكرة العربيّة، وترسيخِ الفكرة العربيّة في الحضارة الإسلاميّة، وتحذيرِ المقاومة من خطر المذهبيّة والطائفيّة الذي يهدّد التواصلَ بينها وبين مجمل الأمّة. ولا بدّ من التيقّظ من أنّ المقاومة ضدّ الأجنبيّ بذاتها ليست ثقافةً تحرريّةً بالضرورة، بل من حيثُ الإمكانيّة. وهي لا تعني بحدّ ذاتها برنامجًا لما بعد التحرير، ولا تبني للوحدة القوميّة بالضرورة، بل تفتح المجالَ لذلك ولطرح مثل هذه البرامج. ولكنْ، لا تكفي تحذيراتُنا هذه، بمجملها، إذا لم يمارس العروبيّون الديمقراطيّون المعارضون للطائفيّة والمذهبيّة، أصحابُ البرامج لما بعد التحرير، المقاومةَ بأنفسهم.
ـ ويجب أنْ يُدرِك أيُّ مشروعٍ عربيٍّ ديمقراطيٍّ داعمٍ للمقاومة أنَّ المقاومة تحقّق إنجازاتٍ على مستوى تحرير أراضٍ بالمعنى القطْريّ للكلمة، وتحرّر الإرادةَ في مواجهة الاستبداد والاستعمار في آن، وتحافظ على الصراع ضدّ الصهيونيّة، وتمنع إسرائيلَ من التطبيع. هذه مهمّاتٌ تاريخيّةٌ عظيمةٌ تقوم بها المقاومة. ولكنْ، لا يمكن للمقاومة الفاعلة حاليًا، حيث تَضعف الدولة العربيّة فقط، أيْ في فلسطين ولبنان، أن تَهزم المشروعَ الصهيونيّ بشكلٍ كامل؛ فهذا واجبُ العالم العربيّ دولاً وشعوبًا، لا واجبُ المقاومة فحسب.
مهامّ واقعيّةٌ تُطرح قبل تحقيق الديمقراطيّة في الطريق إلى الوحدة
يَطرح المشروعُ العربيّ الديمقراطيّ المهامَّ الواقعيّة التالية للتعاون والتنسيق بين الدول العربيّة. ولا محيدَ عن هذه المهامّ التدريجيّة في الطريق نحو الاتّحاد العربيّ الإقليميّ (أو حتّى دولة الولايات العربيّة المتحدة التي نتوق إليها والتي تعترف بالدول العربيّة القائمة وحدودها في إطار الاتّحاد الفدراليّ). وهذه المهامّ واقعيّةٌ إلى درجة أنّ الدولة العربيّة قادرةٌ على تحقيقها في وضعها الحاليّ:
1. إلغاء تأشيرات الدخول وضمان حريّة التنقُّل بين الدول العربيّة. 2. إزالة الحواجز الجمركيّة بين الدول العربيّة. 3. السعي إلى تحقيق التكامل الاقتصاديّ في سياسات الطاقة، والغذاء، والبيئة، والتجارة. 4. تطوير خطوط سكك الحديد وطرق المواصلات التي تربط بين الدول العربيّة. 5. توحيد شروط القبول في الجامعات وتنسيق مناهج التدريس بالحدّ الأدنى اللازم، والاتّفاق على منهاجٍ موحَّدٍ في تاريخ العرب وجغرافيّة الوطن العربيّ يُعدُّهُ فريقٌ من الأخصّائيّين. 6. إقامة محكمة عربيّة متّفقٍ عليها بميثاقٍ عربيٍّ ملزِمٍ للبتِّ في الخلافات العربيّة ـ العربيّة.
ويجب أنْ يترافقَ طرحُ هذه المهامّ على الرأي العامّ مع عمليّة شرح فائدتها للعمّال والفلاّحين ورجال الأعمال والمثقّفين والشباب والنساء والفئات المهمَّشة. يجب ألاّ تكون الوحدة العربيّة شعارًا، بل يجب تفصيلُها إلى مجموعةٍ من المطالب والبرامج التي يدركها المواطنُ العربيّ ويدرك أنّها في صالحه.
اللغة العربيّة والتعليم
يُفرد المشروعُ العربيّ الديمقراطيّ مكانةً خاصّةً لمسألة اللغة العربيّة والتعليم. ففي غياب الدولة الواحدة، تشمل الثقافةُ أساسَ المشتَرَكِ العربيّ، وفي مركزها اللغةُ العربيّة. ومن هنا، فإنّ ما يمكن أنْ تسمحَ به مستعمراتٌ سابقةٌ، مثل الهند، لا يمكن أنْ يسمحَ العالمُ العربيُّ لنفسه به: فالهند دولةٌ واحدةٌ يحافظ عليها الإطارُ السياسيُّ حتّى عندما يجري التدريسُ في قسمٍ كبيرٍ من مؤسّساتها باللغة الإنجليزيّة؛ أمّا في بلادنا فلا يقتصر التهديدُ بالتفتيت على استهداف الأمّة وحدها، بل يمسّ وحدةَ الدولة القطْريّة ذاتها. فلا بدّ من الحفاظ على اللغة العربيّة كلغة تدريس في المدرسة والجامعة على حدٍّ سواء.
لقد حقّقتْ دولٌ مثل كوريا واليابان، ناهيك بفرنسا وإيطاليا وإسبانيا، نهضتَها الحديثة وساهمتْ في الحضارة المعاصرة بلغتها القوميّة، لا باللغة الإنجليزيّة. وكذلك فعل الكيانُ الاستيطانيّ الإسرائيليّ؛ إذْ وحّدَ اللغةَ العبريّةَ وصهر جميعَ القوميّات في لغةٍ عبريّةٍ واحدة، هي لغة التدريس الوحيدة (لا الرئيسة فحسب) في إسرائيل.
ومن شأن الاستهتار باللغة العربيّة، وبخاصّةٍ من قِبل النخب الاقتصاديّة والسياسيّة من خلال إنشاء مدارسَ خاصّةٍ تدرِّس بالانجليزيّة، أنْ يحوِّلَ الفجواتِ الطبقيّة والاقتصاديّة إلى تنافرٍ ثقافيٍّ وسياسيٍّ ضمن أفراد الشعب الواحد. كما أنه يؤدّي إلى اغتراب الطبقات ثقافيًا، لا سياسيًا واقتصاديًا فحسب، ويحُول دون تطوّر اللغة العربيّة ذاتها.
إنّ الاعتقاد بالتخلّي عن اللغة القوميّة لصالح غيرها، في التدريس وفي التعامل اليوميّ عند بعض الفئات الاجتماعيّة، يُفقدُ الأمّةَ طريقَ التطوّر الأكيد نحو المعاصرة والحداثة، ليُحِلَّ محلَّها فقدانَ الهويّةِ من دون اكتساب أخرى، فتخرج نخبٌ هجينةٌ، لا هي عربيّة ولا هي إنجليزيّة، بل مقلِّدةٌ مستهلِكةٌ تحاكي غيرَها من دون إبداعٍ.
على أنه لا بدّ في عصرنا من تمكين الطالب من اللغة الإنجليزيّة، وذلك من أجل التفاعل مع العالم المعاصر علميًا واقتصاديًا. ولكنّ لغة التدريس يجب أن تكون عربيّة.
وتحتاج قضيّةُ التعليم العالي إلى اهتمامٍ خاصٍّ متعلّقٍ بوضع ميزانيّاتٍ عربيّةٍ لمجلس تعليم عالٍ مشتركٍ لدعم التعليم الجامعيّ ومواءمته مع المستوى العالميّ من حيث الأبحاث والميزانيّات، بشكلٍ يوزِّع المشاريعَ بناءً على توافر الكفاءات في الدول العربيّة المختلفة.
ولا بدّ من التأكيد أنّ مهمّة التعليم هي مهمّة الدولة. ويمكن تشجيعُ تعدّديّةٍ ما بواسطة المؤسّسات الأهليّة، ولكنْ لا يجوز أنْ يتحوّلَ التعليم إلى عملٍ تجاريٍّ. هنالك إرباكٌ بين وجود جامعاتٍ خاصّةٍ تملكها جمعيّاتٌ ومؤسّساتٌ أهليّةٌ وقد تستثمر بها في الصناعة وغيرها، ولاسيّما في مجال الأبحاث، وبين تأسيس جامعاتٍ ومدارسَ كمشاريعَ تجاريّةٍ ربحيّةٍ لا تملكها جمعيّاتٌ ومؤسّساتٌ خاصّةٌ بل رأسُ مال خاصٌّ. ولا بدّ من وجود جامعات خاصّةٍ إلى جانب جامعات الدولة، وهي الأساس، ولكنْ لا يجوز بأيّ حالٍ من الأحوال أنْ يكونَ التعليم خاضعًا لقوانين السوق.
موجزُ طروحات المشروع العربيّ الديمقراطيّ المعاصر
1. ليست العروبة منظومةً إيديولوجيّةً، ولا منظومةً فكريّةً سياسيّةً، بل هي ثقافةٌ وطنيّةٌ قوميّةٌ تشكِّل أساسًا لوحدة الشعب في كلّ دولةٍ عربيّة، ولوحدة الأمّة بشكلٍ عامّ. ولا يُعفي التمسّكُ بها من طرح برنامجٍ ديمقراطيٍّ اجتماعيٍّ يتوخّى حقوقَ المواطن المدنيّة والعدالة الاجتماعيّة.
2. فشلت الدولة القطْريّة العربيّة في إقامة دولة المواطنين، وفي عمليّة بناء أمةٍ قطْريّة. كما فشلتْ في تجاوز ذاتها نحو تحقيق حالة تعاونٍ واتّحادٍ عربيَين.
3. لا بديل مِن الهويّة العربيّة داخل الدولة القطْريّة، وفي العلاقة بين الشعوب العربيّة، إلاّ المذهبيّة والطائفيّة.
4. يَحكم الدولةَ القطْريّةَ العربيّة، أمَلَكيّةً كانت أمْ جمهوريّةً، كارتِلٌ مؤلّفٌ من نظام الأسرة الحاكمة والمحاسيب والأجهزة الأمنيّة ورأس المال الخدماتيّ والتجاريّ غير المنتِج. ويشكّل الاقتصادُ الريعيّ عنصرًا أساسيًا فيها.
5. تعيش هذه البنيةُ، والتبعيّةُ للاستعمار، وحالةُ التجزئة العربيّة، علاقةً جدليّةً دائمةً في ما بينها، بحيث يُغذّي أحدُهما الآخرَ.
6. يشكِّل غيابُ نظام المواطنة (القائم على الحقوق والواجبات)، وحضورُ الفساد، والفجوةُ الطبقيّة، وتآكلُ الطبقة الوسطى، وديمومةُ الاستبداد السياسيّ، جميعًا وحدةً واحدةً. وكلُّ مواجهةٍ مع عنصرٍ من عناصرها مساهمةٌ في المواجهة معها جميعًا. ولا بدّ من أنْ تَجري هذه المجابهةُ بأجندةٍ وطنيّةٍ ديمقراطيّة.
7. القضيّة الفلسطينيّة قضيّةٌ عربيّة. كذلك فإنّ كلّ أرضٍ عربيّةٍ محتلّةٍ هي قضيّةٌ عربيّة.
8. إسرائيل كيانٌ عنصريٌّ استعماريٌّ استيطانيّ، لا توجد إمكانيّةٌ لسلامٍ معه. والمستقبل الوحيد الذي ترضى به الشعوبُ العربيّة هو المساواةُ الكاملةُ بين جميع سكّان فلسطين، العرب وغير العرب، بعد تحرّرهم من كيانيّةٍ سياسيّةٍ صهيونيّة.
9. المقاومةُ فعلُ تحرّرٍ للإرادة السياسيّة وفعلُ تحريرٍ. المقاومة هي أحد أهمّ المؤشّرات إلى الإرادة الحقيقيّة للأمّة في وجه الاستبداد المحليّ والاستعمار على حدٍّ سواء. وتساهم المقاومة في تحرير الأرض العربيّة المحتلّة. ولكنْ لا يمكنها هزمُ إسرائيل كليًا؛ فهذه وظيفة الشعوب والدول العربيّة ـ وهي قادرة عليها. ويعارض المشروعُ العربيّ الديمقراطيّ أيَّ تطبيعٍ مع الفكرة الصهيونيّة، ومع إسرائيل كتجسيدٍ لها.
10. تجري محاولةُ تفكيك أواصر العلاقات العربيّة في مرحلة تراجع الهيمنة الأميركيّة على الصعيد العالميّ، وقيام تكتّلاتٍ إقليميّةٍ ودولٍ إقليميّة. ويبدو أنّ العرب هم في أمسِّ الحاجة إلى تحديد فهمهم لمصالحهم المشتركة ولأمنهم القوميّ. ومن الواضح أنّ الرفض الرسميّ العربيّ لفهم هذه الحاجة، والإصرارَ على علاقة كلّ دولة على حدة مع الولايات المتّحدة بوصف ذلك هو الهمّ الرئيس لسياستها الخارجيّة، يتعارضان تعارضًا كليًا مع موقف الشعوب العربيّة التي تطالب بتعميق العلاقات العربيّة ـ العربيّة وتوسيعها.
11. أيّ مشروعٍ عربيٍّ ديمقراطيٍّ مقبلٍ يجب أنْ يخاطب همومَ المواطن العربيّ. ويتوقّف نجاحُه على قدرته على ربط مشروع التعاون والاتّحاد العربيّين بهموم المواطن ومصالحه.
12. وهذا يعني التشديد على خطواتٍ مرحليّة: مثل إلغاء التأشيرات عند التنقّل بين الدول العربيّة، وإزالة الحواجز الجمركيّة، وإقامة مشاريعِ بنًى تحتيّةٍ في مجالات الاتّصالات والمواصلات وسياسات الطاقة والغذاء والبيئة. ولا بدّ من طرح هذه المطالب وإقامة تحالفات اجتماعيّة وسياسيّة حولها.
13. لا تناقض بين الهويّة العربيّة والإسلاميّة، وبين الثقافة العربيّة والحضارة الإسلاميّة. ويدرك أيُّ مشروعٍ عربيٍّ ديمقراطيٍّ قادمٍ أهميّةَ الإسلام دينًا وثقافةً للعرب أفرادًا وجماعات. ولكنّه يرفض الإملاءَ والقسرَ الدينيّ بقوّة السلطة والسياسة. كما يرفضُ التكفيرَ الدينيَّ في السياسة. ويرفض أيضًا تحويلَ العلمانيّةِ إلى دينٍ جديدٍ معادٍ للدين، أو يقسّم الناسَ بين متنوّرين وظلاميّين.
14. المواطنة وحدها، لا الانتماء القوميّ أو الإثنيّ، هي أساس العلاقة بين الفرد والدولة.
15. يعترف المشروعُ العربيّ الديمقراطيّ بالانتماءات غير العربيّة في إطار الوطن العربيّ، وبحقوقٍ ثقافيّةٍ جماعيّة، وإدارةٍ ذاتيّةٍ بدرجاتٍ متفاوتةٍ حسب الظروف العينيّة، وذلك في إطار المواطنة المتساوية. مع التأكيد أنّ العروبةَ هويّةٌ ثقافيّةٌ حضاريّةٌ لغويّة، لا هويّةٌ قائمةٌ على العِرق أو الأصل.
16. يؤكّد المشروعُ العربيّ الديمقراطيّ أهميّة ترسيخ اللغة العربيّة وتطويرها. فهي نواة الثقافة العربيّة التي تجمع الشعوبَ العربيّة في فضاء الحضارة العربيّة الإسلاميّة.
عمّان
المقالة منشورة في مجلة الآداب, ٩-١٠/ ٢٠١٠

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro